وثائق وبيانات

كلمة الأديبة جمانة طه في تأبين المرحوم ميخائيل عيد

  •   
  •   
  •   
كلمة الأديبة جمانة طه في تأبين المرحوم ميخائيل عيد  في حفل تأبينه الذي أقيم بالمركز الثقافي في المزة في كانون الثاني عام 2005م

ميخائيل عيد: توأم المحبة والقهر جمانة طه

أيها الحضور الكرام، السلام عليكم ورحمة الله.

في آخر جلسة جمعتني بالأستاذ ميخائيل في المكتب التنفيذي باتحاد الكتاب العرب، سمعته يقول: إنه بخير، وصحته قد تحسنت وسيعود إلى العمل. فهمست لنفسي: إذا كان ما يقوله صحيحًا، فلماذا يبحر بعينيه الطيبتين بعيدًا، ولماذا ينفرد مع نفسه برغم وجوده بيننا؟ أتراه يكابر ويقاوم، هربًا من موقف ضعف ونظرة مواساة؟ وقتها لم أجرؤ على استعادته من إبحاره ولا من انفراده كي لا أجرح حلمه بالعافية. لو تأكد لي أيها الصديق أنك تكابر، لرجوتك ألا تشرع أحلامك على باب الأمنيات لأنه باب ناعم الملمس مراوغ. لو عرفت أنك سترحل، لطلبت من أحبابك أن ينفذوا وصيتك ويضعوا نظارتيك على عينيك المليئتين حزنًا وطفولة، كي لا يغيب عن ناظريك وجه الموت وملامحه الوحشية. وأنت القائل: “ضعوا معي نظارتي في القبر فأنا أريد أن أرى وجه الموت جيدًا” يمامة الكلام، 39

أيها الغائب المقيم ولدت شاعرًا، فدقَّتْ الرياح بابك وأخَّرَ الفقر توهج إبداعك، ولم تستسلم. لم يعجبك أن تبقى طيانًا، فقررت أن تكتب وأنت لا تعرف من اللغة سوى كلماتها المحكية. فأبدعت زجلًا غنّى الجمال: وجهًا وقدًا، زهرة وغيمة، وامتدادًا أخضر. قررت أن تتعلم اللغة العربية، فصرت لزملائك مرجعًا في نحوها وصرفها. آمنت بالكلمة فعلًا وبالله محبة، فجاءت كلماتك مشكاة أضاءها نقاؤك ووشاها مداد قلبك، وأصبحتَ تجربة أدبية لافتة، جمعتَ في مشهديتها الإبداع: تأليفًا وترجمة وشعرًا ونثرًا وقصصًا للأطفال. فكيف يمكن لإنسان ترك بعده عشرات القلوب ترفرف حنانًا على غيابه، أن يشعر بالغربة؟ كيف يمكن لروح تزنرت بضياء الله، أن تحس باليأس والوحشة؟ وأنت القائل: لستُ خائفًا، لستُ مطمئنًا، بل أنا فاترٌ فالذي راح للعدم والذي جاء لحظةٌ عابرة والحياة ألمٌ وندم. “رماد الأحزان” 27 صدقت يا أبا عياد، فالحياة لحظة عابرة والزمن لا يؤتمن. إنه يصادر الأحلام ويقبر الضياء ويطفىء ومضات الصفاء، وهو ليس أكثر من تينة يابسة تقبع فوقها بومة عابسة.

في طفولتك سحرتك كلمات ترنيمة تقول: إنني أشاهد خِدرَك مزيَّنًا يا مخلصي ولستُ أمتلكُ لباسًا للدخول إليه فأَبْهجْ حِلةَ نفسي يا مانح النور، وخلصني. كان ابن عمك إبراهيم يترنم بها في كنيسة المشتى، وكنت تنخطف مع كلماتها وموسيقاها وصوتِ إبراهيم الساحر. كنت تكتشفُ فيها إيحاءاتٍ جديدةً وعميقة، وتشعر أن روحك الطفلة تتحرر من قيود خفية قاسية. لم تغب عنك حالة الشجن هذه، بل رافقتك حتى بعد أن كبرت وشخت وتوسعت آفاقُ معرفتك. ترى هل السبب يعود إلى أنها ارتبطت بمشاعر حارة من أيام طفولتك، أو يعود إلى سحر كامن فيها أدفأ روحَك وجسدَك في تلك الأيام الباردة؟

أيها الغائب المقيم. لطالما أخذني لِينك مع الناس، وصلابتُك في العقيدة. فعلى الرغم من انفتاحك على فكر الآخر، لم ترض أن تكون دولاب هواء يدور وفق وجهة هبوب الريح. وطالما لفتني هدوؤك في المواقف الصعبة، وعطاؤك غير المحدود. تجاوزت صغائر الأمور ونسيت كبائرها، ورهنت عمرك خدمة للآخرين على اختلاف عقائدهم وتباين طوائفهم وأفكارهم، ووضعت عينيك في تنقيح وتصويب ما يكتبون، وسعيت ما استطعت إلى مساعدتهم في إنجاز ما يطلبون. أما أنت فلم تعنيك الشهرة الإعلامية ولا الأضواء، فعشت كمبدع في الظل، وانتشرت كإنسان مثلَ نور الشمس. ابتليت بالتواضع وما أجلّه من بلاء! لكن الأدعياء لم يفهموك ولم يقدروك بل عدّوا تواضُعَك ضَعفًا واستكانة. ألم تقل إنهم مزقوا لحمك، وتأففوا من سماع أنينك؟ وإنهم وضعوك أمام طريقين: أن تموت جوعًا، أو أن تموت فسادًا. لكنك لم تبدل حضورك النقي، ولم تتخل عن صفائك وإنسانيتك. تعب الصبر والصمت منك، ولم تتعب. تعبتْ من ضيوفك مقاعدُ غرفتك وفناجينُ القهوة وكؤوسُ الشاي، ولم تتعب. تعبتْ ابتسامتك من الترحيب ويداك من المصافحة والعناق، ولم تتعب. كنت جدارًا استند إليه كثيرون، ولم تتأفف. أتذكر لهفتك وغيرتك على جميع من حولك، تتابعهم واحدًا واحدًا بحنان الأب وحرص الأخ ومودة الزميل. تهدهد حزنهم بكلمة صافية، وتمسح على قلوبهم بيد حانية.

أوهمتنا بجلدك وقوةِ احتمالك، فتمادينا في تدللنا عليك. أعطيت كل من عرفتهم أو عرفوك من روحك وجسدك كما لم يعطهم أحد، وأفنيت نفسك في الآخر ومن أجله كما لم يفعل ذلك أحد. وحينما استعارت الكريات بياض قلبك، وأخذ الجدار يتهاوى وأزهار الحديقة تذوي وتنغلق على نفسها، لم يكن حولك أحد. لم نكن معك وأنت تخطو الخطوة الأولى في مشوارك السماوي نحو السلام الأبدي، لأننا لم نستطع أن نكون على مستوى نبلك ومحبتك وتفانيك. أيها المسافر، في عمق تربة عشقتها. أبحرتَ سندبادٌ بريٌ متحديًا زمنًا همجيًا، ونفوسًا مجبولة بصلافة الحقد وبرودة الكراهية: أنا سندباد زماني الهمجي أُدفنُ في المغارة ثم تنسد الثقوب لا الحب يشفع لي ولا الودُّ الأنيق فلا شفيعَ لمن يضيء. “يمامة الكلام”، 155 أحببتَ الحقيقة، ومجدتها.

قادك حدسُك إلى أن جرذ الزمن يقضم أعمارَنا، لكنَّ حسن ظنك لم يشأ أن يصدق أن هناك أناسًا يحيطونك بجدران من نفاقهم، يقضمون صدق الحياة ويغطون على جوهرها بضباب الكلام. في كتاب إشارات وأصداء تقدم نوعًا من التأملات لواقع قاس، يكتنفه الزيف ويجلله الرياء. فقد صار الجميل ضارًا، وصار القبيح نافعًا، وصارت القيم السامية غطاء للمخازي. تقول: “إن التنازل عن الحق للأشرار والمفسدين، أسوأ من ارتكاب الشر. وما كان للشر أن يستفحل ويكاد يهيمن على العالم، لولا تنازلَ أصحاب الحقوق عن حقوقهم.” إشارات وأصداء، 26 ولا تغيب مثل هذه التأملات والدلالات عن شعرك، حتى أن من يقرؤها يحس أنه قائلها ففي ديوان يمامة الكلام، تقول: حين ضعف بصري رأيتكم جيدًا فهل كانت حدة البصر حجابًا؟ ** يمامة الكلام نائمة لقد هدلت.. لكنكم لم تسمعوا. ** جرأة أحزانك تثقل كاهلي فهلّا أعرتني مطرقة حكمتك. ** ومع أن الأسئلة الوجودية في رأيك هي أكبر من الوجود، وإنك عاجز عن الإجابة عليها، إلا أنك لا تسدّ الدرب ولا تقطع الطريق. وإنما تفتح نافذة للحوار، لأنه اللغة التي يمكن أن تجيب على جميع التساؤلات. تمنيتَ أن تسمع كلمة صدق، ولو جاءتك في ثوب لعنة.

أقلقك فسادُ الناس وغدرُهم، وعجبت من استمرارهم في غيهم وحولهم عشرات الحكماء ومئات الفلاسفة. فقلت: “لو أرسل إلى الأفاعي ما أرسل للناس من حكماء وفلاسفة وشعراء لما بقيت قطرةٌ من السم في ناب أفعى.” إشارات وأصداء، 98 وعندما واجهتَ أصدقاءك الأقوياء بعيوبهم، دفعت ثمن ذلك. وحينما صاروا ضعفاء دافعت عن حسناتهم، ودفعت أيضًا الثمن. ومع ذلك شكرت الظالمين ولم تنقم عليهم: شكرتُ للظالمين ظلمهم لأنه رسخ فيَّ حبَّ العدالة وحمدتُ للحاقدين كذبهم لأنه حفزني على البحث عن حقيقتي. “يمامة الكلام”، 89

ولأن الحب لم يهجر قلبك، نجده حاضرًا في شعرك بشفافية لافتة: ما أقبح هذه الدنيا لو لم تكوني فيها! وجودُك عطاؤها السخي بل أجملُ عطاياها. أصطاد فراشات بهائك وأُطلقُها في بساتين قلبي يصفو القلب وتزهر أغصانه أغرق في غدير محبتك يصير جسدي ماء يمر به طيف عينيك اليمامتين أصير أكبر من العالم بهما. أيها الغائب المقيم كنت ترى أن زمنًا صار موحشًا يدرجنا في أوقاته أرقامًا صامتة، يجرفنا في تياره، ويفجر في أعماقنا نزيفًا من الغضب. ومع ذلك بقيت رافعًا صوتك، تسير في الدروب الصعبة باحثًا عن اللقمة الحرة مثلما كانت أمك تفعل. أيها المصلوب على شجرة الحياة.

جرحُك لم يتوقف عن النزيف مذ ولدت، وبحثُك عن مكان لم يدنسه النفاق، لم يتوقف. لكنك ظللت فاتحًا نوافذ قلبك على بساتين المحبة، تتبع بوصلة الحب وتمضي قدمًا. يا صديقي النبيل.

لن أقول وداعًا، فالطريق التي سلكتها مفتوحة لنا ونحن قادمون. وطوبى للأنقياء يدخلون ملكوت الله.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق