مقالات

وقائع وصور عن مقتل فتى الشام فوزي الغزي (6/2)

شمس الدين العجلاني

  •   
  •   
  •   

الزمان: عام 1929
المكان: قرية الريحان
الضحية: فوزي الغزي
المتهمون: لطفية اليافي، منير الغزي، رضا الغزي، وجيه الغزي.
وراء الكواليس: الجنرال هنري بونسو.

يحفل تاريخنا السياسي بالعديد من القصص والحكايا عن جرائم ومؤامرات سياسية لمّا تنته بعد، ولم تزل ملفاتها مفتوحة والتساؤلات والشكوك تحوم حولها، ولا بد من إعادة فتح هذه الملفات لمعرفة من الجاني.. ومن الضحية.. ولماذا.. ونستفيد من هذه الأحداث التاريخية الهامة التي عصفت بحياتنا السياسية في يوم من الأيام. نتساءل هل هنالك جريمة وراء وفاة الرئيس السوري الشيخ تاج الدين الحسني عام 1943 أم أنه كان صريع مرض مفاجئ حار فيه الأطباء، من القاتل الحقيقي للزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر عام 1940 ولماذا قُتل!؟.. من قام باغتيال قائد سلاح الجو العقيد محمد ناصر في عام 1950 وما هو الهدف من اغتياله!؟ ومن وراء اغتيال نائب رئيس الأركان العام في الجيش السوري ورئيس الشعبة الثالثة (العمليات والتدريب) وزعيم التيار القومي العربي الوحدوي في الجيش العقيد عدنان المالكي عام 1955!؟.. هل خطط زعماء سورية وأبناؤهم الأوفياء في يوم من أيام عام 1956 لانقلاب مدعوم من السلطات العراقية، فاتهموا بالمؤامرة الكبرى وحوكموا ولم تزل حكايتهم في مجاهل أروقة السياسة ؟..

وهل كان منير العجلاني أحد أهم أقطاب هذه المؤامرة؟.. الزعيم الوطني فوزي الغزي ذهب ضحية عام 1929، ولكن هل صحيح أن زوجته هي القاتلة أو هي الأداة أوقائع وصور عن مقتل فتى الشام فوزي الغزي (6/2)و هي لا هذا ولا ذاك؟.. والأمثلة كثيرة وتاريخنا يحتاج إلى إعادة قراءة متأنية وبتجرد لعلنا نعرف خفايا الأيام الماضية نستفيد من لونها الأبيض ونبتعد عن لونها القاتم.
كلمة لا بد منها:

كتب بعض الباحثين والصحفيين عن هذه الجريمة، وأصدر هاني الخير كتاباً أسماه “نساء وعشيقات في حياة مشاهير وزعماء سورية ” تعرض فيه لمقتل فوزي الغزي وقرأت أنه أدان الزوجة لطفية اليافي في مقتل زوجها، وكذلك كان قد كتب القاضي والوزير يوسف الحكيم في كتابه “سورية والانتداب الفرنسي” الصادر عام 1983، حيث قال إن اغتيال فوزي الغزي “اغتيال بالتسمم لأسباب عائلية بحتة ليس لها أدنى علاقة بالسياسة”.

منذ عشرات السنين ولطفية اليافي موضع اهتمامي والزعيم فوزي موضع اهتمامي أيضاً لعبقريته النادرة ولوطنيته المتأججة، فهو لم يكن يتجاوز من العمر الثلاثين حين كان أحد علماء زمانه وعظيم أقرانه، فحين كان يترشح للمجلس النيابي كانت دمشق تخرج عن بكرة أبيها مؤيدة له وخاصة جيل الشباب وهذا لم يكن يحصل إلا لفوزي الغزي.

بدأت البحث عن مقتل رجل السياسة والأدب والحقوق فوزي الغزي، ولا بد من الاعتراف في البدء أن المعلومات عن هذه الجريمة قليلة بل نادرة وتحتاج إلى عناء كبير، وكلها تصب في منحى واحد وهو إدانة الزوجة.. عدت إلى العديد من المكتبات الوطنية، وإلى ما تكتنزه الذاكرة الشعبية عنها، كنت أوفق أحياناً وأحياناً أخرى يصيبني الفشل، ومنذ اللحظة الأولى كان ينتابني الشعور ببراءة لطفية من دم زوجها، وكنت ولم أزل أقف مطولاً عند قول رضا الغزي في محاكمة لطفية وبصوت عال: ” أنا الجاني الحقيقي.. ولطفية بريئة ولا علاقة لها بالأمر!!”.

كتب قديماً وحديثاً عن هذه الجريمة، وكانت دائماً أصابع الاتهام توجه إلى الزوجة!؟ وفي ذات مرة كنت أدردش مع المرحوم المحامي والكاتب نجاة قصاب حسن وتعرضنا في الحديث لجريمة القتل هذه فقال لي، إنه يجمع الأدلة على براءة لطفية من دم زوجها، وهو على قناعة بذلك، وأذكر أنه كتب ذلك في أحد كتبه، وهذا ما حرّض لدي الشعور أكبر ببراءة الزوجة، أضف إلى
ذلك حادثة إطلاق سراح لطفية من السجن بأمر من الرئيس حسني الزعيم وبعلم وترتيب من وزير العدل آنذاك أسعد حوراني، وأيضاً يذكر العديد من أقرباء ومعارف لطفية أنها ظلت تقسم طيلة حياتها أنها بريئة، وأقسمت وهي على فراش الموت ويدها على القرآن الكريم أمام كل أفراد عائلتها أنها بريئة .. كل ذلك عزز لدي القناعة ببراءة لطفية اليافي من جريمة قتل زوجها فوزي
الغزي.
فوزي الغزي:
هو ابن إسماعيل بن رضا بن إسماعيل بن عبد الغني الغزي العامري الدمشقي السياسي السوري الذي اشتهر عبر التاريخ بأنه واضع الدستور السوري (أبو الدستور)، ولد بدمشق عام 1891 وتوفي في 6 تموز عام 1929م مسموماً، درس في دمشـق والمعهد الملكي العـالي في الآستانة (اسطنبول), كان ضابطاً في الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى وحارب في القفقاس والعراق حيث أصيب في أذنه،

عُيّن زمن الملك فيصل (1918– 1920م) قائم مقام راشيّا، وحاصبيّا على التوالي، ثم أميناً لسر وزارة الداخلية، وبعد الاحتلال الفرنسي لسورية عمل في المحاماة، ودرس القانون الدولي في معهد الحقوق بدمشق..

انتخب نائباً عن دمشق عام 1928م، وفاز بأمانة سر المجلس واختير مقرراً للجنة المكلفة بوضع دستور للبلاد والتي شكلتها الجمعية التأسيسية عام 1928 ولعب دوراً أساسياً في إعداد وصياغة الدستور ويقال إنه أنجز وضعه خلال أسبوعين، كان معارضاً شرساً للاحتلال الفرنسي فذاق مرارة النفي والاعتقال والتعذيب مرات عديدة في جزيرة أرواد و( الحسكة) ودوما وفي لبنان، وكان من نتيجة معاناته في الاعتقال أن فقد أضراسه وأسنانه وابتلاه الله بأمراض شتى سببها التعذيب والتغريب..

ترك لنا الغزي العديد من المؤلفات والدراسات في السياسة والحقوق، منها “حقوق الدول العامة” ولا يخفى على المتابع لسيرة حياة الغزي أنه كان سيد المنابر ما بين سورية ولبنان وله مريدوه الكثر من الأوساط كافة السياسية والثقافية والطلابية.. وكان آخر خطاب ألقاه الفقيد من على منابر الخطابة عن:(وطنيتنا عربية لا إسلامية ولا نصرانية) وذلك في الثالث والعشرين من حزيران سنة 1929 في الجامعة الوطنية في عاليه (لبنان) وبعد الانتهاء من الخطاب حمله اللبنانيون على الأكتاف وهم وقائع وصور عن مقتل فتى الشام فوزي الغزي (6/2)يهتفون للوحدة السورية.

لطفية اليافي:

عائلة اليافي عائلة كريمة عريقة يعود لقبها نسبة إلى مدينة يافا في فلسطين، وتعود جذور العائلة إلى أشراف مكة المكرمة، وهي من العائلات الكبيرة المنتشرة في أنحاء عدة من سورية والوطن العربي، ومن هذه العائلة تزوج الزعيم الوطني فوزي الغزي بصبية جميلة راقية بعمر الورود اسمها لطفية من مواليد مدينة حمص عام 1905م، وتصف ناديا خوست لطفية اليافي بقولها:”طويلة ملفوفة بملاءة سوداء لا تكشف حتى وجهها!” وأنجبا ولدين هما دلال وخلدون ومن ثم أنجبت لطفية طفلة في السجن أسمتها حبيسة وبعد فترة غيرت اسمها إلى (ع) وحتى عام 2008م كانت (ع) لم تزل على قيد الحياة حسب ما ذكرت لي إحداهن، وابنته دلال كانت لها الحظوة لدى والدها، وكانت مقربة جداً له حتى أنها زارته في منفاه في منطقة دوما وكان ذلك عام 1927م وهي ابنته البكر.

كان الغزي يلقب بأبي خلدون، الصبي الوحيد له، وكان يقدس الحياة الزوجية، ففي رسالة أرسلها إلى قريبه لطفي اليافي بتاريخ 21/ تشرين الثاني/ عام 1927 ذكر فيها: (عليك أن تفهم أن الرجل إذا تزوج من امرأة أصبحت المرأة ضلعاً من أضلاعه وأن الإنسان كيف أنه لا يبحث في الابتعاد عن رأسه أو يده كذلك الرجل لا يبحث في الابتعاد عن زوجته ورفيقة حياته).

قضت لطفية اليافي عشرين عاماً في سجن قلعة دمشق بتهمة قتل زوجها، وخرجت من السجن بأمر من الرئيس السوري حسني الزعيم، وقضت بقية حياتها في الظل والحسرة على جريمة لم ترتكبها، لكنها ذاقت حممها وتحملت من شغف الحياة ما لم تتحمله الجبال، وقيل إنها اضطرت لتغيير اسمها بعد خروجها من السجن واسم ابنتها التي ولدتها في السجن، وقيل أيضاً إن ابنتها هذه واسمها (ع) تزوجت من أحد الأسماء اللامعة بدمشق في مجال القضاء، لم يعرف الكثير بل لم يعرف أي شيء عن حياة لطفية بعد خروجها من السجن، ولكن ذاكرة أهل دمشق وخاصة ذاكرة نسائها تحمل الكثير من حكايا هذه “المظلومة” وما أذكره هنا من معلومات مصدره ذاكرة عدد من نساء دمشق.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي
إغلاق