شهادات ومذكرات

الانفصال في مذكرات الفريق جمال الفيصل – تنفيذ الانقلاب (3/2)

  •   
  •   
  •   

كتب الفريق جمال الفيصل في مذكراته عن تفاصيل وحوادث الانفصال ما يلي:


تنفيذ عملية الانفصال:

في مساء يوم الأربعاء السابع والعشرين من أيلول 1961 ذهبت إلى مكتبي كالمعتاد وقد حضر لزيارتي الوزيران طعمة العبد الله وأحمد هنيدي وغادرا مكتبي في الساعة العاشرة مساءً وقد لاحظت في ذلك الوقت غياب المقدم عبد الكريم النحلاوي عن القيادة لأن من عادته أن يقدم لي معاملات لجنة شؤون الضباط مساء كل يوم، ولدى السؤال عنه علمت بأنه قام بزيارة الوزير جادو عز الدين في منزله.

الاستطلاع الجوي فوق اسرائيل:

تم الاتفاق مع قيادة القوات الجوية على أن تقوم الطائرات العربية بعملية استطلاع جوي فوق المطارات الاسرائيلية والتقاط الصور الفوتوغرافية لتلك المطارات على أن تبدأ العملية من المطارات الموجودة في سيناء ومنطقة القنال ودمشق في الساعة الثالثة والعشرون من مساء يوم السابع والعشرين من أيلول 1961  .

وفعلاً قامت الطائرات بالوقت المحدد بالاستطلاع ثم عادت من مهمتها سالمة ، وأبلغني قائد القوات الجوية السورية العقيد موفق عصاصة بنجاح عملية الاستطلاع في الساعة الرابعة والعشرون من اليوم المذكور. ثم ذهبت إلى بيت المشير وأعلمته بانتهاء عملية الاستطلاع ونجاحها. وهكذا بينما كنا نسهر الليالي للاستعداد للعمليات الحربية القادمة مع إسرائيل كان أعداء الوحدة يستعدون للقضاء عليها.

التنفيذ الفعلي للانفصال:

ذهبت إلى منزلي في حي المزرعة بعد أن أبلغت المشير بنجاح عملية الاستطلاع في الساعة الواحدة من صباح يوم الخميس الثامن والعشرين من أيلول 1961 . وفي الساعة الثانية اتصل معي هاتفياً العقيد محمد اسطنبولي و أعلمني أن معسكر الفدائيين في حرستا تعرض لإطلاق النار من قبل بعض وحدات اللواء ٧٢ الذي يرأسه العقيد جاسم علوان وأن العقيد علوان موجود معه في مكتبه في قيادة الجيش .

فور سماعي للنبأ ارتديت ثيابي بسرعة وقدت سيارتي بنفسي إلى قيادة الجيش في ساحة الأمويين، وعند مدخل القيادة وجدت بانتظاري العقداء محمد اسطنبولي ، جاسم علوان وأحمد زكي وقد كرر العقيد اسطنبولي أقواله السابقة وأضاف عليها العقيد جاسم علوان بأنه قام بتفتيش لوائه في الساعة الثانية عشرة واستقبله رئيس أركانه المقدم مهيب الهندي وأن الوضع كان طبيعياً في اللواء وأنه حاول بعد وصوله لدمشق الاتصال مع المقدم مهيب الهندي أكثر من مرة ، وأخيراً اتصل معه وقال له المقدم مهيب: (إن كل شيء قد انتهى وعلى المصريين مغادرة دمشق وإننا نرفض الوحدة ونريد الاتحاد). وعندئذٍ اتضح لي بعض الأمور أهمها.

أن اللواء المميز ٧٢ الذي تحتفظ به القيادة لصيانة وحماية الوحدة هو الذي قام بضربها .

أن العقيد جاسم علوان كان غائب الفطنة بحيث أنه لم يلاحظ شيئاً مريباً عندما قام بزيارة لوائه قبل ساعتين من تنفيذ الانفصال مع أن اللواء في ذلك الوقت كان يستعد للحركة باتجاه دمشق وأنه كان في تلك الأثناء يتمون بالمحروقات والذخائر وتوزيع المهمات على كتائبه وتجهيز الدبابات بالمدخرات وهذه الأمور تستغرق مدة ثلاث ساعات على أقل تقدير .

أن العقيد محمد اسطنبولي رئيس شعبة المخابرات الحربية لم يتمكن من استجواب الضابطين الطيارين حول الانقلاب الذي ذكراه في تقريريهما رغم مضي ١٥ يوم.

لقد حدث ما توقعته فعلاً عندما طلبت من المشير عامر الموافقة على نقل العقيد محمد اسطنبولي من رئاسة شعبة المخابرات إلى مركز آخر لأن العقيد اسطمبولي على طيب عنصره غير قادر على إدارة شعبة المخابرات الحربية في وقت تتعرض فيه الجمهورية لاضطرابات داخلية. عندما أعلمني العقيد جاسم علوان أن المقدم مهيب الهندي مشترك بمؤامرة الانفصال اتجه تفكيري فوراً إلى المقدم عبد الكريم النحلاوي ورفاقه من الضباط.

صعدت إلى مكتبي وباشرت باستدعاء ضباط القيادة من منازلهم وبعد فترة وجيزة حضر المشير عبد الحكيم عامر بعد أن تلقى نفس الهاتف الذي تلقيته من العقيد اسطنبولي واستمع إلى أقواله وأقوال جاسم علوان وأحمد زكي ثم أصدر أمره باستدعاء الوزراء العسكريين طعمة العود الله، جادو عز الدين، أحمد حنيدي، وأكرم ديري. وفي الساعة الثانية والنصف صباحاً انقطع الاتصال مع دوريات الشرطة العسكرية التي كانت تعمل على محوري دمشق-قطنا و دمشق-القابون-عدرا.

وفي الساعة الثالثة والنصف وصلت وحدات حرس البادية إلى منزل المشير عامر وابتدأت بإطلاق النار الكثيف عليه. وفي هذه الأثناء حاولت الاتصال بالعقيد عواد الباغ رئيس أركان الجبهة ولم أتمكن من الاتصال بأي من ضباط قيادة الجبهة المكلفون بصيانة الحدود وحراستها.

اتصلت بالعقيد رفعت خيري قائد لواء السويداء وأعلمته بنبأ الانقلاب العسكري وطلبت منه إرسال بعض وحداته لتحرير القيادة التي كانت قد حاصرتها دبابات اللواء ٧٢ فأجابني بأنه سينفذ الأمر فوراً. ولكني علمت بعد ذلك أنه كان يقوم باعتقال الضباط المصريين وبالتحضير لمساندة الانفصال في نفس الوقت الذي كان يعدني فيه بمساندة الوحدة والإبقاء عليها.

في تمام الساعة الرابعة اتصل معي هاتفياً العقيد موفق عصاصة قائد القوات الجوية السورية وأعلمني أن بعض وحدات المشاة قد احتلت مطار المزة العسكري وعلمت بعد ذلك أنه كان يتفق مع الانفصاليين في نفس الوقت الذي كان يتصل فيه معي هاتفياً.

في تمام الساعة الرابعة والنصف تم للانفصاليين محاصرة مبنى القيادة ومحطة الإذاعة والهاتف الآلي ومركز الشرطة العسكرية، كما قام المشير عامر بإرسال برقية إلى الرئيس عبد الناصر يعلمه فيها بنبأ الانقلاب ويطلب مساعدته. في تمام الساعة الخامسة صباحاً اجتمع ضباط الانفصال وطلبوا مقابلتي ، فذهبت لمقابلتهم عند مدخل القيادة الرئيسي وفوجئت عندما وجدت كل من العقيد موفق عصاصة ، العقيد محمد منصور الذي قدم من اللاذقية ، العقيد عبد الغني دهمان (قائد منطقة دمشق) ، المقدم حيدر الكزبري الذي كان من المفروض أن يكون في دير الزور لتفقد أحوال الثكنات الشرقية ودراسة إصلاحها وترميمها ، المقدم النحلاوي ، المقدم عبد ربه ، النقيب حناوي ، والمقدم زهير عقيلي.

وعند مقابلتي حاولوا استمالتي إلى جانبهم وابتدروني بالقول : (نحن خدامك ونأتمر بامرك وأنت رئيسنا وقائدنا) ثم أخذ أحدهم طرف ردائي وقبله وقال : (نحن تلاميذك ونطلب منك استلام مقدرات البلد والتحكم فيها كيفما تشاء ولن نخالف لك أمراً). فأجبتهم بالحرف الواحد : (إنكم الآن تقومون بإشعال النار وسوف تحرقون أيديكم وتحرقون البلد معكم فما هي غايتكم ؟).

العقيد موفق عصاصة: (نريد تبديل الوحدة باتحاد يشترك فيه لبنان والأردن).

فأجبته إن الوحدة قائمة فلا تقوموا بتحطيمها وأن لبنان له وضع خاص ولا يمكن أن يشترك بأي اتحاد مع البلاد العربية وكذلك بالنسبة للأردن وأن هذا الأمر سياسي ويتعلق بالرئيس عبد الناصر.

العقيد عبد الغني دهمان: (نريد التخلص من المصريين).

فأجبته بأن التخلص من المصريين لايجب أن يكون سبباً لتحطيم الوحدة وأن الضباط المصريين أشخاص يصيبون ويخطئون كغيرهم، وهذا الأمر تسهل معالجته.

المقدم عبد الكريم نحلاوي: (نريد إجراء بعض الإصلاحات ضمن الجيش وإن حركتنا عسكرية بحتة كما نطلب إعادة الذهب السوري الذي أخذه المصريون من البنك المركزي في دمشق).

فأجبته أنني لا أمانع في إجراء بعض الإصلاحات ضمن الجيش، أما الذهب فإنه لايزال موجوداً في صناديق البنك المركزي بدمشق.

المقدم زهير عقيلي: (إن الوضع الاقتصادي سيء جداً ونريد العمل على تحسينه والتخلص من الضباط المصريين).

ثم اختتمت الحديث ووعدتهم بنقل مطالبهم فوراً إلى المشير عبد الحكيم عامر. ولدى بحث الأمر مع المشير طلب مقابلة المقدم عبد الكريم نحلاوي مدير مكتبه في دمشق والذي يتمتع بثقته .

وفي الحال طلبت منه الحضور ، فحضر بعد أن أخذ رفاقه ثلاثة ضباط مصريين كرهائن حتى عودته من مقابلة المشير. وعند دخول النحلاوي إلى مكتب المشير جردته من بندقيته واختلى مع المشير لنصف ساعة وبعد خروجه عاد الضباط الرهائن ، ثم طلب الضباط الانفصاليون مقابلتي للمرة الثانية.

وتمت المقابلة في أحد مكاتب شعبة المخابرات في الطابق الأرضي من مبنى القيادة. وقبل مقابلتي لهم حاول السيد أكرم الديري التفاهم معهم لكنه فشل وعاد والدم يسيل من ساقه، وأعلمنا أن المقدم حيدر الكزبري أطلق عليه النار عندما انتهره قائلاً: (أنت آخر من يحق له أن يتكلم). وعند نزولي لمقابلة الضباط للمرة الثانية شاهدت الوزير السابق أمين النفوري والعقيد المتقاعد محمود بنيان كانا قد جاءا لاستطلاع جلية الأمر إلا أن المقدم النحلاوي طردهما.

اجتمعت مع ضباط الانفصال وكرروا أمامي أقوالهم السابقة ، واقترحت عليهم الاجتماع مع المشير عامر فوافقوا على مبدأ الاجتماع وأعلمتهم أني لن أسمح لهم مطلقاً بإساءة معاملته باعتباره من رموز الوحدة القائمة، ثم جردتهم من أسلحتهم وأعلمتهم أنهم سيمرون على جثتي قبل الإساءة له. ولدى اجتماعهم به تقدموا إليه بالمطالب التالية:

المطلب الأول: إعادة الذهب إلى صناديق البنك المركزي. فأجابهم المشير أن الذهب موجود فعلاً في صناديق البنك المركزي في دمشق وبإمكانهم التأكد من ذلك بتفقد صناديق البنك المذكور.

المطلب الثاني: استبدال الوحدة باتحاد تدخل فيه كافة الدول العربية وخاصة السعودية والأردن ولبنان . فأجابهم المشير بأن هذا حلم من أحلام الجمهورية العربية المتحدة ولكن الدول المذكورة لن توافق على ذلك. وعلى كل حال فإن هذا الأمر من اختصاص الرئيس عبد الناصر وبإمكانكم السفر إلى القاهرة على متن طائرة عسكرية خاصة وبحث الأمر معه، ولكن الانفصاليين تنازلوا عن مطلبهم هذا ولم يوافقوا على السفر إلى القاهرة.

المطلب الثالث: ترحيل الضباط الآتية أسماؤهم إلى القاهرة وهم : اللواء أنور القاضي (مصري)، العقيد أحمد زكي (مصري)، العقيد أحمد علوي (مصري)، العقيد محمد اسطنبولي (سوري). فوافق المشير على ترحيلهم وقد تم ترحيلهم فعلاً على طائرة سورية إلى القاهرة.

المطلب الرابع: ترحيل كافة الضباط المصريين الموجودين في سورية وإعادة الضباط السوريين الموجودين في مصر. فوافق المشير على هذا المطلب وكلفهم بتنفيذه على أساس أن الطائرة التي تقوم بنقل الضباط المصريين تعود إلى دمشق محملة بالضباط السوريين.

المطلب الخامس: تعديل لجنة الضباط . فوافق المشير على التعديل المطلوب وطلب منهم تعيين أسماء اللجنة التي يريدونها وفعلاً فقد تم تشكيل اللجنة المذكورة من قبل الضباط الانفصاليين وقام المشير بتوقيعها ثم قاموا بتوزيعها وتعميمها.

المطلب السادس: إجراء بعض التنقلات بين الضباط القادة في قيادة الجيش والأسلحة والوحدات الأخرى . فأجابهم المشير بأنه يوافق على التعديلات والتنقلات التي يريدونها وفعلاً فقد تم تنظيم قائمة بالتنقلات المطلوبة وضعها الضباظ الانفصاليون ومهرها المشير بتوقيعه ثم قاموا بتعميمها وتنفيذها.

وفي نهاية الاجتماع تم الاتفاق على الأمور التالية:

أولاً: إعلان الاتفاق من قبل الانفصاليين بإصدار البلاغ رقم ٩ الذي قمت بوضع كلماته.

ثانياً: أن يقوم الانفصاليون بفك الحصار عن القيادة وسحب الدبابات والمصفحات وإعادتها إلى معسكراتها.

ثالثاً: أن يقوم المشير عبد الحكيم عامر أو الفريق جمال فيصل بإلقاء البيان رقم ١٠ الذي يعلن انتهاء الخلاف وعودة الأمور إلى مجراها الطبيعي.

رابعاً: أن تقوم وحدات دمشق العسكرية بعرض عسكري في اليوم التالي التاسع والعشرين من أيلول 1961 للبرهنة على إنهاء الاختلاف وبيان تماسك وحدة الجيش.

وبذلك يكون الاختلاف قد انتهى بصورة نظرية، وقد باشرت فعلاً بتحضير نص البيان رقم ١٠ المفروض إذاعته بعد انسحاب الوحدات إلى مراكزها.


اقرأ:

الانفصال في مذكرات الفريق جمال الفيصل – ما قبل الانفصال (3/1)

النقيب أحمد عنتر مع جمال الفيصل في الكويت في الستينيات

الفريق جمال الفيصل بريشة الفنان مروان السباعي عام 1957م

 

الانفصال في مذكرات الفريق جمال الفيصل - تنفيذ الانقلاب (3/2)
من العرض العسكري لجيوش الجمهورية العربية المتحدة، القاهرة في 23 تموز 1959.
المصدر
من مذكرات الفريق جمال الفيصل الغير منشورة
الوسوم

أرشيف جمال الفيصل

الفريق جمال الفيصل قائد الجيش السوري في الإقليم الشمالي - سورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي
إغلاق