مختارات من الكتب

محمد كرد علي : حملة فرنسا على المدن الأربع .. معركة ميسلون 1920

 
 
 

يعد كتاب خطط الشام للعلامة محمد كرد علي مصدراً مهماً لتاريخ سورية، ولاسيما الفترة التي عاصر فيها كردعلي الأحداث والتي تمتد من أواخر العهد العثماني وحتى بدايات عهد الانتداب الفرنسي على سورية.

أهمية مشاهداته عن تلك المرحلة تنبع من مكانته ودوره فيها، وهو الصحفي الذي أسس مجلة المقتبس عام 1906م.

وفي الجزء الثالث من كتابه  قدم كردعلي عرضاً لتفاصيل وأحداث عديدة حول المعركة،أعدنا نشرها بالمصطلحات التي نشرت به تحت عنوان:

 (حملة فرنسا على المدن الأربع)


كانت الحكومة العربية في أيدي العامة والهازلين من أمراء جيشها وخطط الأحزاب متضاربة وأعضاء كل حزب متعاون متشاكسون بينهم. وكان الجنرال غور المفوض السامي في سورية ولبنان يعزز جيشه في الساحل، ويستدعي من فرنسا فرقاً من الجند فأرسل يوم 11 تموز 1920 إلى الملك فيصل كتاباً مطلعه: بينما كانت السكينة سائدة في سورية أثناء الاحتلال الانكليزي ابتدأ الفساد يوم حلت جيوشنا محل الجيوش البريطانية ولا يزال أخذاً بازدياد منذ ذاك الوقت.

وأرسل إليه ايضاً يوم 14 تموز 1919 بلاغاً يدور على خمس مواد، وهي أن يعطي لفرنسا الخط الحديدي من رياق إلى حلب، وأن تلغي حكومة فيصل القرعة العسكرية التي أخذت تجمعها ويقبل الانتداب الافرنسي والنقود السورية ويضرب على أيدي الأشقياء.

فطلب الملك مهلة أربع وعشرين ساعة فانتهت مدة الاندار الأول في 18 تموز الساعة الحادية عشرة والنصف تقريباً ثم مددت أربعاً وعشرين ساعة أخرى ثم مدتت ثانية وانتهت يوم 22 تموز.

ووقع تأخير في إرسال الجواب بالايجاب أي بقبول مطالب فرنسا، وكان الداعي إليه انقطاع الاسلاك البرقية فأمر الجنرال غورو جيشه بالمسير إلى دمشق بقيادة الجنرال غوابيه يوم 21 تموز فسار إلى البقاع واحتل رياق، وأخذ يصعد اكمات مجدل عنجروكان الجيش العربي اتخذ له حصوناً في تلك الاكمات وكان تجمع بعض عامة دمشق وبضع مئات من البدو عسكر البيشة الحجازي، وأخذوا يخفقون إلى مقابلة الجيش الافرنسي الزاحف فوصلوا إلى جبال ميسلون.

وفي 22 تموز خرجت كتيبة عربية من حمص مغيرة على الجند الافرنسي في تلك كلخ فانهزمت الكتيبة وأخذ منها 151 اسيراً بينهم ضابطان وثلاثة مدافع رشاشة.

في 22 تموز أعلم الجنرال غورو الملك فيصل أنه مستعد أن يتوقف عن الزحف إذا قبل بمواد الإنذار وبالشروط التالية:

1- تنشر حكومة دمشق منشوراً كتب مسودته الفرنسيس وبينوا فيه السبب الذي حملهم على إعطاء الأوامر للجنود بالزحف على دمشق والسبب الذي توقف من أجله ذلك الزحف.

2- الموافقة على بقاء الجنود الافرنسية حتى نهاية الخط الذي وصلوه وقتئذ ليوم تنفيذ جميع شروط الاندار.

3- تسليم خط السكة الحديدية من رياق إلى التكية للفرنسيس وبقاؤه بأيديهم في هذه المدة.

4- سحب جميع الفصائل الشريفية إلى شرقي هذا الخط وجعل الدرك تحت رعاية الفرنسيس بالمنطقة التي تم احتلالها.

5- تتوقف حكومة دمشق عن إرسال المعاونات للعصابات المنظمة التي تعمل في المنطقة الافرنسية.

6- نزع السلاح من أهالي دمشق ومن الجنود الذين سرحوا.

7- قبول بعثة افرنسية بدمشق تقف على صورة تنفيذ شروط الإنذار، وترسلم خطة للمباشرة بتطبيق الانتداب الافرنسي على الشام.

كان الجيش الافرنسي الزاحف على دمشق مؤلفاً من عشر كتائب مشاة وست كتائب فرسان وسبع بطاريات من الجنود الافرنسية والسنغالية والمراكشية والجزائرية والجيش العربي مؤلفاً من بضعة الوف ولكن على الورق لا بالفعل مشتتاً في حلب وحمص ودمشق وليس له وحدة في القيادة وصدر الأمر إلى الجند المرابط في حصون المجدل من الجيش العربي بالتسليم وفض الجيش ثم عاد فصدر الأمر ثانية إلى جماعة الحصون أن يبقوا على المقاومة ولم يكن عددهم يزيد على مئة وعشرين جندياً وأصبح الحكم في دمشق للغوغاء الذين كان يحمسهم زعماؤهم وهجموا على القلعة لأخذ السلاح منها فنهبوا الذخائر فاضطرت الحكومة لحفظ الأمن ان تستعمل فيهم القوة فقتل منهم نحو مئتي انسان وبات الناس في كرب عظيم وهكذا  حدث تبلبل، ولم تصل برقية الملك فيصل إلى المفوض السامي للجمهورية الافرنسية بقبول شروط فرنسا كلها الا بعد ان تقدم الجيش الافرنسي ووصل إلى ميسلون من طريق دير العشائر إلى الميماس وقطع خط الرجعة على العرب فدارب الحرب في عقبة الطين بين الجيش الزاحف وبين سرايا الجند العربي وجند البدو المتطوعة.

وكان الجيش العربي أربعمائة جندي ومئتين من الهجانة يصحبهم وتبعهم من الأهالي والعربان عدد يختلف بين الأربعة والخمسة آلاف على رواية الريحاني فقتل في أربع ساعات بقنابل الطيارات وقذائف البنادق الرشاشات كثير من الفريقين وفي مقدمة الوطنيين يوسف بك العظمة ناظر حربية الملك فيصل، وكان من أكبر القائلين بالمقاومة وعرف انه غلط في تقدير القوة وسبق السيف العذل بعد صدور أمر الملك بفض الجيش وتراجع القوة المنظمة في الجملة فآثر الانتحار في خط النار واستشهد في ساحة الحرب محافظاً على شرفه العسكري، وقد قتل الجيش الزاحف طائفة من الأهالي الذين حاربوه بعد ان سقطوا أسرى في يده لأن قانون الجندية يبيح قتل غير الجند إذا اشتركوا في المعمعة وفي رواية انهم أجهزوا على الجرحى الوطنيين وحفروا قبورهم بأيديهم قبل أن يرموا بالرصاص.

وترك الجيش العربي في ساحة الحرب 15 مدفعاً قيل أن بعضها كان معطلاً قبل ان ينصب في أماكنه و40 رشاشاً وذخائر كثيرة.

حدثني ثقة زار ساحة ميسنون غداة الواقعة رواية عن ضبط سنغالي برتبة وكيل ان قتلى الوطنيين في ميسنون من 1200 الى 1500 وأنه قال له الضابط: أقسم بالله أنه لم يلوث أحد السنغاليين يده بدم أحد من الوطنيين. قال محدثي: ان كل من رآهم مجندلين من قتلى الجيش الداخل هم من السنغاليين ليس فيهم أحد من الجنس الأبيض.

وعاد المنهزمون من ساحة الحرب فدخل الجيش الافرنسي من الغد إلى دمشق “25 تموز” وأبلغ رئيس البعثة الافرنسية الكولونيا تولا الملك فيصل أن يغادر دمشق عملاً بقرار حكومة الجمهورية بأسرع ما يستطاع في السكة الحديدية الحجازية مع عائلته وبطانته على قطار خاص أعارته اياه فأذعن وعين قبيل رحيله علاء الدين بك الدروبي رئيس وزارة على ان يختار بنفسه من يشاء من الوزراء، واعطاه تقليد الوزارة قبل سفره ليملاه بالوزراء الذين يختارهم دليل الثقة به. فلم يلبث ان الف وزارته من الغد القى خطاباً في دار الحكومة حط فيه من كرامة ولي نعمته الملك فيصل فأشمأز ارباب الوفاء من مصانعته، ولم يلبث أن أرسل اليه برقية يقول فيها ان السلطة العسكرية تبلغ جلالتكم انها تطلب خروجكم من حوران وانها وضعت تحت أمركم قطاراً فان لم تفعلوا ضربت قنابل طياراتها قرى حوران.

سقطت دمشق في 24 تموز بعد وقعة ميسنون، وسقطت حلب يوم 23 بيد الجنرال دي لاموت عقيب مناوشة طفيفة، وحمص وحماة يوم 28 منه بدون صعوبة فقبضت فرنسا على قياد المدن الأربع وحكم الديوان الحربي الافرنسي على 58 رجلاً من الوطنيين أكثرهم من حاشية الملك وبعضهم من أهالي جبل عامل وتركت الحكومة المنتدبة لهم المجال حتى انهزموا ومنهم من لحق بالملك ومنهم من سار إلى شرقي الأردني أو فلسطين أو مصر.

لم يسمع للعقلاء رأي قبيل هذه الحوادث، وكثير منهم كان يكتم فكره لئلا يرمي بضعف الوطنية، ومنهم من لم يسعهم السكوت فصرخوا وأوذوا وهجموا، ونال العامة منهم بإيعاز الزعماء. لكن كان أهل المصالح الحقيقية في البلاد يحاذرون التهاور، ويودون لو تتفاهم الحكومة الوطنية مع حكومة الانتداب، ولطالما نصحوا سراً للقائمين بالدعوة إلى الاستقلال ان يترددوا في الأمر ولا يعمدوا إلى المقاومة الفعلية لاعتقادهم مضرة ذلك وأن يجعلوا سلاحهم المناقشة بالحسنى لئلا تنزل فرنسا المدن الأربع حرباً، وان يقبل مستشاروهم وبعض مطالبهم الخفيفة، وأن يرسل إلى باريز ولندرا وفد من أرباب المكانة والمعرفة يطلب شروطاً موافقة للانتداب في الشام وهو واقع لا محالة، اذ ليس في يد الملك فيصل ولا في يد ابيه الملك حسين عهد وثيق من دول الحلفاء يثبت له ولا لأبيه ملكية الشام، وغاية ما ربحه الملك حسين من اتحاده مع الحلفاء في الحرب استئثاره بملك الحجاز، وكان الحلفاء وعدوا ان يمنحوا العرب استقلالهم ويساعدونهم على نيله، وبهذه الوعود انضم نحو ثمانين الفاً من العرب إلى صفوفهم وقاتلوا معهم الأتراك بقيادة الأمير فيصل الذي لم يفوا بوعودهم على ما يرضي العرب.

بعد وقعة ميسنون فصلت إدارة البقاع وبعلبك وحاصبيا وراشيا عن أحكام المدن الأربع واستقل الجنرال دي لاموت بأحكام حلب ودير الزور والاسكندرونة وظلت دمشق وحمص وحماة وحوران دولة ذات وزارة وكانت عجلون والصلت وعمان ومعان جعلت حكومة يرأسها سموها حكومة شرق الأردن، ثم دعيت حكومة الشرق العربي بإمارة الأمير عبد الله شقيق الملك فيصل. وهكذا دخلت المدن الأربع في الانتداب الافرنسي كما دخل الساحل لأول عهد دخول الحلفاء منذ السنة الماضية.

وخطب الجنرال غورو في دار الحكومة بدمشق أن فرنسا ما جاءت إلى هذه البلاد مستعمرة وسترونها أمينة على تقاليدها، راغبة في أن تضمن استقلالكم في عهد الوصائة الحر، وقال : ان العصاة التي كانت تهاجم الجيش الفرنساوي لم يكونوا من الأشقياء فقط بل كان يقودهم ضباط الجيش النظام وتمد بالأسلحة والاعتاد والمال ومع أن فتكها لم يكن شديداً في جنود فرنسا فإن اضرارها كانت عظيمة على الشعوب الغير المسلمة اذ هدمت بيوتاً ودمرتها تدميراً وأحرقت القرى والساكر ونهبت الأموال والمواشي وكانت أعمال الحكومة الشريفية الرسمية لا تقل بإزاء فرنسا عدا عن أعمال عصاباتها.

وكان نشر منشوراً في الطيارات على أهالي سورية قبيل وقعة ميسنون قال فيه: ( قيل لكم ان فرنسا ترغب في استعماركم وانها تريد استعبادكم وماذلك الا افك مبين. ان فرنسا قبلت الانتداب التي عهد بها اليها مؤتمر السلم على سورية وهي عازمة على ان تدع الموظفين يزاولون أشغالهم بشرط ان لا يعملوا بسلطتهم ضدها فيخونون هكذا العهود والمواثيق المقطوعة.

المصدر
كرد علي (محمد)، خطط الشام، الجزء الثالث، صـ 180- 184
 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


 
 
 
سورية 1900 سورية 1901 سورية 1902 سورية 1903 سورية 1904
سورية 1905 سورية 1906 سورية 1907 سورية 1908 سورية 1909
سورية 1910 سورية 1911 سورية 1912 سورية 1913 سورية 1914
سورية 1915 سورية 1916 سورية 1917 سورية 1918 سورية 1919
سورية 1920 سورية 1921 سورية 1922 سورية 1923 سورية 1924
سورية 1925 سورية 1926 سورية 1927 سورية 1928 سورية 1929
سورية 1930 سورية 1931 سورية 1932 سورية 1933 سورية 1934
سورية 1935 سورية 1936 سورية 1937 سورية 1938 سورية 1939
سورية 1940 سورية 1941 سورية 1942 سورية 1943 سورية 1944
سورية 1945 سورية 1946 سورية 1947 سورية 1948 سورية 1949
سورية 1950 سورية 1951 سورية 1952 سورية 1953 سورية 1954
سورية 1955 سورية 1956 سورية 1957 سورية 1958 سورية 1959
سورية 1960 سورية 1961 سورية 1962 سورية 1963 سورية 1964
سورية 1965 سورية 1966 سورية 1967 سورية 1968 سورية 1969
سورية 1970 سورية 1971 سورية 1972 سورية 1973 سورية 1974
سورية 1975 سورية 1976 سورية 1977 سورية 1978 سورية 1979
سورية 1980 سورية 1981 سورية 1982 سورية 1983 سورية 1984
سورية 1985 سورية 1986 سورية 1987 سورية 1988 سورية 1989
سورية 1990 سورية 1991 سورية 1992 سورية 1993 سورية 1994
سورية 1995 سورية 1996 سورية 1997 سورية 1998 سورية 1999
سورية2000

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي