مختارات من الكتب

جميل مردم بك والعهد الملكي الفيصلي

تميم مردم بك- صفحات من حياة جميل مردم بك (4)

  •   
  •   
  •   

عندما صدرت موجات الحكم بالإعدام من قبل المحكمة العليا العرفية التي ترأسها جمال باشا وذلك عام 1916 م، حُكم غيابياً على جميل بك مردم بك الذي كان لا يزال في فرنسا، فتوجه إلى أمريكا اللاتينية مندوباً عن مؤتمر باريز للعمل ضمن أوساط الجاليات العربية هناك دعماً للاستقلال العربي من الحكم العثماني، ثم عاد إلى باريز بانتهاء الحرب العالمية الأولى، وانضم إلى الأمير فيصل في عام 1919 في مباحثاته في مؤتمر الصلح مكلفاً أيضاً من “جمعية العربية الفتاة”، واستطاع أن يُسمع صوت سورية في خطاب ألقاه أثناء مؤتمر الصلح في فرساي، وكان الشعار المطروح أمام المؤتمر هو أن سورية، كما استطاعت أن تسهم في حدود إمكانياتها في المجهود الحربي للحلفاء، لا ترفض المساعدة الفنية من الغرب، ولكنها حريصة في الوقت نفسه على ممارسة سيادتها الكاملة، وأن تكون هذه السيادة محترمة ومعترفاً بها علناً.

يقول الدكتور أحمد قدري في مذكراته: كان الأخ جميل مردم بك بقي في فرنسا مدة الحرب وقد استطعت معرفة مقره آنذاك في مصح هادئ بضاحية باريز، فاتصلت به حالاً ليكون ضيفاً على الأمير فيصل بن الحسين، وسكنا معاً في منزلنا الخاص، ولما كان شكري غانم على اتصال بجميل منذ عقد مؤتمر باريز العربي وكان قَدَّمَهُ لفرنسا كصديق واتفق معها لتدعو جميل يتكلم في مؤتمر فرساي، لذلك اتفقنا على ما يجب أن يقوله في المؤتمر فكان موقفه مشرفاً، ولم تصل فرنسا عن طريقه إلى ما كانت ترمي إليه من آمال، وأصبح من معية الأمير فيصل.

يقول السيد زهير الشلق في كتابه “من أوراق الانتداب”: طلبت فرنسا من جميل مردم بك باعتباره من أبناء الأسر العريقة في دمشق، ومن ملاك الأراضي، أن يتكلم في المؤتمر مؤيداً مطالب فرنسا باعتبارها في مصلحة سورية، ولم تكن الحكومة الفرنسية ولا جماعة مؤتمر باريز يعرفون بأن جميل مردم بك هو من أعضاء جمعية الفتاة منذ أن كانت سرية، وبأنه مع عوني عبد الهادي كانا العضوين الوحيدين في فرنسا، ومن هنا كان كل شيء أحب إليه مما تدعوه فرنسا لقوله، ولكن كان للمنبر سحره والمنبر هو أرفع منبر في التاريخ… منبر مؤتمر السلام بعد الحرب العالمية الأولى.

اتصل جميل بك سراً بالأمير فيصل عن طريق الدكتور أحمد قدري واتفق معه على صيغة الخطاب الذي سيلقيه أمام المؤتمر. وبعد إلقاء الخطاب وما سببه من خيبة أمل للذين هيئوا له المنبر… انضم رسمياً وعلناً إلى حاشية الأمير وبقي إلى جانبه حتى عاد برفقته إلى أرض الوطن.

عند عودة الأمير فيصل إلى سورية بعد مؤتمر فرساي بالباخرة عاد معه جميل بك على الباخرة إدغار غينه ووصل دمشق في  الثالث من أيار عام 1919 . لازم جميل بك الأمير فيصل في دمشق كأحد مستشاريه.

وانصرف الأمير فيصل إلى تقوية جهاز الحكم في سورية، وكانت الهيئة الإدارية لجمعية الفتاة تقوم بواجبها بكل أمانة وإخلاص، ويعمل أعضاؤها آناء الليل وأطراف النهار، وكانت الهيئة مؤلفة من: ياسين الهاشمي، وعزة دروزة، وشكري القوتلي، وتوفيق الناطور، والدكتور أحمد قدري، وأحمد مريود، وسعيد حيدر، وجميل مردم بك، ورضا باشا الركابي.

كانت هذه الهيئة تسيطر سيطرة فعلية على سورية، وقد تبدلت إثر عودة الأمير فيصل عام 1919 من مفاوضاته في باريز. فتألفت في الدور الجديد على المنوال الآتي، كما ذكر ذلك أمين سعيد في كتابه “الثورة العربية الكبرى” المجلد الثاني:
ياسين الهاشمي ـ أحمد قدري ـ رفيق التميمي ـ سعيد حيدر ـ أحمد مريود ـ عزت دروزة (أمين سر) وشكري القوتلي (أمين الصندوق).
استقالت هذه الهيئة في بداية شهر آذار 1920 على أثر حملات شديدة وجهت إليها، فخلفتها لجنة جديدة اختارها الأعضاء في اجتماع كبير عقدوه في منزل علي رضا باشا الركابي برئاسة الأمير زيد بن الشريف حسين، وهي:
على رضا باشا الركابي ـ نسيب البكري ـ سعيد حيدر ـ خالد الحكيم ـ أسعد الحكيم ـ ومحمد الشريقي (أمين سر اللجنة) وجميل مردم بك (أمين صندوق).

وكان في صندوق جمعية الفتاة يوم أسندت صندوقها إلى جميل بك 16 ألف جنيه، أبى شكري القوتلي في أول الأمر أن يسلمها لاعتبارات رآها، على أنه قَبِلَ بعد توسط وإلحاح أن يسلمها لجميل بك!!… وكانت هذه الأموال في عهدة جميل بك يوم دخول الفرنسيين دمشق.

في العاشر من حزيران 1919 وصلت لجنة الاستفتاء الأميركية إلى فلسطين، حيث مكثت عشرة أيام وذلك بناء على طلب مؤتمر السلام في فرساي، وكان المفترض أن يكون معها لجنة فرنسية وإنكليزية، غير أن اللجنتين الأخيرتين لم تصلا لغاية في نفسيهما!!…

بعد مغادرة اللجنة الأميركية فلسطين توجهت إلى لبنان، فزارت صور ومرجعيون والبترون، حيث قضت يومين ثم قصدت بيروت ثم دمشق حيث بقيت تسعة أيام غادرتها إلى بعلبك ومنها إلى طرابلس فحمص ثم حماة ثم حلب. وكانت مطالب الأهلين في منطقة الاحتلال الغربية منقسمة إلى ثلاثة أقسام:

الأول: ضم البقاع ومدينة بيروت إلى لبنان الأصلي القديم وطلب الكثير من السكان جعل لبنان لبناناً كبيراً مستقلاً تحت الوصاية الفرنسية، وكان معظم القائلين بهذا هم الموارنة.

الثاني: يطلب لبنان الكبير بدون طلب الوصاية الفرنسية.
الثالث: يطلب لبنان الكبير مستقلاً استقلالاً إدارياً ضمن الوحدة السورية بدون وصاية أو مساعدة وكان معظم هؤلاء من المسلمين وخاصة سكان المناطق الساحلية.

وعلى الأثر غادرت اللجنة بيروت قاصدة دمشق، حيث استُقبلت استقبالاً حافلاً، وكأن لسان حال الجميع يقول للجنة الاستفتاء: إن مستقبلنا بين يديك واعتمادنا على مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسن فهو لنا السند الأول في الحصول على حقنا!!!…

ولا بد لي هنا أن أذكر ما قاله الدكتور أحمد قدري في مذكراته عن الثورة العربية الكبرى:
دعا سمو الأمير فيصل اللجنة الأميركية مرتين لتناول الطعام على مائدته. ويقول الدكتور أحمد قدري: أذكر أنني كنت ذات مرة مع الكابتن ياي الذي كنت ألازمه لمعرفته الافرنسية، نسير على مقربة من مدرسة المارستان (قريباً من المسجد الأموي الكبير) لتسهيل مقابلة اللجنة للهيئات الدينية الإسلامية، فمررنا أمام دار (سامي باشا مردم بك)، وكانت بناته الصغيرات يلعبن منشدات الأناشيد الوطنية في البهو الخارجي للدار، فاغتنمت الفرصة ودعوته للدخول، وترجمت له ما كنّ يقلنه، وقد سألهن بالفرنسية عن الداعي لما ينشدنه، فأجبته بأنهن لا يرغبن بديلاً عن الاستقلال التام لبلادهن، ويرفضن أي مساعدة فرنسية، فضحك وهو يقول: إن هذا الوعي في سورية لمن دواعي فخرها، أخشى ما أخشاه أن لا تتحقق مطالبكم رغم الجهد الوطني الذي قمتم به لتوحيد كلمتكم، فأميركا لم يعد بوسعها التدخل في شؤون بلاد خارجة عن حدودها. ولا أدري كيف يسعها تقديم المساعدات لكم، وحتى المساعدة الفنية.
إني أقول لك هذا كصديق مع أن واجبي لا يسمح لي بالإفضاء بتصريح كهذا.

وفي 3 تموز 1919 م، قابل اللجنة رئيس المؤتمر السوري السيد هاشم بك الأتاسي، وكان معه واحد وعشرون عضواً من مناطق سورية المختلفة انتخبهم المؤتمر ليشتركوا معه في تلك المقابلة، وسلموا اللجنة قرار المؤتمر، وهذا مختصر ما جاء فيه:
إننا نحن الموقعين أدناه بإمضاءاتنا وأسمائنا، أعضاء المؤتمر السوري العام المنعقد في دمشق الشام… قد قررنا في جلستنا المنعقدة في نهار الأربعاء المصادف لتاريخ 2 تموز 1919 وضع هذه اللائحة المبينة لرغبات سكان البلاد الذين انتدبونا، ورفعها إلى الوفد الأميركي المحترم من اللجنة الدولية:
1 ـ إننا نطلب الاستقلال السياسي التام الناجز للبلاد السورية…
2 ـ إننا نطلب أن تكون حكومة البلاد السورية ملكية مدنية نيابية تدار مقاطعاتها على طريقة اللا مركزية الواسعة…
3 ـ إننا نحتج على المادة 22 الواردة في عهد جمعية الأمم والقاضية بإدخال بلادنا في عداد الأمم المتوسطة التي تحتاج إلى دولة منتدبة.
4 ـ نعتبر مسألة الانتداب الواردة في عهد جمعية الأمم عبارة عن مساعدة فنية واقتصادية لا تمس باستقلالنا السياسي التام…
5 ـ إذا لم تتمكن الولايات المتحدة من قبول طلبنا هذه المساعدة منها فإننا نطلب أن تكون هذه المساعدة من دولة بريطانيا العظمى…
6 ـ إننا لا نعترف بأي حق تدّعيه الدولة الفرنسية في أي بقعة كانت في بلادنا السورية…
7 ـ إننا نرفض مطالب الصهيونيين بجعل القسم الجنوبي من البلاد السورية (أي فلسطين) وطناً قومياً للإسرائيليين، ونرفض هجرتهم إلى أي قسم من بلادنا…
8 ـ إننا نطلب عدم فصل القسم الجنوبي من سورية المعروف بفلسطين، والمنطقة الساحلية ومن جملتها لبنان عن القطر السوري…
9 ـ إننا نطلب الاستقلال التام للقطر العراقي المحرر…
10 ـ إن القاعدة الأساسية من قواعد الرئيس ويلسن التي تقضي بإلغاء المعاهدات السرية تجعلنا نحتج على كل معاهدة تقضي بتجزئة بلادنا السورية…

قامت فرنسا تنفيذاً لاتفاقية سايكس ـ بيكو السرية بإنزال قواتها في الساحل السوري واللبناني وفي أماكن أخرى مما أدى إلى اشتداد الغليان في كل مكان في سورية خاصة في جبل العلويين على يد الشيخ صالح العلي…

ونتيجة لحوادث كثيرة جرت في سورية لا مجال لذكرها مفصلة في هذا الكتاب، فقد تقرر في يوم 8 آذار عام 1920 تتويج الأمير فيصل بن الحسين الهاشمي ملكاً على سورية وإعلان استقلال سورية. كذلك تقرر أن يكون علمها العلم العربي المربع الألوان مضافاً إليه نجمة بيضاء في مثلثه الأحمر، وبقي العلم العربي الذي كانت “جمعية الفتاة” أوحت به علماً لمملكة الحجاز:
“(سلاماً أيتها الأمة سلام برٍ أمين، يظلله في سواد الليل بياض الضمير، وخضرة الأمل اليقين)”.

“وازدانت الشوارع بالعلم ذي الألوان الأربع الأسود والأبيض والأخضر والأحمر المستوحاة من الشاعر صفيّ الدين الحلّي بقوله:

إنا لقوم أَبَتْ أخلاقنا شرفاً

أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا

بيضٌ صنائعنا سودٌ وقائِعُنا

خضرٌ مرابعنا حمرٌ مواضينا»

وهذا نص القرار التاريخي المذكور:
إن المؤتمر السوري العام الذي يمثل الأمة السورية العربية في مناطقها الثلاث الداخلية والساحلية والجنوبية (الفلسطينية) تمثيلاً تاماً يضع في جلسته العامة يوم الأحد المصادف لتاريخ 17 جمادى الثانية سنة 1338 وليل الاثنين التالي المصادف 18 آذار 1920 القرار التالي:
ويذكر في هذا القرار الأحداث التي مرت على سورية منذ العهد العثماني حتى تاريخه مروراً بالثورة العربية ومؤتمر باريز واللجنة الأميركية…
وتم تتويج الملك فيصل في حفل حضره حشد كبير من أهل دمشق ورجالاتها وذلك في دار البلدية في ساحة المرجة وتمت البيعة بحضور الأمير زيد شقيق الملك فيصل وكبار الضباط ومندوبو فرنسا وإيطاليا وبقية الدول… ولم يشترك وفد بريطانيا.
ألقى الملك فيصل خطاباً قصيراً شكر فيه الحضور وأشهدهم بأن يكفل استقلال البلاد وحريتها والعناية بالشعب السوري ورقيه. ثم بايعه الحاضرون ملكاً على سورية.
بعد أن تمت البيعة كلف الملك فيصل علي رضا باشا الركابي(1) بتشكيل الوزارة. فكان أول رئيس وزارة لسورية.

وقامت الدولة العربية السورية من خلال نشوة الظفر، وإن دولة عربية قد وجدت على أرض الواقع ثم أعلن عنها رسمياً من دمشق وذلك منذ أن دخل الشريف فيصل مدينة دمشق في أواخر 1918 يصح القول أن هذه الدولة، هي الدولة العربية الأولى منذ الفتح الإسلامي، وأن القومية العربية التي نودي بها وجعلها المواطنون في سورية ولبنان شعاراً، قد أصبح لها أرض ودولة وحدود، هذه الدولة هي حدود الدولة التي عرفت فيما بعد بالجمهورية السورية، التي اجتمع مجلسها النيابي للمرة الأولى عام 1932.

وكانت مؤسسات الدولة تعمل بانتظام في رعاية الملك فيصل عندما فرضت فرنسا انتدابها على سورية، بعد أحداث ومفاوضات لا مجال للتوسع فيها لضيق المجال. وبعد إنذار غورو المعروف والجائر ببنوده الأربعة دارت رحى معركة ميسلون التي وقعت بين القوات الفرنسية الغازية بقيادة الجنرال غورو في 9 تموز 1920 م وبين القوات العربية التي قادها وزير الحربية يوسف العظمة، وكان لا بد أن تنتهي بانتصار الجنرال الفرنسي، واستشهاد يوسف العظمة رافعاً راية بلاده عالياً وتشتت قواته، وقد وضعت هذه المعركة حداً للسيادة السورية. وعلى أثرها غادر الملك فيصل البلاد السورية نهائياً عن طريق حوران ثم بالقطار إلى حيفا، متجنباً مجزرة كانت القوات الفرنسية قد هددت بها دمشق إذا لم يخرج الملك فيصل بهدوء وسكنية دون اعتراض أو تمرد. وكان معظم الزعماء السوريين قد أظهروا استعدادهم لتأييده والوقوف إلى جانبه ضد فرنسا، ولكنه رفض.

يذكر الدكتور أحمد قدري في مذكراته:
كنت بعد ظهر 27 تموز في دار ابن عمي خليل مردم بك(1)، وإذا بأحد أصدقائي يخبرني بأنه شاهد أوراقاً رسمية في سراي الحكومة وقد تضمنت الحكم بإعدامي ونخبة من زملائي الوطنيين من قبل المحكمة العسكرية الفرنسية، فلم يسترع ذلك اهتمامي بعد أن انهارت آمالناً جميعاً وذهبت كل مساعينا أدراج الرياح بفعل السياسة الدولية الغاشمة، وبقيت أنتظر حكم القدر وأملي وطيد بوطنية الشعب. وقد أبلغني الملك قبل منتصف الليل، أن أكون في محطة الحجاز عند الساعة الخامسة من صباح الغد الموافق الثامن والعشرين من تموز 1920م فصدعت بالأمر ولم يعترض سبيلي أحد.

ومن غرائب المصادفات أن يشب حريق هائل في هاتيك الليلة في دار سامي باشا مردم بك قرب سوق الحميدية، فزاد في الكآبة المخيمة على المدينة الجاثمة على الصدور… ولم يكن في وداع الملك إلا فئة قليلة من الوطنيين، فلم يصطحبه في القطار من وزرائه غير ساطع الحصري، وسكرتيره الخاص عوني عبد الهادي، ومن السوريين كبير أمنائه إحسان الجابري، ومرافقه العسكري تحسين قدري، وأحمد قدري، وعبد الرحمن الشهبندر، وجميل مردم بك، وغيرهم. كذلك غادرها شكري القوتلي، ورياض الصلح، والشيخ كامل القصاب، ومحمود الفاعور… وقد تخلف في دمشق فارس الخوري في آخر لحظة بعد أن أرسل حقيبته إلى القطار المعد لنقل أعضاء الحكومة، كذلك علاء الدين الدروبي. وقد تجمعت الدلائل على أنه كان متفاهماً مع الفرنسيين كما ورد في مذكرات الدكتور أحمد قدري (طباعة 1956 مطابع ابن زيدون، دمشق)!!..

ودخل الجنرال غورو دمشق واحتل القصر الأبيض الذي كان يقيم فيه الملك فيصل… وقد اشترته الحكومة الفرنسية وأصبح مقراً للمفوض السامي في دمشق وتشغله السفارة الفرنسية حالياً.

انتشرت القوات الفرنسية في أنحاء دمشق بعد دخولها على أشلاء 800 شهيد و300 قتيل فرنسي، وهذا بيان القوات الفرنسية التي كانت تقاتل في ميسلون كما جاء في بلاغ فرنسي: “ألاي المشاة 415 وألاي رماة الجزائريين الثاني ولواء سنغالي من الرماة الأفريقيين وألاي من السباهي Spahis المغاربة وخمس بطاريات ميدان ومثلها جبلية وبطاريتان من عيار 15,5 ويبلغ مجموعة القوة نحو تسعة آلاف جندي تعززها طيارات ودبابات مع كمية من الرشاشات. وكانت بقيادة الجنرال غوابيه. وقد تطوع في هذه الحملة عدد كبير من اللبنانيين الموارنة بينهم بعض المتعلمين للقيام بأعمال الاستطلاع والترجمة والتجسس وأداء خدمات أخرى” انتهى نص البلاغ الفرنسي.

غادر الملك فيصل دمشق في الساعة الخامسة صباحاً في الثامن والعشرين من تموز 1920م  وقد اختار لسفره هذا الوقت لئلا يخرج الناس لوداعه، فودعه كبار القوم وسافر مع بعض رجاله عن طريق درعا ومن درعا إلى حيفا حيث استقبل استقبالاً رسمياً. ولا بد من وقفة إجلال وتقدير وعرفان للشريف حسين الذي يذكره التاريخ بطلاً أوّل للثورة العربية الكبرى ومؤسساً لها وللوحدة العربية في العصر الحديث. وإن كانت إنكلترا قد غدرت به وخانته ونكثت وعدها له فهذا لا يقلل من قدر هذا الرجل؛ إذ لو كان غيره في مكانه لفعلتْ معه انكلترا الشيء نفسه.

أما الملك فيصل فقد أخلص وضحى ولعله أخطأ في بعض الأمور، ولكنه أصاب في كثير منها. والتاريخ يسجل له كل تقدير واحترام بمداد من ذهب لأعمال قام بها منذ صرخته الأولى وهو يطلق الرصاصة الأولى في الثورة العربية الكبرى، وندائه بصوت سمعته السماوات السبع:
(طـاب المـوت يـا عـرب)

وقد كان برفقته إحسان الجابري وساطع الحصري وتحسين قدري وأحمد قدري وجميل مردم بك.

عاشت سورية أياماً سوداء تحت ظل الانتداب بعد طرد رمزها الملك فيصل. وتحطمت الأحلام، وتمزقت أشلاء جمعية “العربية الفتاة”، وأصبحت أحزاباً متعددة، وبدأ النضال المسلح ضد الفرنسيين في كل مكان، من شمال البلاد إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، وقامت الثورات في كل مكان؛ “فالشعب السوري لا يقبل الضيم من عهد ما بعد الطوفان إلى اليوم وقد عرف ذلك كل من جاس الديار”.

منذ ذلك اليوم الذي غادر فيه فيصل بن الحسين البلاد وبدأت المقاومة ضد الفرنسيين، ارتبط تاريخ جميل مردم بك بالنضال الذي قاده شعب سورية لاستعادة سيادته على أرضه، وانتعشت الحركة التحريرية بشكل مذهل.
ورد في مذكرات السيد لطفي الحفار لابنته السيدة سلمى الحفار الكزبري دار رياض الريّس:

أما الأوضاع السياسية في إثر معركة ميسلون ودخول الفرنسيين إلى دمشق على جثث شهدائنا الأبطال في المعركة فقد كانت متردّية للغاية، عانى منها الشعب السوري ألوناً من القمع لكنها لم تطفئ جذوة الكرامة الوطنية المغروسة في نفوس الرجال والنساء على حد سواء…

إني أرى من واجبي أن أذكر دور المرأة السورية في النضال الوطني: فعلى الرغم من أنها محجّبة، لم يمنعها الحجاب من المشاركة في الاحتجاج على الانتداب. ففي العاشر من شهر حزيران 1922 جرت أول مظاهرة نسوية في دمشق كتب عنها المجاهد الوطني حسن الحكيم في مذكراته ما يلي:

“جرت المظاهرة النسائية الأولى في دمشق يوم 10 حزيران 1922 احتجاجاً على الانتداب وتوقيف الدكتور عبد الرحمن الشهبندر وحسن الحكيم وغيرهما في سجن القلعة.

سبعون آنسة وسيدة خرجن من بيت حرم الدكتور شهبندر يهتفن للحرية والاستقلال إلى أن بلغن القنصلية الأميركية حيث احتججن على توقيف الوطنيين، وفرض الاستعمار على البلاد، ثم سرن باتجاه القنصلية البريطانية وبعدها الإيطالية يلوّحن بالمناديل البيضاء.

وعندما بلغن القلعة حالت السلطة دون مرورهن بسوق الحميدية وأجبرتهن على التفرّق، وما أن وصلت أخبار النساء وما قمن به حتى دبّ الحماس في جميع الطبقات التي راحت تظهر احتجاجها على المستعمر بإغلاق الحوانيت بحيث أصبحت المدينة مضربة إضراباً تاماً بأقل من لمح البصر”.

كذلك توجد كلمة إعجاب ووفاء سجلها التاريخ لنسائنا الرائدات في مذكرات الحفار في طليعتهن الآنسة نازك العابد مؤسسة جمعية الهلال الأحمر النسائية قبل معركة ميسلون ثم مدرسة بنات الشهداء. تقول السيدة سلمى لطفي الحفار: لقد عثرت على منشور ذي أهمية تاريخية وزّعته تلك الجمعية إبان احتدام الصراع بين الملك فيصل وحكومته وبين الفرنسيين المتآمرين مع الإنكليز لاحتلال سورية سنة 1920 م هذا نصه:

“لقد أثبتت الحوادث أن الانتداب الذي فُرض على البلاد تحت ستار المساعدة والإرشاد كان الاستعمار بعينه بعد أن راحت فرنسا، الدولة المنتدبة، تتصرف بالبلاد تصرّف المالك في ملكه، والسيّد في عبيده”.

اقرأ:

جميل مردم بك والحزب الوطني في سورية عام 1920 

جميل مردم بك ومؤتمر باريس 1913

جميل مردم بك والجمعية العربية الفتاة السريّة

المصدر
صفحات من حياة جميل مردم بك، تميم مأمون مردم بك
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق