مقالات

زهير ناجي: إبراهيم هنانو .. من أعلام سورية

  •   
  •   
  •   

زهير ناجي – التاريخ السوري المعاصر

إبراهيم بن سليمان بن محمد هنانو، أبو طارق، حقوقي ورجل إدارة وسياسي من الطراز الأول وثائر ومجاهد صلب نقى الضمير وعف اليد.

من أسرة شهيرة في كفر تخاريم يقول عنها المؤرخ كامل الغزي: (متفرعة عن أصل قديم في حلب وجد منه عدة رجال أولي وجاهة وإقدام منهم الآن في كفرتخاريم إبراهيم بك النابغة بالفصاحة والبطولة وتوقد الذهن وكرم السجايا وصدق العزيمة وحرية الضمير).

ولد في بلدة كفر تخاريم من أعمال قضاء حارم وهي معقل من معاقل الوطنية والعروبة. وأتم دراسته الابتدائية فيها ثم تابع دراسته الرشدية والسلطانية في حلب ثم سافر إلى عاصمة السلطنة العثمانية والتحق فيها بالمدرسة الملكية (معهد الحقوق) وعرف خلال وجوده في العاصمة بحبه للحرية وتأثره بأفكار العثمانين الأحرار ونقمته على الظلم والاستبداد وانتسب إلى حزب الاتحاد والترقي في فترة نضاله السري وسجن مرتين.

شغل بعد تخرجه من الجامعة مناصب إدارية في مختلف أرجاء السلطنة: مديراً لإحدى نواحي ولاية بورصة وقائداً في ولاية أرضرروم وتزوج من امرأة غير عربية من إحدى نواحي الرومللي أنجبت له ولدين هما طارق ونباهت.

انتخب بعد انقلاب 1908 عضواً في مجلس إدارة ولاية حلب لمدة أربع سنوات وتنقصنا كثير من المعلومات عن نشاطاته ووظائفه التي شغلها.

ويعود اسمه الى البروز في نهاية الحرب العالمية الأولى حين كلفه الشريف ناصر القائد الميداني للجيش العربي الزاحف في طليعة القوات الإنكليزية، بعد تحرير حلب في الثلاثين من تشرين الأول 1918م، بالسيطرة على انطاكية ورفع العلم العربي عليها وطرد بقايا الجيش العثماني منها فدخل اليها مع 150 مقاتلاً من رجاله وشكل فيها مجلس إدارة مؤقت جعل على رأسه صبحي بركات الخالدي وقد منع بحسه السياسي السليم ونظرته الاستراتيجية تمزيق العلم العثماني قائلاً: ( لا تنسوا ان هذا العلم قد أظل العروبة والإسلام لستة قرون…).

وحاول لدى نزول الافرنسيين على سواحل لواء الاسكندرونة في الرابع والعشرين من تشرين الثاني 1918 وتقدمهم باتجاه انطاكية مقاومتهم وردهم عنها ولكنه أصيب بخيبة أمل حين وصله امر الادارة العسكرية في دمشق بإنزال العلم العربي والانسحاب من انطاكية ففعل ذلك مكرهاً وعادرها حزيناً ثم شارك في توطيد أركان الحكومة العربية في حلب مع الوطني الغيور رشيد بك طليع ونبيه العظمة وتم تكليفه برئاسة ديوان ولاية حلب حيث أسس الجناح الوطني فيها ما عرف باسم جمعية الدفاع الوطني التي أخذت بتشجيع من الوطنيين في دمشق بدعم الحركات الثورية المعادية للفرنسيين التي بدأت في الثاني عشر من تشرين الأول 1919م، ثم انتخب مندوباً عن قضاء حام للمشاركة في المؤتمر القومي العربي السوري الأول في دمشق في أول كانون الأول 1919م، وساهم في النشاطات السياسية الرافضة لمشاريع الاستسلام التي وقعها الأمير فيصل في أوربا مع زعيم الحركة الصهيونية كرزمن في الثالث من كانون الثاني 1919م، ومع رئيس وزراء فرنسا كليمنصو وحاول فرضها على الوطنيين..

قام بعد احتلال الفرنسيين لحلب ودمشق في تموز من عام 1920 بالانسحاب إلى المنطقة الجبلية الواقعة جنوبي وشرقي انطاكية وإشعال نار ثورة لاهبة منظمة تنظيماً دقيقاً وقيادة ديمقراطية حقه قائمة على الشورى وأنشأ مع رفاقها لها مجلساً ثورياً لقيادتها ومحكمة عسكرية ونظاماً عادلاً لجمع الضرائب تشرف عليه إدارة وطنية مقرها بلدة أرمناز وضرب على أيدي المتعاونين مع المحتل والذين حاولوا الإساءة الى الثورة وخاض سبعاً وعشرين معركة لم يصب فيها بهزيمة كما عقد اتفاقاً مع الكماليين رافضاً اي تبعة لهم (6 أيلول 1920) كما عقد مؤتمرات وطنية لدعم الثورة ورفض إغراءات الفرنسيين بتعيينه على رأس حكومة في المنطقة وكان رده إنه يريد وحدة الوطن لا إقامة دويلة هزيلة سادسة تضاف إلى الدويلات الخمس التي أقامها الفرنسيون…

كما قام بوضع استراتيجية عربية موحدة تقضي بتوحيد جهوده مع ثورتي الشيخ صالح العلي وثورة منطقة الحفة- بابنا التي قادها آل البيطار وعز الدين القسام.

وقد وجهت المفاوضات السياسية التي تمت بين الكماليين والفرنسيين منذ أواخر عام 1920 والتي أسفرت لاحقاً عن توقيع معاهدة أنقرة في العشرين من تشرين الأول 1921 ضربة قوية لثورة هنانو العربية فانسحب بقواته الى جبل الزاوية التي تم فيها خوض آخر معارك ثورة الشمال وقررت القيادة بعدها إيقاف العمليات العسكرية رحمة بالسكان ورفض هنانو الإنسحاب إلى الأراضي التركية القريبة لكي لا يضع الثورة تحن نفوذ الأتراك وخدمة مصالهم وقرر الانسحاب في الحادي والعشرين  من تموز 1921م إلى جنوب سورية حيث استقدم الإنكليز الأمير عبد الله وولوه على جزء من المنطقة (ب) الخاضة لانتدابهم حسب اتفاقيات سايكس – بيكو … وقصة انسحابه وصحبه مشهورة ومحزنة تركت في نفسه أثراً لا يمحى إذ ألب عليه الفرنسيون شيوخ بعض القبائل البدوية وبعض المرتزقة بعد ان أطمعوهم بالمكافآت الضخمة.. وخاب أمله بالأمير عبد الله ولا نعلم الكثير عن سر تسليمه للإنكليز وقيام هؤلاء بتسليمه للفرنسيين. وصل الى حلب مخفوراً في منتصف آب 1921 وبدأت محامته المشهورة في حلب في الخامس عشر من أيار 1922 وانتهت بتبرئته والاعتراف بأن ثورته كانت ثورة وطنية مشروعة.

وأصبح هنانو زعيم النضال الوطني السياسي في شمالي سورية وأطلق عليه الناس بشكل عفوي اسم الزعيم. واختفى خلال الثورة السورية الكبرى (1925-1927) ويعتقد انه كان يقود الكفاح المسلح في الشمال في هذه الفترة ساهم سراً منذ عام 1927 في تأسيس الكتلة الوطنية التي قادت النضال الوطني وأصبح أبرز أعضائها وأكثرهم تشدداً في رفض الانتداب ورفض المعاهدات الجائرة التي كان الفرنسيون ينوون عقدها مع من يسمونهم بالمعتدلين وانتخب نائباً في الجمعية التأسيسية التي انعقدت بعد انتخابات 24 نيسان 1928 ورشحه الوطنيون لانتخابات رئاسة الجمهورية في عام 1928 كما انتخب نائباً في البرلمان وعضواً قيادياً في الكتلة الوطنية في الرابع من تشرين الثاني 1932م، وقاد مع صحبه النضال السياسي في الشمال السوري حتى وفاته.

وقد حاول المتعاونون مع الفرنسيين اغتياله عام 1932م، وضربوا ابنه طارقاً في مظاهرات عام 1932 ضرباً أدى به إلى الجنون ومع ذلك فلم تلن قناته ورد على من أخبروه بإيقاف الجناة (وهل أوقفتم الذين ضربوا أبناء الأمة برصاصهم اذهبوا ما طارق إلا واحد من أبناء هذا الشعب)، وظل حتى وفاته أحد الأعمدة الأساسية للكفاح الوطني بصلابته ونظافة يده ورفضه المساومة على الوطن واستقلاله ووحدته ولعله من القلائل من أمثل سلطان باشا الأطرض والشيخ صالح العلي ويوسف العظمة وعبد الرحمن الشهبندر وسعيد العاص وغيرهم الذين ضحوا بثروتهم كلها في سبيل القضية الوطنية ومات فقيراً.

ظهرت عليه أعراض مرض السل منذ عام 1925 نتيجة معاناته وإحباطاته التي لاقاها من بعض أبناء الوطن الذين كانوا يركعون على أعتاب المستعمرين طمعاً في منصب ومال ووجاهة وباسم الواقعة أحياناً. وحزت في نفسه كثيراً دعوى أقامها عليه أحد زملائه مطالباً يسداد دين في حين لم يكن يملك ما يسد رمقه فمات مقهوراً في الحادي والعشرين من تشرين الثاني 1935م.

وهزت موت الزعيم الوطن كله ولما عزم الوطنيون على إقامة مأتم حشد لتأبينه في العاشر من كانون الثاني 1936 أمر الفرنسيون بإغلاق مكاتب الكتلة الوطنية في الثامن عشر من كانون الثاني 1936 واندلعت الإضرابات والصدامات مع الفرنسيين وأعوانهم والتي عرفت بإضرابات الستين يوماً وأدت الى إعتراف الفرنسيين بحق السوريين في الاستقلال وتوقيع المعاهدة السورية الفرنسية عام 1936 التي أدت الى إقامة الحكم الاستقلالي الثاني.. وهكذا خدم بلاده حياً وميتاً.

المراجع:

1-Jacquot (P): Antioehe centre De Tourisme Antioche 1931

2- حلوم (محمد علي): المجاهد الكبير إبراهيم هنانو ، دمشق 1995م.

3-رضا (علي)، قصة الكفاح الوطني في سورية (1918 – 1946 ) حلب 1995م.

4- الريس (منير)، الكتاب الذهب للثورة السورية ، مذكرات منير الريس، 3 أجزاء، بيروت 1976م.

5- صقال (فتح الله)، ذكرياتي في المحاماة، حلب 1958م.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق