وثائق وبيانات

كلمة محمد كرد علي في حفل استقبال والي دمشق الجديد عام 1908م

  •   
  •   
  •   

في الحادي والثلاثين من شهر كانون الأول 1908م، وصل حسين ناظم باشا والي سورية الجديد إلى دمشق لاستلام مهامه من الوالي شكري باشا. ونشرت صحيفة المقتبس خبراً عن حفل استقبال الوالي الجديد في دمشق في العدد 15 الصادر في الأول من كانون الثاني 1909م.

وفي الحفل الاستقبال، ألقى محمد كرد علي رئيس تحرير صحيفة المقتبس الكلمة التالية: 

الآن تستقبل بك الشام رجلاً عرفها وعرفته في إبان الشدة وتعقد على هذه المعرفة آمالها لتحسن خدمتها أيام الرخاء فأعرف لها حقها فهي بلدك الثاني الذي رحب بك زمناً طويلاً فطابت مستقراً ومقاماً.

أيها الوزير لا تخيب لسورية ظناً وضعته قيك وكن لإصلاحها اباً باراً تراوح بين اللين والشدة فقد سئمت نفوسنا من جور الجائرين وتلاعب المتلاعبين وأنت لهذه الولاية نعم الطبيب المؤاسي الذي عرف مصادر الأمور ومواردها فتحتم عليه أن يمحو من سمائها ظلم تلك المظالم التي تلبدت فيها قروناً بما اشتد عليها من وطأة الحكم الذوقي الاستبدادي.

عرفناك أيام كان عامة الأمة بل خاصتها يقدسون حكامهم ويؤلهون ملوكهم فما رأيناك إلا شاكياً من محيطك تخاف على نفسك البوادر فتسير مع الواشين والمتجسسين في الظاهر وإن كنت تخالفهم في الباطن وبقيت إلى آخر يوم من توليك زمام هذه الولاية تؤكد لمن ولاك أن سورية خالية من حر يفكر للخير العام ويفتح فاه للمطالبة بالإصلاح فكنا نعد منك السفارة بيننا وبين ظالمنا على هذه الصورة أكبر عم تخدم به الحرية وندحر وجودك من هذه الوجهة نعمة على الوطن والوطنية.

رأيناك تتأوه إذا خلوت بالأحرار في الدور السالف من اختلال الدوائر وفساد العمال في هذه القاعدة وكورها وتعتذر عن تأديبهم بما كان فوق يدك من سلطة مجنونة لا رأي لها ولا عقل ولا وجدان.

كنا نقول ان ناظم باشا عفيف مستقيم ولكن نؤآخذك بما كان حواليك من المفسدين والخائنين فما ندري بأي وجه كنت تقربهم ويقتربون منك ولعل لك عذراً فيما مضى ولكن اليوم لا عذر لك.

نحن لا نطالبك بأن يكون جميع عملك من الطراز الأول في معارفهم وأخلاقهم ما داموا كلهم قد تخرجوا في مدرسة الحكومة الماضية التي كانت لا تربي أولادها إلا على الكذب والخبث والرذيلة والرشوة والاحتيال والرياء والدناءه وإنما نريد منك أن تنتقي الأمثل فالأمثل على نحو ما فعل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما تولى الخلافة الأموية ورأى من سوء حال العمال ما هاله فلم يسعه إلا أن يختار الأصلح فالأصلح ويحلفهم أن يسيروا بسيرته الحسنة ويعدهم ويتوعدهم.

نحن مهما اغتبطنا بما بلغناه من الرقي في الأفكار والتأفف من الظالمين فإنا لم نزل في أسفل درجات السلم الاجتماعي فمد يدك الينا بأناس من أهل الخير والجدان الطاهر تختارهم وساعدنا على صعود درجة أخرى في هذا السلم ولا تبتئس ولا تقنط فالأمة لم يؤخرها إلا التواكل والتوكل والاتكال الذي لم يأت به شرع ولا عرفه عقل.

إن فئة فاسدة كانت أعوان كل ظالم يأتي هذه البلاد تتطلب رضا بكل حيلة لنيل شهوتها وأهوائها لهي فئة ضلالة وجهالة لا يرجى منها أدنى نفع لك ولا لهذه الأمة المسكينة التي طال زمن استبعادها فاسقطها فإن في اسقاطها رفع شأن الأمة والدولة.

أنت الآن تتولى شؤون سورية في ابرك الأوقات التي أتت عليها بعد عهد السلطانين العادلين نور الدين محمود بن زنكي وصلاح الدين يوسف بن ايوب فأعرف كيف تسير لتزيد في بركتها بما أوتيت من فضل وطول تجارب ولا سبيل إلى ذلك الا اذا دست مصلحة الأفراد لاحياء مصالح المجموع واجعل اعوانك في مهمتك كل من يؤثر النفع العام على نفعه الذاتي ممن لا يداهن ولا يتجسس ولا يغتاب ولا ينم. طف بنفسك دوائر الحكومة هنا وفي الأولوية والاقضية وراقب سير الأعمال وحركة العمل فالدستور وحده لا يكفينا ان يسطر في الورق ان لم يؤهل امثالك أهل كل اقليم من اقاليم السلطنة للانتفاع به حق الانتفاع ويسعى بالفعل لا بالقول لأن تتعادل الموازنة بين قوة الحاكم والمحكوم عليه.

كانت الحكومة السالفة السافلة أقوى من المحكوم عليهم بدرجات ولذلك كانت الأمة تئن كثيراً من عسف الخائنين والمتلاعبين من العمل فقم الآن وقيامك المحمود لتعديل كفتي الميزان بين الحكومة والأمة.

سعى أحد اسلافك المرحوم ضيا باشا شيخ الأحرار الأبرار في هذه الولاية منذ زهاء ثلاثين سنة لتعليم الأهلين بواسطة وكلائهم كأعضاء الادارة والبلدية مقاومة الحاكم لما فيه مصلحة وطنهم اعتقاداً منه ان البلاد لا ترتقي ان لم تكن قوة الحاكم والمحكومة عليه متكافئتين فكان أحسن الله مآبه يقول لأعضاء مجلس الإدارة تعلموا مناقضتي فيما ترون فيه نفع بلدكم فانا وكيل الحكومة اعمل لمصلحتها وأنتم وكلاء الأمة فأعلموا ما تقتضيه مصلحتكم ولكن كان أعضاء الإدارة ضعاف الإرادة والعقل لا يلبثون ان يسيروا وراءه ولو اخطأ واعتقدوا خطأه في الطريق الذي نهجه فيعود يلومهم على تهاونهم فلا يجيبونه الا بقولهم يامولانا انا اعتدنا ان لا نخالف رأي الحاكم ولو ارادنا على الشر فلا نستطيع المناقشة في حق ولا في باطل.

هكذا كان سلفك الصالح وهكذا كان الناس أيامه وأنت أدرى بهم كيف هم الآن فبادر اعانك الله وعلمنا كيف نحسن الانتفاع بالقانون ولا تأخذك رحمة في بتر العضو المؤوف منا لتستعيض عنه بأعضاء ينفعونك وينفعون هؤلاء السكان الذين ولتك دولة الأحرار شؤونهم في مثل هذه الأوقات.

نحن في حاجة ماسة إلى الاصلاح الإداري والاقتصادي والاجتماعي فاشرف على أمورنا اشراف من يهمه صلاح شأننا وكن لأبناء هذا القطر عوناً على ما يتلهفون على تحقيقه من الإصلاح تعود الولاية عليك باليمن والبركة وعلى من توليت زمامهم بالنماء والرفاهية في ظل دولة الحرية والاخاء والمساواة ايدها الله بالنصر والتمكين إلى يوم الدين.

المصدر
صحيفة المقتبس، العدد15، الصادر في 1 كانون الثاني 1909
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق