من الصحافة

المهندسون اليهود بناة دمشق بين الواقع والذاكرة

وديع عواودة

  •   
  •   
  •   

تقول دراسة إسرائيلية تاريخية أن صورة جمال باشا والي بلاد الشام والحجاز في نهاية الدولة العثمانية مختلفة عن الواقع مثلما أن علاقته مع اليهود والحركة الصهيونية تختلف صورتها بالذاكرة عن واقعها الحقيقي.

وتحت عنوان «الصهاينة الذين بنوا دمشق» يوضح عمري إيلات مؤرخ إسرائيلي وباحث في جامعة تل أبيب أن الوالي العثماني استعان بمهنيين وخبراء يهود ضمن مشاريع البنى التحتية وأعمال البناء والتطوير في دمشق وخارجها للإفادة من خبراتهم وفي إطار محاولته إضعاف الحركة القومية العربية الصاعدة وقتها. موضحا أن النخب الصهيونية تجندت خلال الحرب العالمية الأولى لمساعدة الدولة العثمانية وضد الإنكليز من خلال مهندسين، مخططين، أطباء وخبراء بالزراعة.

ويستذكر الباحث مذكرات جمال باشا قيامه بأعمال بناء مؤسسات ثقافية في دمشق، القدس، بيروت وحلب وغيرها. منوها أن الجادة المركزية في دمشق تم شقها تحت رقابة مهندس يهودي يدعى غدالياهو فيلبوشيتس الذي أدار الوحدة البلدية لجمالية المدينة وقبيل الحرب العالمية الأولى تم تعيينه مهندس البلدية. ويزعم المؤرخ أن علاقات الدولة العثمانية مع المشروع الصهيوني لم ترو كما يجب في التاريخ الحديث للمنطقة، وأنها تساهم في فهم الواقع المركب لدولة ذات طابع استعماري.

ويشير أنه علاوة على المساهمات والمكاسب المهنية فإن تجنيد الخبراء اليهود من قبل جمال باشا استهدف إبعاد النخب المهنية والحرفية العربية عن محاور القوة في دمشق، بغية تثبيت نظام حكمه. ويدعي المؤرخ أن الأبعاد المدنية للحكم العثماني في المناطق العربية قد شطبت في الكتابة التاريخية بعد الحرب العالمية وليس صدفة. 

ويقول إن من أسباب ذلك رغبة مصممي الهويات القومية محو الماضي العثماني للشرق الأوسط ووصف الدول القومية الوليدة في مطلع القرن العشرين كبداية للحداثة. ولذلك تم طمس مساعي العثمانيين في مجال البنى التحتية، المواصلات وتخطيط المدن وغيرها. وعلى خلفية ذلك يتم تصوير جمال باشا في المنطقة كحاكم سفاح متعطش للدماء فقط. وسبب آخر في رأيه لتجاهل المشاريع العثمانية المذكورة يرتبط بالإفتراض الخاطئ أن الدولة العثمانية لم تر مشاريع طويلة الأمد في هذه الفترة لأن ساستها أدركوا أن «الرجل المريض» يقترب من نهايته.

وتستذكر الدراسة أن جمال باشا قد عين في 1914 حاكما عسكريا لسوريا الكبرى والحجاز إضافة لمنصبه كقائد الجيش الرابع. وتتابع «مع ذلك شمل حكم جمال باشا أبعادا مدنية واضحة وكانت مهمته الأساسية بناء نظام حكم مركزي يقوم على ما بدا له كعلمي وعقلاني. وقد رأى جمال باشا في الحرب العالمية فرصة للقيام بإصلاحات وأنظمة مدنية كانت ضرورية منذ البداية». ويضيف «في الوقت نفسه كان جمال باشا يبحث أيضا عن إضعاف كل الجهات الأساسية التي اتسم عملها بالكيدية ضد الدولة العثمانية: الاستعمار الأوروبي والحركات الوطنية المحلية التي واظب على ملاحقة رموزها وإعدامهم أو نفيهم». على هذه الخلفية تم استبعاد النخب العربية من دمشق وبلديتها بهذه الفترة ويقول إيلات إنه تم للمرة الأولى تعيين عدد كبير من الخبراء غير العرب ومنهم ضباط أتراك بالأصل أو رعايا ألمان ونمساويين وخبراء يهود وصهاينة.

وتدعي الدراسة أن مهندسين يهودا عملوا في دمشق إلى جانب مهندسين عرب وأجانب قاموا بأعمال تخطيط وبناء في دمشق في هذه الفترة. ويتساءل ما هي أسباب اعتماد جمال باشا المعروف بمعاداته للمشروع الصهيوني على خبراء يهود فيقول إن ذلك يدلل على رؤيته المركبة للموضوع. ويقول إنه اعتبر الصهيونية ظاهرة غير مرغوب بها شكلت تهديدا ومشكلة قومية بالنسبة للحكم العثماني. لكن في المقابل حظي تأثيرها على الاقتصاد المحلي بمباركة جمال باشا لافتا أن هذا يتطابق مع موقف الباب العالي في اسطنبول أيضا بمطلع القرن العشرين.

ويقول إيلات إن بناء معهد العلوم التطبيقية «التخنيون» في حيفا بتلك الفترة حظي بدعم الحكم العثماني وهكذا صناعات «عتيد» في المدينة. وينبه أنه رغم قيام جمال باشا طرد الكثير من القيادات الصهيونية وقتها فإنه قام بتقريب مهندسين ومخططي مدن وخبراء زراعيين يهود ودمجهم في نظام الحكم العثماني. ومن هؤلاء الياهو كراوزا الذي وضع دراسة بيئية في النقب وأسس المدرسة الزراعية «تانئيل» بجوار بعلبك بناء على طلب من جمال باشا.

أما المهندسان باروخ كاتينكا ويعقوب موشلي فقد عملا بإدارة فنية في سكة الحديد الحجازية ومعهما عمل موظفون يهود كثر. ويشير إيلات أن هؤلاء الخبراء اليهود كتبوا في مذكراتهم عن النظرة المركبة لجمال باشا للمشروع الصهيوني وأبرزوا احترامه لأصحاب الحرف والكفاءات.

ويشير الباحث إلى أن قادة الدولة العثمانية في اسطنبول قد اعتقدوا خلال الحرب العالمية الأولى أن عمر دولتهم وحكمهم في منطقة الشرق الأوسط طويل ما دفعهم لتطوير دمشق وغيرها. كذلك يدعي أن قادة اليهود وقتها قد اعتقدوا بذات الاعتقاد ما يفسر تعاونهم مع الحكم العثماني في أعمال البناء والتطوير. ويتابع «فيلبوشيتس ذاته واصل أعماله والياهو التزم كمهندس بلدية دمشق بالاستمرار في العمل بعد نهاية الحرب».

ويخلص للقول إن الادعاء أن الدولة العثمانية ترد في الذاكرة الصهيونية بشكل غير منصف تنتشر تدريجيا في السنوات الأخيرة. ويرى أن قصة النخب اليهودية الحرفية في فترة الحرب العالمية الأولى مختلفة بالواقع عنها في الذاكرة التاريخية.

المصدر
وديع عواودة، القدس العربي، 30 آذار 2016
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق