مقالات

مدينة ُحماة  في «الوثائق الهَاشميَّة – مذكَّرات عبد الله بن الحُسين» (2/1)

  •   
  •   
  •   

سليمان الصليعي الحراكي –  التاريخ السوري المعاصر

مدينة ُحماة  في «الوثائق الهَاشميَّة – مذكَّرات عبد الله بن الحُسين» (2/1)

مدينة ُحماة  في «الوثائق الهَاشميَّة – مذكَّرات عبد الله بن الحُسين»

القسم الأوَّل: وثائق ثورة حماة عام (1945 م)

[1] حماة في عينُ العَاصفة:

(لقد بدأت المعركةُ الفاصلة، فعلى كلِّ فردٍ من أفراد الأمَّة أن يتمسَّك بالنِّظام، ويتجنَّب الأعمالَ الفرديَّة، وينفِّذَ الأوامر المُعطاة إليه من القِيادَة، خشيَةَ حُدوث شيءٍ من الخللِ والفوضى في قوى النِّضال الوطني، وتفادياً من وقوعِ ضَحايا وإصِابات يُسْتَطاع تحاشيَهَا، لذلك نطلب التقيُّد بما يأتي:

– عدم التجمُّع في الشَّوارع، ولا في الأماكنِ المعرَّضة لنيرانِ العدوِّ، وبصورةٍ خاصَّةٍ النِّساء والأطفال.

– عدم التقرُّبِ من مواقع القتال، ومن فعلَ ذلكَ كان عُرضةً لنيرانِ القُوى الوطنيَّةِ والعدوِّ في وقتٍ واحد، وبقيَ بين نَارين.

– الأمَّة كلُّها صفٌّ واحدٌ تقاتلُ عدوَّاً واحداً ، فعلى الأهلين ألَّا يُصْغُوا إلى إشاعاتِ السُّوء التي يُذيعُها جواسيسُ الفرنسيين للتفرقة والشِّقاق .

حماة في 27 أيار  1945 م،  مركز القيادة الوطنيَّة) [1].

هذا ما أوردته الوثيقة رقم [100 أ – ط] – [210-180] من المجلد الثَّالث “الوثائق الهاشميَّة – أوراق عبد الله بن الحسين” تحت عنوان : «نداءاتٌ إلى الشَّعب السُّوري من مركز القيادة الوطنيَّة في حماة»، وهي النَّشرة الأولى الصَّادرة عن مطبعة الإصلاح بحماة، في إعلان بيان الثَّورة ضد القوات الفرنسية المحتلة.

هذا البيانُ وما تلاهُ من نشراتٍ وبيانات، كان باكورةَ ثورة عام (1945 م) والذي تصدَّرت حماة فيه لقيادة ثورةٍ عمَّت ربوع البلاد السُّورية جميعها، حيث جاء في النَّشرة الثَانية التي صدرت بعنوان «حماة بنت المجاهدين، وأمُّ الغرِّ الميامين» تفاصيلُ إضافيَّة لتنظيم سير الثورة، وإرشاداتٌ عامَّةٍ لأهل حماة، بتاريخ (16 جمادى الثانية 1364 هـ/ 28 أيار 1945 م) [2].

وفي النَّشرة الثَّالثة التي تحملُ رقم [110ج] – [208-180]، أبرزَ البيان الثَّالث المؤرخ في (17 جمادى الثانية 1364 هـ/ 29 أيار 1945 م) اتساع نطاقِ الثَّورة فجاءَ في البندِ الخَامسِ منهُ أَنَّ: (موقفِ المُدنِ السُّورية من فرنسا متشابه تماماً، ففي حلب نضالٌ أزالَ قوى الأجنبي وأقضيتها، ولم يبقَ لهم سوى ثكنة التُرك، وها هي حمصُ قد ثارت على العدوِّ الغاصب، ودمشق غاضبةٌ تفور، وثكناتُ العدوِّ مطوَّقة، وكذا بقية المدن) [3].

وفي النشرة الرَّابعة التي تحمل رقم [100 د] – [207-180]، أبرز البيان الرَّابع المؤرخ في (18 جمادى الثانية 1364 هـ/ 30 أيار 1945 م) الانتصارات التي حقَّقها الثوار في حماة، (وتحركِ الحسِّ القومي في نفوس جنودِ مطار معردِس) الَّذين تركوهُ خالياً، يُرفرفُ فوقه عَلمُ الثَّورة، كما أشادَ البيانُ بموقفِ أهلِ “دير الزُّور” فجاءَ فيه مخاطباً كلَّ حموي: (لستَ أنتَ في حَماة وَحدكَ في الميدان، فقد هبَّت أكثرُ المدن السُّورية، تناضلُ عن حرِيَة الوطن، وهاهي عروس الفُرات “دير الزُّور” قد ثارت على العدوِّ وحاصرتهُ في ثكناته، بعد أن كبدته أكثر من مائة قَتيل، ويُنتظر احتلال الثكنات بين حينٍ وآخر) [4].

وفي النشرة الخامسة التي تحمل رقم [100 هـ] – [206-180]، صدر البيانُ الخامسُ المؤرَّخ في (19 جمادى الثانية 1364 هـ/ 31 أيار 1945 م)، والذي حمل عنوان «يوم حماة»، والذي تعرَّض لتفاصيل عسكريَّة، مشبهاً صمودَ أهلِ حماةَ بصمودِ المدافعين عن “سِتالين غراد”، حيثَ قام أهل حماة (بصدِّ قوى العدوِّ الغاشم بعتادهم البسيط مُستقِطِيْن طائرتينِ، ومُتلفين دبابتين مسلَّحتين بمدفعين من عيار خمسة وسبعين مليمتراً، ومصفَّحتين وعدداً من سيَّارات نقل الجنود والعتَاد، ومدفعاً. كما ألحقوا بهِ – يُقصَدُ الجيش الفرنسي – خسائِر كبيرةً في الأرواحِ من ضبَّاط وجنود يفوقُ عددهم الخمسين: بينهم قائد برتبه “قومندان”، فألجأته نذالتُه للثأرِ من النِّساء والأطفال بقصف المدينة بقنابل المدفعيَّة، وقذفهَا من الجوِّ بالقنابل الثقيلة ستراً لفراره وتغطية لعاره) [5].

وفي النَّشرة السَّادسة التي تحمل رقم [100 و] – [205-180]، جاءَ البيانُ السَّادس المؤرخ في (20 جمادى الثانية 1364 هـ/ 1 حزيران 1945 م)، والذي حمل عنوان «وجه فرنسا الحقيقي»، ليبرزَ الجرائم الوحشيَّة التي ارتكبتها فرنسا عند قصفِها مدينة حماة بالمدفعية الثَّقيلة والطيران، وجاءَ في ختام البيان: (لكنّ ما هو أثر ذلك في نفوس الحَمويين؟ الغَضب، الثَّورة، الثَّأر … الغضبُ للحريم، والثَّورة على الغاشمين، والثَّأر للشُّهداء الميامين. هذا هو شعار المُجاهدين في حماة، ومن هبَّ لنجدةِ حماة من العشائرِ العربيَّة المعروفة بالنَّخوة والمروءة) [6].

وفي النشرة السابعة التي تحمل رقم [100 ز] – [204-180]، جاء البيان السَّابع المؤرخ في (21 جمادى الثانية 1364 هـ/ 2 حزيران 1945 م) مبشراً بانتصاراتٍ ساحقة بعنوان «نصرٌ من الله وفتحٌ قريب»، (فها هي الجزيرة ودير الزُّور وجبل العرب وحوران قد قضي فيها على الجيوش الفرنسية التي أصبحت ما بين قتيل وأسير، وهاهم في مدينتنا حماة قد قبعوا في ثكنتهم “الشُّرفة”) [7].

وفي النشرة الثامنة التي تحمل رقم [100 ح] – [203-180]، جاء البيان الثَّامن المؤرَّخ في (22 جمادى الثانية 1364 هـ/ 3 حزيران 1945 م) تحت شعار «أيها المجاهدون !» ذكَّر البيان بجرائم فرنسا في عموم البلاد العربيَّة فجاء فيه ما نصُّه: (فاذكروا أيها العربُ، ولا تنسوا ما فعلوه منذ عهد قريب في شمالي إفريقيا العربيَّة، من تقتيلٍ وتشريدٍ وتفظيعٍ تقشعرُّ له الأبدان، فشدُوا العزائم واشحذوا الهِمم وكونوا على أهبَّة الاستعداد لليوم الحاسم، اليوم الذي يقذف فيه بآخر فرنسي إلى البحر) [8].

وفي النشرة التَّاسعة التي تحمل رقم (100 ط) – (202-180)، جاء البيان التَّاسع المؤرخ في (26 جمادى الثانية 1364 هـ/ 7 حزيران 1945 م) تحت عنوان «أيُّها الشَّعب النَّبيل»، بشَّر فيه البيانُ بالنَّصرِ العظيم، ورفعِ العلم السُّوري فوقَ “ثكنة الشُّرفة”، مؤذنا بزوالِ عهدِ الاستعمار، وشكرَ البيانُ (عَطوفة محافظ حماة السيِّد خَالد الدَّاغستاني، الذي أظهر النُّبل والجرأةَ والثباتَ، ما ساعد على كسب الظفر، وكذلكَ قائد درك حماة السيِّد حلمي الجرَّاح وجنودهُ البواسل) [9].

[2] الكتلة الوطنيَّة تطلبُ التَسليحَ من الأُردن:

وفي الختام أوردت المذكَّرات الهاشميَّة رسالةً مهمة من نائب حماة “رئيف ملقي” (ت 1988 م) رئيس “الكتلة الوطنيَّة” في حماة، موجهة ًإلى الأمير عبد الله بن الحسين العبدلي أمير إمارةِ شرقي الأردن حينها، قبل تأسيس المملكة الأردنية الهاشمية بتاريخ (25 مايو 1946 م)، يطلبُ المساعدةَ والدَّعم اللُّوجستي بالسِّلاح والعتاد، مع صور توضِّح غنائم الحمويين من الأسلحة الفرنسيَّة، وفق النصِّ التالي:

(سيدي صاحبَ السموِّ الأمير عبد الله فرع الشَّجرة الطَّاهرة المعظم.

أقدم أسمى احتراماتي، وألثم يدكم الطَّاهرة، وبعد …

فإنني لن أنسى عطفكم السَّامي الذي أحطموني به خلال مدَّة وجودي في عمَّان، وكنت أتمنى أن تطول مدَّة مَكْثِي في رحابكم العامرة، ولكنَّ العوامل التي سببت شخوصي إلى عمان هي التي حملتني على العودِ السَّريع، ولما غادرت “الرَّمثا” ميمماً شطر “حماة” اختلجت في نفسي نوازعٌ وآمالٌ كانت تجيشُ في صدري، وتقتضيني البقاءَ قربَ سموِّكم، ولكنَّ أنَّات الوطن الجريحِ كانت تستحثُّ خُطاي للمساهمةِ في ردِّ العدوان ، ودفع عادية الطُّغيان، فوصلنا “درعا” والمعركة في حماها، فقمنا بمجهودنا الضَّئيل تجاه الواجب المقدَّس، وقد كان لما حملناه أثرٌ بارز في احتلال الثكنة.

سيدي الأمير: لقد سبقتنا الحوادث، والبلادُ لم تكن على استعداد لتلقي ضربة العدوان الفرنسي، ولعلَّ من أهم العوامل انصراف الحكومة للنَّاحية السياسية فحسب، فكانت تدعو الشَّعب للهدوء والانتظار، ولكنَّ مدينة حماة اندفعت في الاستعداد بقوَّةٍ وشدَّة، وانصهرت قواها الكاملة في بوتقة واحدة، بحيث أصبحت المدينة بشيبها وشبابها، رجالها ونسائها وأطفالها، فقرائها وأغنيائها قوَّة مُنسجمة، تُشكل مُعسكراً مُتحدَ المُيول والمنَازعِ، متعطِّشاً للموتِ في سبيل الحياة، فجرفت بتيارها الجهاز الحكوميَّ المحلي، فلم يَعُدْ لتعليماتِ الحكومة المركزية أثر ما في تعديل وضع حماة التي اندفعت إليه عن عقيدةٍ وإيمانٍ، واشتبكت مع الفرنسيين في عدَّة معارك. كانت النَّجدات الفرنسيَّة تتوالى على حماة، ولكنها صُدَّت، وكثيراً ما هُزمت شرَّ هزيمة، تلاشت معها معنوياتُ العدوِّ فالتجأ إلى قصف المدينةِ بالمدافع من الثَّكنة ومن الجوِّ بالطائرات، هذا القصف الذي أرادوا أن يكون مروِّعاً كان يقابل من النُّسوة والأطفال بل الرِّجال بهتافِ “الله أكبر، اخسؤوا”.

سيدي الأمير: لقد عرف الحمويون عطف سموكم على قضيتهم، فلم يستغربوا ذلك من ابن الحسين العظيم منقذ العرب وباعث نهضتها، فكانت نشوةٌ طغت على نشوة الظفر على العدوِّ الغاشم، ويعتقد الحمويون أنَّ العمل لم ينته بعد بل يرون أنه ابتدأ الآن، فلم يتركوا السلاح، ولا يزالون يستعدُّون ولكن يعوزهم السِّلاح، وقد اتصلت قبل السفر بالأخ عمر بك العمري، وأعتقد أنَّه مَثَلَ بين يدي سموكم.

ورأيت أن أحسن هدية أتقدم بها إلى سموكم ، وتكون حائزة على الرضى والقبول، مجموعة من صور الغنائم والأنفال التي ربحها الحمويون في معركتهم الأخيرة مع الإفرنسيين الطغاة، مع مجموعة النشرات التي وزعت أثناء الحوادث.

أعتقد والإخوان أن العقبات التي كانت تحول دون العملِ الجدي لمصلحة العرب عامة، قد زالت بحكم الحوادثِ الأخيرة، كما أنه أصبح من الممكن بل الواجب، إعادة النظر في ميثاق الجامعة مترقبين أوَّل فرصة للمثول بين يدي سموكم، وتقديم واجبات الاحترام والتعظيم سيدي المُعظَّم.

حرِّر في بيت الأمَّة – بيت المرحوم الدكتور توفيق شيشكلي. 3 رجب 1364 هـ/ 13 حزيران 1945 م

نائب حماة – رئيف الملقي) [10].

يتبين مما سبق، كيف استطاعت مؤسسات الأعيان في مدينة حماة قيادة تلك المرحلة المفصلية، عبر تنظيم الجهود وتأطيرِ العمل على مختلف الأصعدة السيَّاسية والعسكرية، هذا فضلاً عن تأمين خطوط الإمداد، وإيصال صوت المدينة إلى دول الجوار وعبرها إلى القوى الدَّولية الكبرى.


[1] الوثائق الهاشمية (3/259).

[2] الوثائق الهاشمية (3/260).

[3] الوثائق الهاشمية (3/261).

[4] الوثائق الهاشمية (3/261-262).

[5] الوثائق الهاشمية (3/262-263).

[6] الوثائق الهاشمية (3/263-264).

[7] الوثائق الهاشمية (3/264-265).

[8] الوثائق الهاشمية (3/265-266).

[9] الوثائق الهاشمية (3/266-267).

[10] الوثائق الهاشمية (3/272-274).


اقرأ:

مدينة ُحماة  في «الوثائق الهَاشميَّة – مذكَّرات عبد الله بن الحُسين» (2/2)

الشَّخصيات الحمويَّة الرَّئيسية ضِمنَ تقريرِ المُخابراتِ البَريطانيَّة 1943

“نبِّه النُدمان” .. من موشحات الشاعر محمد الهلالي الحموي

الحكومَةُ الحَمَويَّة  – بينَ حُكْمِ دَولَتَين

تاريخ حماة من طوابعها البريديَّة

 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


  •   
  •   
  •   
سورية 1900سورية 1901سورية 1902سورية 1903سورية 1904
سورية 1905سورية 1906سورية 1907سورية 1908سورية 1909
سورية 1910سورية 1911سورية 1912سورية 1913سورية 1914
سورية 1915سورية 1916سورية 1917سورية 1918سورية 1919
سورية 1920سورية 1921سورية 1922سورية 1923سورية 1924
سورية 1925سورية 1926سورية 1927سورية 1928سورية 1929
سورية 1930سورية 1931سورية 1932سورية 1933سورية 1934
سورية 1935سورية 1936سورية 1937سورية 1938سورية 1939
سورية 1940سورية 1941سورية 1942سورية 1943سورية 1944
سورية 1945سورية 1946سورية 1947سورية 1948سورية 1949
سورية 1950سورية 1951سورية 1952سورية 1953سورية 1954
سورية 1955سورية 1956سورية 1957سورية 1958سورية 1959
سورية 1960سورية 1961سورية 1962سورية 1963سورية 1964
سورية 1965سورية 1966سورية 1967سورية 1968سورية 1969
سورية 1970سورية 1971سورية 1972سورية 1973سورية 1974
سورية 1975سورية 1976سورية 1977سورية 1978سورية 1979
سورية 1980سورية 1981سورية 1982سورية 1983سورية 1984
سورية 1985سورية 1986سورية 1987سورية 1988سورية 1989
سورية 1990سورية 1991سورية 1992سورية 1993سورية 1994
سورية 1995سورية 1996سورية 1997سورية 1998سورية 1999
سورية2000

سليمان الصليعي الحراكي

كاتب ومحقق ومؤلف في التاريخ العربي والاسلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي