من الصحافة

عبد الله حنا: “البعث” في مرويات اثنين من أعضائه

  •   
  •   
  •   

أولا:  رومانسية البعث في سنوات تأسيسه من مذكرات أسعد الأسطواني

ولد أسعد الأسطواني في دمشق عام 1921 من عائلة دمشقية معروفة احتل عدد وافر من أفرادها مناصب هامة في الإدارة العثمانية، وهذا مما مكنهم من تملك الأرض في ريف دمشق. وقد شمل قانون الإصلاح الزراعي لعام 1964 عدداً وافراً من أفراد هذه الأسرة، كما هو الحال لعدد من الأسر الدمشقية المرموقة.

 درس أسعد الأسطواني في مدرسة الفرير الفرنسية بدمشق. وهذا ما أهله لإتقان اللغة الفرنسية والاطلاع على الثقافة الأوروبية. بعد نيله شهادة البكالوريا عام 1941، انتسب إلى كلية الطب في الجامعة السورية وتخرج منها عام 1949. وسرعان ما شد الرحال عام 1949 إلى فرنسا لمتابعة دراسته الطبية، وعاد إلى الوطن عام 1952 مختصاً في طب الأطفال، وافتتح عيادة في حي الشهداء بدمشق.

انتسب طالب الطب أسعد الأسطواني عام 1941 إلى حركة الإحياء العربي، التي تحولت فيما بعد إلى حركة البعث العربي. وقد انضم إلى هذه الحركة عدد من طلاب كلية الطب: فيصل الركبي (حماه)، أديب أصفري (إدلب)، عبد الخالق مرعشلي (حلب)، سعيد سيد درويش (دمشق)، محمود سعدى (دير عطية)، موسى أسعد رزق (صيدنايا). وقد اشتد ساعد هؤلاء بانضمام التيار الآخر للبعث (مجموعة زكي الأرسوزي) عام 1943، وهم جمال الأتاسي (حمص)، وهيب الغانم (أنطاكية)، سامي الجندي (سلمية). ويذكر الدكتور أسطواني عدداً آخر ممن انضم إلى البعث وهم: نصوح القطب (دمشق)، أبو الخير الخطيب (دمشق)، زهدي باخو (حلب)، أحمد بدر الدين (دمشق، وقد أصبح وزيراً للمواصلات لفترة من الزمن بعد 8 آذار). وغيرهم، وعدد من هؤلاء لم يبق في حزب البعث إلا لفترة وجيزة بعد تخرجه من الجامعة.

كان الدكتور أسعد الأسطواني من أعضاء الحزب المعروفين وهذا ما أهله أن يصبح عام 1957 رئيساً لفرع الحزب في دمشق. وبعد أن حلّ الحزب نفسه مع قيام الوحدة بين سورية ومصر، سافر الدكتور الأسطواني إلى الكويت للعمل فيها إلى أوائل 1964. ومع عودته جرى تعيين عدد جديد من السفراء في عواصم الدول العربية والأجنبية، ممن لهم تاريخ معروف في حزب البعث. وكان للأطباء نصيب في هذا التعيين. [1]

أهم ما أنتج الدكتور أسعد الأسطواني فكريا هو ما كتبه من “مذكرات لم تكتمل”. وقد أطلعنا الدكتور الأسطواني على مذكراته، التي لا تزال مخطوطاً وتتضمن فصولا تقدم لدارسي التاريخ في منتصف القرن العشرين صوراً حية وشيّقة عن أجواء تلك الأيام. وسننقل بعض ما كتبه الدكتور الأسطواني عن أجواء الأربعينات وكيف كان يفكر “شباب البعث” في تلك الأيام، أيام التأسيس، التي تشوبها الرومانسية بمختلف أنواعها. فتحت عنوان: “كيف كنا في السنوات الأولى من نشوء البعث العربي”، كتب الدكتور الأسطواني:

“كنا صوفيين في طروحاتنا، وكنا لا نعترف بالسياسة ومناوراتها لأننا اعتبرنا بأن فكرة البعث سوف تزول إذا اعتمدت الأساليب السياسية. ولم نكن نعرف الهزيمة، ولم نشعر أبداً بالذنب، ولم يكن هناك ما يترك الحسرة في قلوبنا، لأننا لم نفعل شيئاً إلا ما نعتز ونفخر بما كنا نقوم به، ولأننا حتى عندما تحتدم مناقشاتنا وننطلق في مظاهراتنا ونوزع منشوراتنا، لم نفقد احترام الغير.

وكان أعز ما نملك هي هذه الصوفية التي تميزنا بها والتي تجاهلها أصدقاؤنا السياسيون قبل خصومنا… كان السؤال الذي يدور على ألسنتنا خلال تلك السنوات من صعودنا، كيف ننشر فكرتنا الجديدة بين الناس؟… كان علينا أن نصنع من جديد رأياً عاماً صديقاً للحقيقة الساطعة الصادقة، أن نصنع رأياً عاماً شعبياً لا يكون زائفاً. وكنا نعاني من قلة القراءة لجريدتنا (البعث)… فإذا كنا نعاني من قلة الإقبال على الجريدة، فلقد حافظنا على نقائها وصفائها… وكنا نعيش في زمن قاسٍ وجحود، فكثيراً ما كان الناس يقولون لنا تجاه عدم انتشار جريدتنا: هل لديكم كل هذا الوقت كي تهدروه وكل هذا المال؟ وكنا نجيب كل هؤلاء: ليس لدينا الوقت، ولم يعد لدينا المال، فلم يبق سوى حياتنا لنفقدها…..”.

هذه الأجواء التي رافقت نشوء “البعث العربي”، والتي وصفها بصدق ووجدانية الدكتور الأسطواني وقمنا بقطف فقرات منها، تعكس الواقع الحي لجزء من الشباب المثقف المفعم بالروح القومية والممتلئ حماساً وحيوية وأملاً بالمستقبل العربي الزاهر. وبما أن مجموعة كبيرة من هذا الشباب تحدرت من الفئات الوسطى المنعمة –حسب معايير ذلك الزمن- فإن أساليب النضال آنذاك كانت تحرمها من جزء من “حياتها الهانئة”، وهذا ما أشار إليه الدكتور الأسطواني مبيناً ما كنا عليه من تخلي قسم من طلاب كلية الطب، ومن مختلف التيارات السياسية، عن المنهج السياسي النضالي، الذي ساروا عليه أثناء المرحلة الجامعية. ولنقرأ ما كتبه الدكتور الأسطواني: [2]

     “وهكذا بين حياة هانئة بورجوازية المضمون والملامح، وبين حياة طلابية في جميع جوانبها الدراسية والسياسية تعود لنا من خلالها إنسانيتنا، كنا نتأهب لنوال شهاداتنا الجامعية. وكان من البديهي أن أكثر الطلاب حماساً، وحتى الملتزمين، كانوا يتخلون أحياناً عن منطلقاتهم القومية وينصرفون إلى مهنتهم ومشاغلهم الخاصة. ومع ذلك كان هنالك شيء أقوى مني يدفعني للالتزام بالقضايا القومية. وعلى الرغم من إيماني الصادق بمبادئ الحزب، كنت أتساءل دوماً في ذلك الحين: كيف يمكنني التوفيق بين نزعتي البورجوازية الصغيرة في متابعة المشاريع الشخصية في الاختصاص والعمل المهني، وبين الالتزام بقضايا الجماهير؟ وفي كل مرة كانت فيها إحدى النزعتين تحاول التغلب على الأخرى، كانت الثانية تنافسها باستمرار. ولقد شعرت بعدئذ أن ليس هنالك تعارض حقيقي بين الأمرين، طالما أن هذا الالتزام يفترض بعض التضحيات على المستوى الشخصي، وطالما أن السبيل الأقوم لتحقيق الأهداف القومية هو مشاركة الجماهير همومها  اليومية وتوعيتها والسير بها نحو مرحلة ديمقراطية تستطيع من خلالها النضال من أجل تحقيق هذه الأهداف”.

 ثانياً – خالد الجندي يقدم صورة عن أجواء البعث

      خالد الجندي الشخصية السياسية النقابية اللامعة في أواخر ستينيات القرن العشرين [3] يقدم صورة عن الأجواء الثقافية السائدة في بعض الأوساط القومية البعثية في أربعينيات القرن العشرين . وتعكس حياة الجندي التي سردها لكاتب هذه الأسطر أمرين: الأول تأثُر بعض أوساط البعث بالفكر القومي الألماني الذي حقق الوحدة الألمانية والاستفادة من منجزاته لتحقيق الوحدة العربية. والأمر الثاني تأثُر أوساط بعثية بالفكر الماركسي والسير على خطاه للوصول إلى الاشتراكية. وقد أجرى كاتب هذه الأسطر مقابلة مع خالد الجندي نقتطف منها المقطع التالية :[4]

   “منذ كنت في الصف التاسع قرأت كتبا سياسية وأدبية. قرأت لشكسبير وسارتر وشتاينبك ودويستوفسكي. وبتوجيه من أستاذنا في حماة زكي الأرسوزي قرأت “هكذا تكلم زرادشت” وكتاب العوامل الحاسمة لشبلنكر. أيام الحرب العالمية الثانية كنت أهتم بالحرب، وكنت ضد رأي أهلي أحب ستالين وأكره هتلر. وكان أستاذي زكي الأرسوزي يهاجم ستالين ويفضل عليه هتلر. وأنا كنت ضد أستاذي. وإن محبة ستالين لا تزال في نفسي حتى الآن … “.

    وبعد أن يسرد الجندي تاريخ حياته وصولا إلى عمله في إدارة مرفأ اللاذقية حيث نشط في العمل النقابي بين العمال، حيث يقول:

    “أوائل 1957 أرسلت إدارة المرفأ خمسة للتخصص لمدة سنة وثلاثة أشهر في ألمانيا الغربية كنت واحدا منهم. في هامبورغ وصلتني نشرات الشيوعيين الألمان وحضرت بعض اجتماعاتهم واختلطت بالعمال الأجانب الجزائريين والحبشيين. ومن خلال الجو الشيوعي والعمال الغرباء، وما يعانونه من بؤس شعرت بحرارة  الجو العمالي …”.

 بعد عودة الجندي إلى العمل في ميناء اللاذقية نشط بحماس بين العمال وترأس أواخر عام 1958 القائمة النقابية المعادية لقائمة إدارة المرفأ وفاز برئاسة نقابة عمال المرفأ، ثمّ برئاسة اتحاد عمال اللاذقية، وأخيرا أصبح رئيسا للاتحاد العام لنقابات العمال في سورية عام 1967. وكان تشكيله لما سُمِيَ  ب “الكتائب العمالية”، وما قامت به من تجاوزات حسبما أشيع، أحد الأسباب التي أدت إلى إزاحة الجندي من رئاسة الاتحاد العام لنقابات العمال.

 


[1] هذه المعلومات أخذناها من حصيلة لقاء مع أسعد الأسطواني في بيته بدمشق بتاريخ 7 – 3 – 1995.

[2]  مذكرات الأسطواني ، الذي كان حريصا على عدم نسخها وإعطائها للباحثين. ولذلك أملى عليّ ما أردته أو ما أراد أن أطلع عليه. وكان حذرا يقظا، وأكاد أن أقول خائفا من البوح عن مكنونات نفسه فيما يتعلق بالأوضاع ونحن أيام حكم حافظ الأسد في آذار 1995.

[3] خالد الجندي من مواليد السلمية عام 1930 ونال البكالوريا عام 1949 وانتسب إلى حزب البعث عام 1948.

[4] أجرى كاتب هذه الأسطر مقابلة مع الجندي في مقر الاتحاد العام لنقابات العمال بدمشق بتاريخ 5 – 8 – 1981.

المصدر
عبد الله حنا، ضفة ثالثة ، العربي الجديد، 5 شباط 2018
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق