من الصحافة

فخري البارودي ومشروع الفرنك

فؤاد مفرج

  •   
  •   
  •   

منذ سنوات أعلن السيد فخري البارودي، نائب دمشق اليوم، مشروعاً قام به على عهدته أطلق عليه تسمية “مشروع الفرنك” وعرف في أوساط الشعب السوري باسم “مشروع البارودي”.
المعروف في العالم المتمدن أنّ المشاريع على نوعين: خاص وعام. أما الخاص فمتعلق بصاحبه، وأما العام فمتعلق بالشعب أو الأمة. ولما كان مشروع البارودي مشروعاً عاماً، لأنه ليس عملاً خاصاً يقوم به السيد فخري البارودي من ماله الخاص، فقد وجب أن نبحثه هنا تنويراً للأمة.
والمعروف أيضاً أن المشاريع العامة هي مصالح تتقدم بها مؤسسات ذات نظام ومسؤولية كالحكومة أو كمنظمة أخرى، حزباً أو غيره، واضحة الغاية والمبادىء والبرامج. فحفر أقنية للري في بقعة معينة هو مشروع يقتضي وصف البقعة وإمكانياتها الزراعية والتجارية وأكلاف ريّها ومصادر المال المنفق في هذا السبيل، ولمن يعود الرأسمال والربح وبأية طريقة. هذا مثلاً، مشروع. ولكن لم يسمع قط في العالم المتمدن أنّ جمع المال بطريقة معينة يُعَدُّ مشروعاً.
الحقيقة أنّ السيد فخري البارودي قد أوجد هذا الابتكار في المصطلحات الفنية الحديثة وعدّ جمع المال بطريقة تعريفة الخمسة غروش مشروعاً.
وكان لا بد لهذا المشروع من مبرّر تجاه الرأي العام. فوجد هذا المبرر في مشروع “المكتب العربي للدعاية والنشر” الذي استنار في تصنيفه متدرباً في ترتيب الأعمال المكتبية هو السيد فؤاد خليل مفرج.
التحق السيد فؤاد مفرج بالسيد فخري البارودي لاستثمار مشروع الفرنك. وتم الاتفاق بينه وبين مؤسس هذا المشروع المالي على إنشاء “المكتب العربي للدعاية والنشر” على أن تكون هيئته الأساسية مؤلفة من السيد البارودي رئيساً والسيد مفرج أميناً عاماً للسر وعلى أن يكون إنشاؤه “خدمة لقضية العرب العامة”. ووُضِع لهذا المكتب ما سمي “النظام الأساسي”.
يتضح من مراجعة هذا النظام الأساسي “للمكتب العربي للدعاية والنشر” أنّ هيئة المكتب الموقرة تقيم نفسها مقام القيّم على “القضية العربية” الذي سيتولى السير بها على هوى فهمه وكيفه. فليس المكتب مقيداً بالسير على مبادىء حزب معين ذي قضية واضحة، وليس مكلفاً بالتقيد بمصالح دولة أو أمة معينة من دول وأمم العالم العربي، وليس مسؤولاً تجاه منظمة قومية.
وهذا المكتب الخطير الشأن لا يقتصر على ما يدل عليه ظاهره من الدعاوة والنشر وفاقاً لبرنامج مقيد بدولة أو بمنظمة قومية، كما كان يجب أن يكون، ليكون لهذا المكتب أية قيمة حقيقية، بل هو يقوم مقام الدولة أو، على الأقل، مقام منظمة قومية بكاملها. فهو سيتعهد، عدا عن إذاعة المعلومات وحفظ النشرات، “تهذيب الفلاحين وتدريبهم على الأعمال الحديثة وترقية حالتهم الاجتماعية والزراعية، وتعهّد القرى بإرسال بعثات تهذيبية من خيرة شباننا المتعلمين” (النظام الأساسي).
وكذلك يتعهد هذا المكتب “السعي بكل جهد لتحضير البدو ونشر الثقافة والعلم بين أفرادهم بتأسيس مدارس رحّالة حتى تتمكن من تحضيرهم تدريجاً” (النظام الأساسي).
وفي المنهاج المفصّل أو نظام العمل “للمكتب العربي للدعاية والنشر” أنّ هذا المكتب يسعى لعقد مؤتمرات قومية واقتصادية كلما سنحت له الفرصة والحاجة.
“ولا يقوم المكتب بدعاية لحزب أو لشخص معينين، بل هو لخدمة البلاد العربية فقط” (والمعنى من خدمة قضية البلاد العربية فقط يبقى في ضمير السيدين فخري البارودي وفؤاد مفرج).
وينشىء المكتب مكتبين فرعيين في لندن وباريس للقيام بأعمال كثيرة، منها “الدفاع عن البلاد (أية بلاد؟) في كل ساعة بردّ مفتريات المفترين لإفهام الرأي العام الإنكليزي والإفرنسي حقيقة قضيتنا”.
“تجمع الأموال باسم المكتب العربي للدعاية والنشر وتُصرَف بمعرفة الرئيس وأمين السر العام، وتدقق اللجنة المالية في المكتب الحسابات في نهاية كل عام” (النظام الأساسي).
فترى مما تقدم أنّ مشاريع “المكتب العربي للدعاية والنشر”، الذي هو مكتب السيدين فخري البارودي وفؤاد مفرج، مشاريع واسعة المدى تتناول العالم العربي كله. فما لا يُنفق من المال على تحضير القبائل العربية يُنفق على مكتب لندن أو مكتب باريس، وما لا يستنفده مشروع المؤتمرات الاقتصادية يذهب “لخدمة قضية البلاد العربية فقط”.
ولا تريد هيئة هذا المكتب الموقرة أن تخدم حزباً معيناً يُخضعها لنظامه ودستوره ومبادئه. فهي تفضل أن تبقى حرة تصرف الأموال بمعرفتها وتدقق اللجنة المالية التي تعيّنها هذه الهيئة الموقرة عينها الحسابات في نهاية كل عام.
وتتصدى هذه الهيئة الموقرة لتحديد “القضية العربية” كما تريد هي ولخدمة هذه القضية التي تعيّنها هي الخدمة التي ترتئيها هي.
إنّ أمة تحترم نفسها لا تُقبِل على المشاريع الشخصية التي ينتحل القائمون بها صفات ليست لهم.
ولمّا كان قد جُمع حتى الآن مبالغ لا يستهان بها باسم “مشروع البارودي” أو باسم “المكتب العربي للدعاية والنشر”، ولمّا كان المنتظر أن تُبذل المساعي لجمع الفرنكات على قياس واسع، فيحسن بنا بعد أن بيّنا حقيقة “المكتب العربي للدعاية والنشر” أن نبيّن حقيقة هيئته الموقرة.
فخري البارودي
من عائلة إقطاعية قديمة، دخل الحركة “الوطنية” واندفع فيها. علمه قليل ويعرف كيف يستميل العامة. وله مواهب عملية ولكن توجيهها غير صحيح. ولا يخضع لنظام. له بعض المواقف الوطنية، ولكنه غير مؤهل لفهم حياة الأمم والجماعات وعلاقاتها أو لفهم الدولة ونظامها وحاجاتها.
فؤاد مفرج
تخرّج من الجامعة الأميركانية في علم السياسة. وظن أنّ علم السياسة يخرّجه سياسياً خطيراً. وظن أنّ أفضل أسلوب سياسي للنجاح هو التلاعب بالمصطلحات السياسية وإيجاد المبررات للتقلب. إبتدأ أعماله بمقالات نشرها وهو طالب بعد في البيرق والبرق وفيها روح طائفية. واندمج في عدة جمعيات وتظاهر بلبس الطربوش ولبس السدارة العراقية. وفي الوقت الذي كان يشتغل مع فخري البارودي في تأسيس “المكتب العربي للدعاية والنشر” على أساس مشروع الفرنك، كان يقسم يمين الإخلاص للحزب السوري القومي ولزعيمه، ودلائل هذا الشخص وتصرفاته تشير إلى نزعته الاستغلالية المتسترة بستار المصطلحات السياسية التي حفظها في دراسته. وقد طرده الحزب السوري القومي من وسطه لظهور تلاعبه، وعدم أمانته لمبادىء الحزب ونظامه.

المصدر
النهضة، بيروت، العدد 23 الصادر في 09 تشرين الثاني 1937
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق