قراءة في كتاب

مِن دمشق إلى حيفا 300 يوم في إسرائيل.. كتاب لـ خيري الذهبي

مصطفى عباس

  •   
  •   
  •   

 “نحن لن نعاقبك هنا في إسرائيل، ولكنهم حكامك ورؤساءك من سيحاكمونك ويعاقبونك بالنيابة عنا.. ستعاني كثيراً إن ظللت معادياً للإسرائيليين، وستعاني ليس من إسرائيل، بل من حكامك في سوريا” هذا مقتطف مما قاله الجنرال الإسرائيلي المسمى نهاري للروائي خيري الذهبي، أثناء أسر الأخير في الدولة العبرية بعد اندلاع حرب تشرين عام 73 من القرن الماضي، ويستطيع هذا المقتطف أن يفسر المهمة السرية الموكلة لنظام الأسد الأب والابن. جاءت هذه الشهادة ضمن كتاب اسمه “من دمشق إلى حيفا.. 300 يوم في الأسر الإسرائيلي” وفاز الكتاب مؤخراً بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلات عن فئة اليوميات، وصدر عن منشورات المتوسط.

رغم النكسة يحتفلون

عبر يومياته التي تحوي الكثير من سيرته الذاتية في سوريا وفلسطين – أثناء الأسر- يوصف الكاتب الموسوعي الواقع السوري منذ سيطرة حزب البعث على سوريا، وما حل بسوريا من خراب ودمار، فبعد أن ذهب إلى مصر في ستينيات القرن الماضي ليدرس السينما هناك، وبالفعل بدأ الدراسة غير أن مدير معهد السينما جمع خيري مع غيره من الطلاب العرب ليخبرهم أنه لا مكان للطلاب الشرقيين في المعهد، رغم ما كان نظام جمال عبد الناصر يدعيه حينها من القومية العربية، وضرورة الوحدة، ليسافر الذهبي بعد ذلك إلى فرنسا التي لم يطل مكوثه بها، حيث عاد إلى مصر ليدرس الأدب العربي، ويعود بعدها إلى سوريا، عقب نكسة حزيران التي سلم حافظ الأسد فيها الجولان لإسرائيل كعربون لاستلامه السلطة مستقبلاً وبقائه فيها حتى الممات، فضلاً عن توريثها، حيث استقبلت دمشق الذهبي بلافتات كتب عليها “خسأ العدو حين اعتقد أن سوريا قد هزمت حين سرقوا الجولان منها، ناسياً أن حلمه الكبير في هزيمة الثورة لم يتحقق، فثورة البعث باقية وإلى الأبد” هذه اللافتة كانت تثير الكآبة لدى الكاتب، فرغم الهزيمة النكراء في حزيران إلا أن البعثيين كانوا يحتفلون لأنهم ما زالوا ممسكين بالسلطة!

البعث والمخبرون

بعد ذلك لجأ الذهبي للتدريس، وليكون شاهداً على ضياع الحلم العربي على يد حزب البعث الذي كان يعمد إلى وضع البعثيين مضموني الولاء بمعزل عن إمكاناتهم في مواقع المسؤولية، ومنهم مدير المدرسة التي أممها البعث وغير اسمها إلى المنصور بعد أن كان اسمها فانسانت، فالمدير كان عامياً، “ولكن اختيار أغلب البعثيين للمناصب القيادية يوجب عليهم أن يكونوا من كتاب التقارير بزملائهم، ومن أعضاء الحزب الموثوقين”.

ويحكي الكاتب أثناء تدريسه للغة العربية فيها عن طالب يهودي يدعى إبراهيم يضطهده الطلاب فقط لكونه يهودياً، ولكن الأستاذ كان دائماً مدافعاً عنه. وعندما تعرض الذهبي للأسر وجده يعمل في الجيش الإسرائيلي، ورغم أن إبراهيم تنكر لأستاذه، إلا أن الذهبي برر له سلوكه بطريقة أو بأخرى، حيث يطرح في كتابه مسألة غاية في الأهمية وهي الاضطهاد الذي تعرض له اليهود السوريون نتيجة التجييش الذي كان يمارسه إعلام البعث، دون التمييز بين اليهود والصهاينة، وهو ما اضطر اليهود السوريين في نهاية المطاف للالتحاق بالدولة العبرية.

الحسكة ملاذ الفارين

انتقل الذهبي إلى الحسكة كي يدرس في مدراسها، وهنا يوضح كثيرا من مزايا الحسكة المدينة المتواضعة في كل شيء، فلم تكن حينها مدينة ذات هوية، “كانت مدينة لمهاجرين مذعورين من القتل والقتلة الذين طردوهم من مرابع طفولتهم وقبور أهاليهم، فنجوا، وما صدقوا أن نجوا من القتل والاغتصاب وقتل أطفالهم أمام أعين والديهم، فصنعوا بيوتاً ناقصة من كل شيء إلا للخائفين من المطاردة والمطاردين، بنوا بيوتاً تحس أن بناتها جعلوها مؤقتة في انتظار العودة إلى المرابع التي ألفوها، والوطن الذي غادروه شمالاً”.

السريان الفارون من بطش الأتراك استصلحوا كثيرا من الأراضي في الحسكة عن طريق تطوير الزراعة وإدخال الآلات إليها، وبالتالي استطاعوا زراعة آلاف الدونمات من الأراضي التي كانت متروكة لمئات السنين، وهنا بدأ الذهبي بإصدار كتاب عنونه “بين تجربة التصنيع الزراعي في شمال سوريا والكيبوتز الإسرائيلي في فلسطين” مرفقا بالصور، والكيبوتز هو تجمع سكني تعاوني تضم جماعة من المزارعين أو العمال اليهود الذين يعيشـون ويعملون سـوياً، وقد عمدت إسرائيل إلى تعميم هذه التجربة في الأراضي المحتلة عن طريق مصادرة الأراضي الزراعية واستصلاح أراضٍ جديدة وإعطائها لليهود كي يعملوا بها ويتعلقوا بالأرض، وما ذلك إلا ليتجنبوا مصير الصليبيين الذين بعد أن هزموا خرجوا من فلسطين، والفرنسيين في الجزائر، كونهم لم يكونوا متعلقين بالأرض وزراعتها.

الإصلاح الزراعي!
دار النشر في بيروت لم تنشر الكتاب بسبب ضغوط على الناشر لم يستطع التصدي لها، وأعادته إلى سوريا حيث لم يتم إيصاله للكاتب. ويتكلم الكتاب عن تجربة أصفري ومعمار باشي ونجار الذين استطاعوا إنشاء التصنيع الزراعي في تلك الأراضي الخصبة، إلا أن البعث وقانونه في الإصلاح الزراعي كان من نتيجته هروب المصنعين مع أموالهم إلى خارج سوريا، وهذا الهروب سمح لمن بقي في تلك الأراضي من غير الجادين في التصنيع الزراعي بالعمل في الزراعة، وهم مغامرون كانوا لا يبتغون سوى الربح السريع، والتهرب من دفع مستحقاتهم للمصرف الزراعي الذي أسسته الدولة. وطبقة الملاك الجدد أصبحت صديقة لحزب البعث الحاكم، “وبهذا أخذ الموسم في التراجع رغم المواسم الطيبة، وبدأت سوريا في ظل البعث والتأميم بالتراجع عن الدولة الزراعية الأولى في الشرق الأوسط، وعن الدولة المتميزة في الصناعة النسيجية إلى الدولة الأولى في تطفيش أصحاب الرساميل”.

تزوير النتائج إرضاءً للبعث

وأثناء انتدابه لتصحيح أوراق الامتحانات العامة في مدينة حلب كانت نسبة النجاح ثلاثين بالمئة، فانزعج وزير التربية البعثي، واتهم المصححين بالعداء للثورة، لأن عليهم أن يرفعوا نسبة النجاح حتى ولو بالتزوير كي لا يقال “إن التعليم في زمن الثورة انحط وتراجع بدليل نسبة النجاح المتدنية، كما قررتم في تصحيحاتكم”، وبالفعل رفع الوزير نسبة النجاح إلى ستة وستين بالمئة أي بزيادة واحد بالمئة عن السنة التي سبقت الثورة! هذا الوزير الذي كان لا يهمه إلا تشويه الحقائق بدعوى تقوية البعث في زمن صلاح جديد، عندما استولى حافظ الأسد على السلطة سجنه، ولم يخرجه من السجن إلا بعد إصابته بمرض خطير لا يرجى برؤه.

بعد ذلك التحق الذهبي بالخدمة العسكرية وفيها اكتشف سوريا التي لم يكن يعرفها، فرغم أن البعث يدعي أنه ما جاء إلا لنصرة أبناء الريف المظلومين، إلا أن أغلب المظلومين بقوا مظلومين، “فالحاكمون بالانقلاب العسكري لا يملكون من فكر سياسي سوى تحصيل الضرائب الموروثة من المماليك العسكريين دون فكر على الإطلاق”. واكتشف الظلم الحقيقي فالأعلى رتبة سينحني للأقل منه رتبة طالما أن الأخير من جماعة السلطة الحاكمة.

في السجون الإسرائيلية 

ولإتقان الذهبي اللغة الفرنسية والإنكليزية تم اختياره كضابط ارتباط مع قوات الفصل الدولية في الجولان، وعند اندلاع حرب تشرين تم اعتقاله من الإسرائيليين الذين احتلوا المنطقة المنزوعة السلاح، وبقي في السجون الإسرائيلية عشرة أشهر بالقرب من مدينة حيفا،” مهوى أفئدة السوريين سابقاً، حيث كان على من يرغب من الدمشقيين والسوريين عموماً عيش الحياة الصاخبة والحرة الذهاب إلى حيفا” حيث تم اتهامه بأنه ضابط مخابرات، ولكنه لم يكن يفعل سوى ما يمليه عليه واجبه الوطني، ويروي الكاتب الكثير من القصص أثناء الاعتقال، منها الشيخ الذي أتت به إدارة السجن لتعليم المساجين أمور دينهم، ولكنه كان عميلاً للاحتلال يحرف النصوص الدينية لمصلحة إسرائيل. ويروي الكاتب الكثير من القصص مما كان يجري معهم بين جدران الزنزانة خلال يوميات الاعتقال، فضلاً عن الضغط الذي مورس عليه بشكل أو بآخر لتجنيده كي يكون رسول سلام حسبما قال البروفيسور غيدو الذي التقاه في السجن ” فحاولت التنصل من مهمة لن تسمى بأقل من الخيانة”. بعد عشرة أشهر تم إطلاق سراحه خلال صفقة تبادل أسرى.

المفكر والروائي المخضرم خيري الذهبي في رصيده نحو 13 رواية وعشرات الكتب والدراسات، ومثلها من المسلسلات الإذاعية والدرامية، ورغم انحيازه التام والمطلق لثورة الشعب السوري، إلا أنه لم يأخذ حقه في الاهتمام من الثورة وجمهورها.

المصدر
تلفزيون سورية - مِن دمشق إلى حيفا 300 يوم في إسرائيل.. كتاب لـ خيري الذهبي
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق