من الصحافة

قصة فوزي القاوقجي في الوثائق البريطانية . لماذا لم تعتقله حكومة الانتداب في مطار اللد؟

جان داية

  •   
  •   
  •   

كان قد مضى على “تقاعد” فوزي القاوقجي من أي عمل عسكري – سياسي ربع قرن بالتمام، حين اندلعت فجأة نيران حرب تشرين الأول اكتوبر 1973. كانت الحرب في يومها الثالث. وكفّتها الراجحة كانت لصالح الجيشين المصري والسوري. ولما كنت أعمل في قسم التحقيقات والمقابلات في مجلة سياسية بيروتية، طرحت اسم القاوقجي موضوعاً لمقابلة تتمحور أسئلتها حول حرب تشرين والحروب التي سبقتها في فلسطين. ولم أفاجأ حين وافق رئيس التحرير بسرعة وحماسة. ذلك ان اسم القاوقجي مقرون باسم فلسطين بعد الدور البارز الذي لعبه في حربي 1936 و1948. ولم تبهت سنوات “التقاعد” الطويلة من لمعان الاسم أو تخرس صداه. لذلك، ندر أن خلا كتاب أو بحث حول المسألة الفلسطينية باللغة العربية أو باللغات الأجنبية، وبخاصة الانكليزية، إلا وللقاوقجي في عرسه قرص.

وعلى رغم يقيني من أن معظم الباحثين والصحافيين الأجانب لم يكونوا يوماً موضوعيين حيال أي قائد سياسي أو عسكري من العالم العربي قاوم الاستيطان اليهودي في فلسطين، ومن أن معظم الصحافيين والباحثين العرب يستقون معلوماتهم من مراجع أجنبية فضلاً عن استعدادهم المسبق لتخوين قادتهم، فقد توجهت الى منزل فوزي القاوقجي بصورة عنه هي أقرب الى المغامر العسكري العاشق للمال والنساء، الذي ينعم في أرجاء فيلا تعجّ بالخدم ولا تخلو من صبية جميلة، منه الى القائد الوطني النظيف الكف والخبير بحروب التحرير، وكانت خيبة “الأمل” كبيرة، فالشقة صغيرة، والأثاث مهترئ. والحي شعبي فقير ولا يوجد في المنزل سوى مجموعة كلاب وقطط، وإمرأة أجنبية كهلة تلبس ثياباً من التي تباع في “البالة”، وهي زوجته الالمانية الأصل. لم يشأ التكلم حول الحرب وفلسطين في حوار طويل. واكتفى بالقول ان الفوز سيكون لصالح مصر وسورية إذا تواصل الهجوم والقصف لأيام وأسابيع، لأن اسرائيل لا تتحمل الضربات المفاجئة والقوية والمتواصلة. أما إذا أوقفت القاهرة أو دمشق أو الاثنين معاً، القتال بسرعة، فإن كفّة الميزان تميل لصالح العدو.

وعدت من الزيارة بصورة مشرقة للقاوقجي بعد أن وجدته يعيش في منزل متواضع، فيما معظم الذين أطلقوا الاشاعات عليه يعيشون في القصور. ومن المؤكد أن الرجل وزوجته كانا سيموتا جوعاً لولا الألف ليرة لبنانية التي قررها قائد الجيش اللبناني آنذاك فؤاد شهاب كراتب شهري تقاعدي. وازدادت اشراقه صورته، حين أوقف المصريون القتال فجأة. وكانت النتيجة تماماً كما توقعها فوزي القاوقجي.

نترك القاوقجي و”الشياح” ونعود بعد 25 سنة الى كيو غاردن في لندن بمناسبة مرور نصف قرن على ولادة دولة اسرائيل. فما هو جديد مركز محفوظات الخارجية البريطانية حيال فلسطين؟ يذكر ان وزارة الخارجية تفرج في مطلع كل عام عن مراسلات ديبلوماسية مضى عليها 30 عاماً. ولكنها، في هذا العام، أفرجت عن ملف خاص بالقاوقجي كان من المفترض الافراج عنه عام 1967، لكنها احتفظت به 20 سنة اضافية نظراً لدقة مضمونه وحساسيته. والطريف ان الملف الذي يحتضن عشرة تقارير يتمحور على موضوع واحد، هو عودة القاوقجي عام 1947 من المانيا الى لبنان عبر باريس.

وقبل أن يظن القراء، وبخاصة الذين لم يعاصروا القاوقجي ولم يقرأوا مذكراته، ان الانكليز يعملون أحياناً من “الحبة قبة” أسارع الى تلخيص حياته العسكرية – السياسية على النحو الآتي: تخرج ابن طرابلس – لبنان فوز الدين القاوقجي من المدرسة الحربية في اسطنبول برتبة ملازم خيّال عام 1912. وخلال الحرب العالمية الأولى، خاض أولى المعارك في “كوم العمارة” وجرح. ثم اشترك في معارك الدردنيل، ومنها انتقل الى معركة بئر السبع في فلسطين وجرح أيضاً. ونال عدة أوسمة من تركيا والمانيا والنمسا بسبب بلائه في القتال. بعد الحرب عاد الى منزله في طرابلس، حيث صادف وجود الأمير فيصل الأول الذي طلب منه الالتحاق بالجيش العربي الفتيّ. ولبى الطلب، واشترك في معركة ميسلون ضد الجيش الفرنسي التي استشهد فيها وزير الحربية في دمشق يوسف العظمة.

عام 1925، انطلقت شرارة الثورة في جبل العرب، بقيادة سلطان باشا الأطرش، فاشترك القاوقجي بالثورة، وقاد معركة حماه التي استهدفت ضرب الثكنة العسكرية الفرنسية واحتلال المدينة. اثر انطفاء جذوة الثورة التي دامت بضعة أعوام، التجأ القاوقجي الى المملكة السعودية وبقي حتى العام 1932. وفي العام 1933، انتقل القاوقجي الى العراق، والتحق في الكلية العسكرية، قسم الخيالة. كانت الحالة على أشدها في فلسطين عام 1936، فترك القاوقجي العراق ليقود الثورة المسلحة في فلسطين ضد الاستيطان اليهودي، طوال ثلاثة أعوام. وحين خمدت نيران الثورة، عاد قائدها الى بغداد، ليشترك عام 1941 في حرب رشيد عالي الكيلاني التي شنها ضد الانكليز. وقاد القاوقجي معركة “الرطبة” على الحدود الأردنية، وقد جرح فيها قائد الجيش الأردني غلوب باشا الملقب بـ “أبو حنيك”.

معركة “تدمر” سببت للقاوقجي ما يزيد على الأربعين اصابة مما استدعى نقله الى المانيا واستمر فاقد الوعي لمدة سنتين. وبقي القاوقجي في المانيا خلال الحرب وبعدها، فتزوج من مواطنة المانية، وعاش معها في القطاع الذي احتله الروس، في حالة فقر مدقع.

ما زلنا مع ملف القاوقجي في محفوظات الخارجية البريطانية، بادئين بالتقرير الأول المؤرخ في 24 شباط فبراير 1947 والمتوج بكلمة “سري”.

يفيد السفير البريطاني في بيروت وزير خارجيته ان الصحافة المحلية البيروتية نشرت خبر وصول القاوقجي الى باريس وتوقّع عودته السريعة الى لبنان. وقد صرح للمراسلين الصحافيين من العاصمة الفرنسية انه سوف “يكمل جهاده في سبيل القضية العربية من غير تمييز بين حزب وبلد”.

وفي البند الثاني من التقرير ان سعادته لفت نظر وزير الخارجية اللبنانية الى ضرورة عرقلة “ظهور القاوقجي في الشرق الأوسط”. ولكن معاليه أعلمه ان الحكومة اللبنانية لا تستطيع منعه من العودة الى لبنان لأنه مواطن لبناني. هنا اقترح الوزير اللبناني حلاً وسطاً وهو أخذ تعهد من القاوقجي بعدم التعاطي بالسياسة.

ويعبّر السفير في البند الثالث والأخير من تقريره عن عدم تعويله على اقتراح الوزير. وباعتبار ان الكحل أحسن من العمى، فإنه سيلحّ على السلطات اللبنانية للحصول على ضمان “التصرف الجيد” للقاوقجي.

وفي تقرير آخر مؤرخ في 26 شباط 1947، ومصدره الخارجية البريطانية، يناقش المستر ج. بيث Beith مسألة القاوقجي الذي غادر باريس وأصبح في القاهرة. بالنسبة لما اقترحته حكومة فلسطين البريطانية حول ضرورة مساءلة بريطانيا لفرنسا عن سماحها بدخول القاوقجي أراضيها يعترف المسؤول البريطاني بعدم وجود حجة وجيهة للطلب من الحكومة الفرنسية توقيفه أو اتخاذ أي تدبير بحقه، خصوصاً وانه مر عبر فرنسا بصورة شرعية.

وختم تقريره بالقول ان بريطانيا لا تستطيع منع فوزي من السفر الى الشرق الأوسط، لكنها تعمل على عرقلة سفره. ومع ذلك، يقتضي الحصول على تقرير يتضمن “كيفية حصول القاوقجي على أوراق السفر الرسمية التي خوّلته مغادرة المانيا ودخول فرنسا”.

ولكن الطائرة التي أقلت القاوقجي من باريس الى القاهرة توقفت لمدة نصف ساعة في مطار اللد الفلسطيني. فما هو سر توقف الطائرة في فلسطين وعدم توجهها مباشرة الى مصر؟ ولماذا لم تعتقل السلطة البريطانية القاوقجي أو تعرقل عملية سفره على الأقل بأية طريقة ممكنة؟

لم يرد جواب على السؤال الأول في ملف القاوقجي الذي لم يفرج عنه إلا بعد رحيل صاحبه. ويمكن الاستنتاج بأن الحكومة البريطانية قد تكون رتبت عملية توقف الطائرة في اللد لاعتقال القاوقجي. وهذا الاستنتاج يأخذ مشروعيته، حين نقرأ بعد قليل ما قاله القاوقجي لصحيفة “الحياة” عام 1947 حول الموضوع، مما يكشف، ليس فقط سر توقف الطائرة في مطار اللد، بل أيضاً سر عدم اعتقاله من قبل أمن المطار.

في 4 آذار مارس 1947، توّجت “الحياة” صفحتها الأولى بالمانشيت الآتية: “حديث خاص “بالحياة” من المجاهد العربي الكبير… القاوقجي يستعرض جهاده ويمضي فيه الى النهاية”. في سياق المقابلة سأله مندوب “الحياة” عن السبب في هبوط “طائرته في مطار اللد، فأجاب: “كان موعد سفرنا من باريس في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل في طائرة انكليزية. ولكن أخبرنا في اخر لحظة ان السفر تأخّر الى صباح غد عند الساعة الحادية عشرة وفي طائرة نروجية. وفي اليوم التالي، ركبنا تلك الطائرة في الموعد المعين، وكانت وجهة الطائرة باريس – القاهرة. وعندما أصبحنا فوق صقلية، سألت قائد الطائرة عن موعد الوصول، فأجاب انه تلقى في هذه اللحظة برقية من اللد تطلب منه متابعة السير اليها. وهنا راودني الشك، ولكني لم أحب أن أجادل القائد في السبب كيلا ألفت الأنظار إليّ”. أضاف: “وبقينا زهاء أربع ساعات ونحن نفكر في السبب، وكنا تارة نقول ان هناك خطة مدبرة للايقاع بنا، وتارة نعزو السبب الى ظروف استثنائية. وأخيراً هبطنا مطار اللد، فنزل من الطائرة خمسة أشخاص، أربعة رجال وامرأة. فقيل لنا ان هؤلاء من الوكالة اليهودية. فزاد الريب عندنا. فجاء شرطي عربي وتقدم من رفيقي السيد حميد الصافي وسأله الى أين هو ذاهب، فقال له الى القاهرة. فنزل هذا الشرطي، وجاء بعده ضابط انكليزي ومعه شرطي عبري. وسأل هذا حميد عن وجهته، فقال الى القاهرة. وسأل عمن أكون وعن المرأة التي ترافقني، وكنت في تلك الأثناء أتحدث بالألمانية مع قرينتي، فقال له حميد: لا أعرف. فسأل الضابط، وكان يتكلم العربية، هل هما يهوديان؟ فأجاب حميد: نعم. وسأل: أين فوزي القاوقجي؟ فأجابه حميد: لا أعرف. وفي هذه الأثناء، جاء الطيارون النروجيون وأداروا المحركات، وأقلعت بنا الطائرة، فنجونا. وكانت نجاتنا باعجوبة”.

وكانت “الحياة” أعادت نشر مقابلة أجرتها “الأهرام” مع القاوقجي في اليوم التالي لوصوله الى القاهرة.

وفي سياق المقابلة، سأله مندوب الأهرام “عن أسوأ ساعة قضاها في حياته، فقال مبتسماً: هي نصف ساعة لا ساعة قضيتها أمس ليلاً في مطار اللدّ حيث هبطت الطائرة على غير عادتها، فتوهمت ان هناك شركاً نصب لي، وإني وقعت في هذا الشرك بلا ثمن، وسأقضي بقية حياتي بلا فائدة”.

ولكن الشرك كان حقيقة لا وهماً. والدليل ما ورد في مناقشات مجلس العموم البريطاني حول عدم اعتقال القاوقجي في مطار اللد.

النائب ج. لويس سأل وزير المستعمرات عن سبب عدم اعتقال فوزي القاوقجي في مطار اللد وهو في طريقه الى القاهرة يوم السبت في 22 شباط مع انه في “لائحة المطلوبين لدى حكومة فلسطين”؟ وتساءل النائب هوي HOY عما اذا كانت حكومة فلسطين قد أصدرت مذكرة “باعتقال فوز الدين القاوقجي أو أي أمر يمنع دخوله فلسطين”؟

وسأل النائب جانّر Janner وزير المستعمرات اذا كان ينوي استرداد فوزي الدين القاوقجي من مصر.

وأجاب الوزير كريتش جونز Creech Jones: “ان فوزي القاوقجي هو لبناني الجنسية. وليس هناك أمر باعتقاله من قبل السلطات الفلسطينية، فقد كان اسمه في لائحة إعاقة دخولهم الى فلسطين لأن حضوره يشكل خطراً بالغاً على الأمن. لقد وصل الى القاهرة في 23 شباط وهو يحمل فيزا – ترانزيت – من القنصلية المصرية في باريس. وعلمت انه الآن في لبنان. وليس وارداً طلب استرداده”.

ولم تتوقف المناقشة أو قل الاستجواب. فالنائب ستانلي سأل الوزير عما اذا كان عدم اعتقال القاوقجي ناجم عن أنه سوري ولا يوجد اسمه في لائحة المطلوبين، أم لأن المسؤولين الأمنيين في المطار لم يعرفوه؟

وأجاب الوزير: “لو ان مسؤولي الأمن عرفوه، لكان حدث شيء ما. ولكنه بقي في مطار اللد لساعة واحدة ، وكان حاملاً جواز سفر مزوراً، فيما حقائبه مسجلة باسم مختلف”.

لم تقتصر “مواكبة” الانكليز للقاوقجي في رحلته التاريخية على الجانب الرسمي الديبلوماسي. ولا هي حافظت على سريتها بنسبة مئة في المئة. وعلى سبيل المثال، فإن قلم تحرير صحيفة Palestine Post تضايق جداً من عدم وقوع القاوقجي في فخ السلطة الأمنية لمطار اللد، فتساءل أثر ذلك عن سرّ معاملة الفرنسيين له وكأنه لم يتعاون مع “المانيا العدوة” مع ان السلطات السوفياتية في برلين رفضت “طلب الجامعة العربية بإطلاق سراحه”. ولم يبخل تعليق الصحيفة من غمز من قناة سلطات مطار اللد التي “دققت كل التدقيق بأوراق غيره بمن فيهم المستر ستون مراسل جريدة ب.م. النيويوركية” في حين مرّ “القاوقجي وزوجته الألمانية في اللد دون أيما إزعاج”.

وعلى الصعيد الرسمي، فإن مساءلة الحكومة البريطانية للحكومة الفرنسية حول ظروف دخول القاوقجي فرنسا وخروجه منها، لم تبق ضمن الأقنية الديبلوماسية السرية. فقد “صرح ناطق بلسان الحكومة الفرنسية على أثر مذكرة أرسلتها الحكومة البريطانية مستفهمة عن الاحوال التي سمح فيها للقائد فوزي القاوقجي بمغادرة باريس، بأنه سافر الى فرنسا وهو يحمل تأشيرة من مجلس المراقبة الحليف في برلين الذي يمثل بريطانيا فيه مندوب”. وأضافت “الحياة” التي نشرت الخبر في 27 شباط 1947 تحت عنوان “الانكليز يأسفون لإفلات القاوقجي” ان الوكالة الفرنسية من القدس عممت بلاغاً لناطق باسم حكومة فلسطين جاء فيه “ان السيد فوزي القاوقجي قد سافر بالطائرة باسم مستعار من فرنسا الى مصر، وان ادارة مطار اللد لم تستطع، مع الأسف، معرفة هويته”.

يبقى ان قيامة الانكليز لم تقم فقط بسبب ما قام به القاوقجي من أعمال عسكرية ضدهم وضد حلفاهم في سورية وفلسطين والعراق والأردن خلال الحقبة الزمنية التي تبدأ في نهاية الحرب العالمية الأولى، وتنتهي في نهاية الحرب العالمية الثانية، بل ايضاً، وربما أولاً، بما سيقوم به كقائد في مقاومة الاستيطان اليهودي خلال الحرب المتوقعة في فلسطين نتيجة اعلان نهاية الانتداب وولادة الدولة العبرية على جزء كبير من الأراضي الفلسطينية. واذا كانت المخابرات البريطانية كشفت عملية انتقال القاوقجي من برلين الى باريس، مقدمة لعودته الى وطنه الصغير لبنان، فإن “الحياة” فتحت أعين الانكليز على ما يمكن ان يقوم به في فلسطين من تكرار المقاومة المسلحة التي قادها للمرة الأولى في العام 1936. وهو ما ستتضمنه الحلقة الثانية والأخيرة التي تلقي المزيد من الاضواء على وثائق الخارجية البريطانية.

المصدر
جان داية - صحيفة الحياة، 8 فبراير 1998
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق