مقالات

د. عادل عبد السلام : آداب الطعام و قواعد المائدة الشركسية

 
 
 

د. عادل عبدالسلام (لاش) – التاريخ السوري المعاصر

تكرر ذكر الأطعمة وأنواعها ووجباتها عند قدماء الشركس في أكثر من مرجع لرحالة وزوار أوروبيين جابوا بلادهم أو أقاموا بينهم في القرن السادس عشر ومابعده، أغلبهم من الإنكليز أو الألمان والطليان. ولقد أحصى بعضهم أكثر من مائتي نوع من أطباق المأكولات والوجبات التي قدمت لهم على موائد أمراء شركس ونبلائهم في مناسبات مختلفة. دليل حضارة عريقة في تحضير الطعام والوجبات الشركسية، التي وإن لم يعدد الرحالة أسماءها..فإنني لا أشك في شمولها لبعض الأطباق الأجنبية التي عرفها المطبخ الشركسي نتيجة تثاقف حضارة الشركس مع حضارات أقوام اتصلوا بهم عبر تاريخهم الطويل…

وتتجلى معالم هذه الثقافة الشركسية في كثير من الجوانب، أبرزها آداب الطعام وعاداته، وأصول الجلوس إلى المائدة وقواعده الدقيقة والصارمة التي ما زال الالتزام بها ملموساً، على الرغم من التطورات العصرية والسلوكيات المختلفة التي فرضتها ظروف الحياة العصرية وطبيعتها، والتي تأثر بها شركس العالم إن في الوطن أو في بلدان التهجير. حيث أخذوا الكثير من الغير.. كما أعطوا العالم أشهر وجباتهم مثل (الشركسية أي الشبس والباستة المعدلة) المعروفة في مصرو أرجاء الإمبراطورية العثمانية منذ زمن دولة السلطنة الشركسية، ومثلها الفطائر الشركسية والجبنة الشركسية وغيرها. ويذكر إدموند سبنسر
Edmund Spencer, Esq 1837 Travels in Circassia, Krim Tartary, Etcetera

“أن الغذاء الشركسي يختلف عن مثيله التتري والعثماني والروسي، إذ يعتمد على لحوم الأغنام والماشية والماعز، والطيور،وعلى الدخن، وجريش القمح والفاكهة، حيث تعد وجبات المعجنات المتعددة والعسل سيدتي المطبخ الشركسي”.

ويذكر سنسر أنه لم تقدم له اية وجبة من السمك على الرغم من توفره في مياه ساحل البحر الأسود وأنهار بلادهم. كما يأكلون لحم كافة الطرائد ما عدا الخنازير(بعد إسلامهم).

كما تشكل الثمار والخضر، خاصة الملفوف والخيار، وكذلك الفواكه الطازجة مصدرا مهماً لغذائهم في مواسمها، كما يحفظون بعضها مملحة. ويعد العسل الشركسي من أجود الأنواع المعروفة وذي جودة عالية جداً وأهم مادة في المطبخ الشركسي.

ومن الألبان يحتل اللبن ومخفوقه(العيران) المكان الأول عند الشركس. أما الباخسمة ونظيرتها الشواتة (الفادة) وهما مشروبان روحيان غير مسكرين فهما أكثر شيوعا عند شراكسة الشرق. هذا ويحفل المطبخ الشركسي المعاصر بالكثير من الوجبات الأصيلة إضافة إلى بعض التعديلات والتطويرات، لكنه ما زال مطبخاً قليل الاهتمام بالخضار ومشتقاتها، إلا ما تسرب اليه من المطبخ التركي والشرقي في بلدان الشتات.

وهذه بعض أنواع الوجبات الشركسية الصرفة:
Щыпс пІаст, щыпс, щхыупІаст, хьабыкІущыпс, чэтщыпс, Іэпэщыпс, хьалыжъу, псырыжъохьалыжъу (хьалыжъожъый), зэтеушъопІукІ, къояжъ, мэтэкъуай, лъэтэкъояжъ,шэламэ…..
وتقدم الموائد وقواعد الجلوس إليها وأصوله لنا صورة جلية عن السلوكيات والأعراف والعادات الراقية والعملية التي يندر وجودها في أغلب المجتمعات المعروفة.
تناول الشركس طعامهم في الماضي القريب على موائد صغيرة تتسع لفرد أو لثلاثة أشخاص فقط. وهي موائد خشبية دائرية الترس وثلاثية الأرجل، مما يثبتها على الأرض من دون ميدان وترتفع أقل من متر عنها، محلية الصنع، كثيرون من شركس اليوم يقتنونها كتراث موروث. يُجلس إليها على مقاعد (كراسي) خشبية واطئة. فإن كانت الأسرة كبيرة ففيها أكثر من مائدة يجلس كل ثلاثة منهم الى واحدة.

ولدى الأسر الكبيرة المضيافة أعداد كبيرة لخدمة الضيوف. ويذكرني هذا بالمطاعم اليابانية وفنادقها التقليدية حيث كانت تقدم لنا الوجبات على موائد فردية توضع على أرض المطعم, وكان أول المطعمين من الشركس أرباب الأسر الكبار بالسن من الرجال يليهم الرجال ثم الصبية والفتيان. أما النساء وبالترتيب العمري نفسه فمكانهم في المطبخ (الواسع المساحة أصلاً) أو غرف النساء ومعهم الأطفال. ومؤاكلة الجنسين كانت مستحيلة، وظلت معمولاً بها حتى في المهاجر، وهي قاعدة شبه مندثرة أو في طريقها إلى الاندثار.

وأعرف شخصياً الكثيرين من الرجال الذين لم يجلسوا مع زوجاتهم وبناتهن بل وأبنائهم على مائدة طعام واحدة طوال حياتهم. ولا استبعد التزام البعض منهم بهذه القاعدة حتى يومنا هذا.

قد يتساءل المرء عن خلفيات هذه القاعدة، التي فسرها الكثيرون بالموروث التربوي والاجتماعي ذي الأرضية شبه العسكرية وإطاعة أوامر الكبير واحترامه اللامحدود في مجتمع صارم في أنظمته، ومهيئ لصد عدوان وتهديد أزلي لأقوام طامعة في أرضه ومواردها. والحديث عنها ليس هدفنا اليوم. حيث أركزهنا على آداب وقواعد الطعام والمائدة الشركسية، إذ أرى أن الحديث عنها (مهما كانت المناسبة: قرى- للضيف-، مأدبة –دعوة-، وليمة -للعرس، الوضيمة-المأتم-،الوكيرة-الفراغ من بناء البيت…)، يقدم أقرب صورة لما نقصد، وبما يتفق مع التطور من المائدة الشركسية الثلاثية الأرجل إلى المنضدة (الطاولة) الكبيرة العادية، أو عدة طاولات متلاصقات.

يدعى الضيوف وبقية الحضور للجلوس عادة إلى المائدة التي يتصدرها أكبر المدعوين سناً ومكانة. وينتظم الآخرون على صفين من المقاعد عن يمينه وعن يساره، كل حسب سنه ومكانته، الأكبر أقرب لكبير الحاضرين. فإن صدف جلوس أحدهم في مقعد خاطئ نبهه جاره فيغيرمكانه دون تردد أو اعتراض. وإن صدف وجود ضيف يكرم بمكان يليق به قريب من كبير القوم. وأثناء وضع الطعام من قبل فتية وشباب أصحاب الدعوة ورفاقهم، أمام الجميع يسود صمت أو كلام يكاد لا يسمع. بعدها ينتظر الجميع كلمة كبير المائدة والسماح للجمع ببدء تناول الطعام.

ومن المعيب جداً أن يمد أحد يده إلى الطعام أو تناول لقمة على سبيل التذوق أو (الفجعنة). وبعد إعلان صاحب الدعوة الواقف على خدمة الحضور الانتهاء من وضع الطعام يطلب من كبير الحاضرين السماح للبدء بتناوله. وقد يكون ذلك بكلمة قصيرة أو بجملة أوأكثر كأن يقول : ( Тхьэм и цIэкIэ тэублэ, гъаблэ мыхъункIэ тэлъаIо, Шъуеблагъ…). أي : باسم الرب نبدأ، وندعو ألا تعم المجاعة… تفضلوا..). فإن كان رجل دين أضاف بعض الآيات والأحاديث المناسبة للمقام. ومن المعيب أيضاً أن يبدأ أحد بالطعام قبل كبير القوم. ولا نعدم اليوم بعضاً من الثورجية؟؟؟ والمتمردين على العادات والتقاليد من غلمان لا يلتزمون بكل ما تقدم وبما سيأتي من قواعد وأصول حضارية متوارثة. ويلقي كبير القوم في نهاية الحفل كلمة تناسب المقام، لينفض الجمع.

ومن القواعد المتعارف عليها عدم الكلام والفم محشو بالطعام، وكذلك عدم رفع الأصوات، وعدم فتح الفم أثناء المضغ، وعدم إصدار أي أصوات مضغ أوقرقعة الصحن أو الملعقة وغيرها. فإن اقتضت الضرورة لقول ما، طلب صاحبه الإذن واقفاً من كبير المائدة. كما يحظر على أي كان مغادرة المائدة دون إذن مبرر يقبله كبير القوم.

وإن غادر وعاد لابد من السماح له رسمياً بالعودة. ومن المألوف في المناسبات السارة أن يلف أحد الشبان قطعة لحم أو غيره في الخبز تدعى (( ПастIэ Iап ويطلب (سراً… مكشوفا على الغالب؟) من أحد مشرفي الوليمة إيصالها إلى فتاة يهواها، يغض الحضور الطرف عنها ولا تعد مخالفة.

ومن القواعد الصارمة ضرورة التزام كبير الحاضرين بالتأني في طعامه والتلكؤ في إنهائه، حتى اللحظة التي ينتهي فيها آخر المدعوين من طعامه…. والسبب هو ما يتقضيه أدب المائدة الشركسية من عدم الاستمرار بالأكل إن انتهى رأس المائدة وتوقف عن تناول طعامه. إذ عليه التظاهر بتناول الطعام حتى ولو اكتفى منه. وما ينطبق على مائدة الرجال ينطبق على مائدة النساء المنفصلة…. وفي غرفة أخرى.

ومن متممات الأصول أن يغسل المدعو يديه قبل الطعام وبعده خاصة إن كانت الوجبة تؤكل بالأصابع، التي يتحرج الكثيرون من الجيل الجديد من تطبيقها، ويطلب الملعقة، وأعني بها الوجبة المركزية الشركسية (الشبس والباستة)، التي تفقد روحها ونكهتها و (بركتها) إن لم تؤكل بالأصابع (كما المنسف العربي). ومن عادات غسل اليدين والفم أن تقف فتاة قرب المغسلة تحمل منشفة يد (بشكير) قرب الضيف لتقدمه له، وهذا عليه مراعاة أن ينشف يديه وغيرها دون الضغط والمسح الشديد للبشرة، كيلا يعلق بالبشكير أي أثر من بقايا الدهون وغيرها مما لم يزلها الماء والصابون تماماً.

وفي تقديري أن أبرز قاعدة وأعمقها أثراً وتثقيفاً وتربوياً من بين عادات الشركس وآدابهم في حقل الطعام والمائدة، هي أن يتناول المدعو إلى وليمة أو أية دعوة يقدم فيها الطعام، يتناول في منزله وقبل الذهاب إليها، وجبة خفيفة من الطعام تقيه وصمه بالنهِم والبطِن والشرِه. والمثل القائل بـ (مظهرك يدخلك المجتمع، وبطنك يخرجك – محترماً – منه) –ترجمة بتصرف.

ومن لايعرف اللغة الشركسية قد لا يدرك أبعاد هذا المثل الذي يترجم هذه العادة التي نمي إلي أنها تعد من القواعد المعمول بها في المناسبات البروتوكولية في الدول الراقية… إنها حضارة ورقي وأخلاق مجتمع عمره آلاف السنين … اِعمَل يابني على إبقائها حية. وكثيرا ما تذكرت هذه القاعدة حين كنت أدعى إلى حفلات تقيمها سفارات أو مؤسسات رسمية في أي بلد عربي، حين كان وما زال المدعوون يتسا قطون على موائد الطعام كالجراد المنتشر، يملأون قصاعهم بضعف ما تتسع، ليزدردوا اللقمة و يسلخونها بنهم ووغل ليعيدوا الكرة وراء الكرة وكأن بهم سعار مزمن. سألت مرة أحدهم وهو من علية القوم عن سلوكه فأفحمني بجواب ” شعرة من ط.. الخنزير مكسب”.

إن الكثير من هذه القواعد والعادات الحميدة تعيش اليوم هزات متفاوتة الشدة من بلد مهجر إلى بلد آخر ومن الوطن الأم إلى بلدان التهجير، وفي مجتمعات تعيش ظروفاً اقتصادية واجتماعية ذات فروق بينة، ومن فئة تشعر بأهمية الحفاظ على أخلاقيات وايجابيات الثقافة الشركسية، إلى أخرى جاهلة بها، والمرء عدو مايجهل…. ومع ذلك ما زالت أسس وجذور الكثير من هذه العادات معمولاً بها بشكل أو بآخر….وتحاول تجاوز مخاض مساوئ أدواء العصرنة والتحديث.
عادل عبدالسلام (لاش)
دمشق 15-10-2018.

 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


 
 
 
سورية 1900 سورية 1901 سورية 1902 سورية 1903 سورية 1904
سورية 1905 سورية 1906 سورية 1907 سورية 1908 سورية 1909
سورية 1910 سورية 1911 سورية 1912 سورية 1913 سورية 1914
سورية 1915 سورية 1916 سورية 1917 سورية 1918 سورية 1919
سورية 1920 سورية 1921 سورية 1922 سورية 1923 سورية 1924
سورية 1925 سورية 1926 سورية 1927 سورية 1928 سورية 1929
سورية 1930 سورية 1931 سورية 1932 سورية 1933 سورية 1934
سورية 1935 سورية 1936 سورية 1937 سورية 1938 سورية 1939
سورية 1940 سورية 1941 سورية 1942 سورية 1943 سورية 1944
سورية 1945 سورية 1946 سورية 1947 سورية 1948 سورية 1949
سورية 1950 سورية 1951 سورية 1952 سورية 1953 سورية 1954
سورية 1955 سورية 1956 سورية 1957 سورية 1958 سورية 1959
سورية 1960 سورية 1961 سورية 1962 سورية 1963 سورية 1964
سورية 1965 سورية 1966 سورية 1967 سورية 1968 سورية 1969
سورية 1970 سورية 1971 سورية 1972 سورية 1973 سورية 1974
سورية 1975 سورية 1976 سورية 1977 سورية 1978 سورية 1979
سورية 1980 سورية 1981 سورية 1982 سورية 1983 سورية 1984
سورية 1985 سورية 1986 سورية 1987 سورية 1988 سورية 1989
سورية 1990 سورية 1991 سورية 1992 سورية 1993 سورية 1994
سورية 1995 سورية 1996 سورية 1997 سورية 1998 سورية 1999
سورية2000

عادل عبد السلام

الدكتور عادل عبدالسلام لاش من أبناء قرية مرج السلطان، من مواليد عسال الورد عام 1933. يحمل دكتوراه في العلوم الجغرافية الطبيعية من جامعة برلين الحرة. وهو أستاذ في جامعة دمشق منذ عام 1965. له 32 كتاباً منشوراً و10 أمليات جامعية مطبوعة، بالإضافة إلى أكثر من 150 مقالة وبحث علمي.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي