مقالات

التواجد العسكري الألماني في الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى

محمد العوض

  •   
  •   
  •   

بعد حالة التخبط العسكرية التي أعقبت الانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني عام 1909 إلى عام 1913 من هزائم عسكرية وحالة في البحث عن الهوية العقائدية العسكرية أيقنت جميع النخب العسكرية تجذّر المدرسة الألمانية في الروح العثمانية، واستحالة الانفصال والاستغناء عنها. في عام 1913 أخبر الصدر الأعظم محمود شوكت باشا وهو قائد جيش الحركة الذي أسقط السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش وأشهر الاتحاديين السفير الألماني أنه أصبح مستحيلاً أن يُستغني عن المدرسة العسكرية الألمانية التي تجذّرت بالجيش العثماني.

كما ذكر أحمد جمال باشا أحد أشهر الاتحاديين في يومياته استحالة الاستغناء عن المدرسة الألمانية التي يتبنى جميع أفكارها وعقائدها. وفي منتصف عام 1909 طلب أحد أشهر العسكريين والمتأثرين بالمدرسة الألمانية عزت باشا من الحكومة استدعاء فون دير جولتس سريعا للإشراف على القوات العثمانية. هذه الرؤية دفعت النخب العسكرية وعلى رأسها الصدر الأعظم العسكري الشهير محمود باشا بطلب رسمي إلى ألمانيا بإرسال بعثة عسكرية كبيرة تقوم بإعادة تأهيل الجيش العثماني. وبالفعل وصلت بعثة بقيادة اوتو ليمان فون ساندرز (1855- 1929) أواخر 1913 بعد أن تم الاتفاق على عددها وصلاحياتها. كانت صلاحيات البعثة واسعة جداً وكادت أن تُشعل حربا عالمية عرفت بالتاريخ بأزمة ليمان ساندرز بعد أن أنيطت إليه أيضا رئاسة أركان الجيش العثماني الأول المتواجد في اسطنبول والمسيطر على المضايق. كانت هذه البعثة تختلف عن سابقاتها حيث كانت عملية أكثر، فأنيطت لجميع أعضائها التي كانت 42 شخصية عسكرية بارزة، قيادة الجيوش والفيالق العثمانية والإشراف على جميع المرافق والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية العسكرية، والتسليح.
لاحقا تم استدعاء المزيد حسب طلب رئيس البعثة ليمان باشا الذي أصبح المفتش العام على جميع الجيوش العثمانية. وصل العدد إلى 70 في أوائل عام 1914. قبيل اشتعال الحرب العالمية الأولى انضمت السفينتان غوبن وبريسلو إلى القوات البحرية العثمانية وارتدى جميع طواقمها التي تقارب 1500 جندي الطرابيش العثمانية. ليصل العدد عند انضمام الدولة العثمانية في الحرب إلى قرابة 2000 جندي ألماني داخل الجيوش العثمانية أغلبها كانت قوات بحرية.
بدأت الحرب وخلال معارك الدردنيل عززت ألمانيا حليفتها العثمانية بالكثير من المستشارين والعسكريين والأسلحة والذخائر على رأسهم جوهانز مارتن الذي عين قائدا عاما لتحصينات الدردنيل، فون اسيدوم الذي عين قائدا للقوات البحرية العثمانية ومفتشا عاما للمضايق. كما تم إرسال الرائد ايرك سيرنو لإعادة هيكلة سلاح الجو العثماني، وتم دعمه بطائرات برية وبحرية وصلت عن طريق التهريب، فتم تشكيل سرب طيران واحد في الدردنيل معظم طاقمه من الألمان أشهرهم هانز بوديخ. كما شُكل سرب الطيران الثاني وأرسل إلى العراق لدعم الجيش السادس الذي يقوده العسكري الشهير فون دير غولتس ومن أشهر طيّاريه شولتز، وكيتبيل، فون اولوخ.

أرسلت أيضا بعض التعزيزات البحرية والمدافع لتحصين المضايق، وبدأت تصل الغواصات الألمانية التي وصل عددها إلى ما يقارب 17 غواصة نهاية الحرب، جميع هذه الغواصات قاتلت بضراوة لمساندة العثمانيين ومنها ما سقط وقتل من فيها مثل UB-46 وقائدها قيصر باور. من أشهر قائدي الغواصات الذين لهم انجازات عظيمة، أدولف هيمبورغ، اوتو هيرسينغ، والأشهر ماكس فالنتير. تغلغل الألمان في جميع المناصب العسكرية داخل جسد المؤسسات الحربية، ابتداء من الوزارة التي يرأسها أشد المعجبين بالمدرسة الألمانية أنور باشا إلى المصانع والمدارس وعلى أرض المعارك في قيادة القوات على الأرض. كان نوع الجنود الذين ينضمون لصفوف القوات العثمانية نوعين عند اشتعال الحرب، النوع الأول هم ضباط بشكل كامل بصفوف القوات العثمانية ولا يتقاضون أي رواتب أو أوامر من ألمانيا، إنما ارتباطهم عثماني بشكل كامل لكن رواتبهم تحسب بشكل أكبر من نظرائهم العثمانيين كما يتم ترفيعهم رتبة عند الانضمام. بمعنى إذا انضم ملازم أول من الجيش الألماني تصبح رتبته نقيب بالجيش العثماني. وصل عدد هؤلاء عند نهاية الحرب لقرابة 800 ضابط وهم أفراد البعثة العسكرية وجميعهم رتب عالية وتولوا مناصب قيادية.
النوع الثاني هم جنود انضموا بصفوف القوات العثمانية بشكل جزئي وكانوا تحت قيادة عثمانية، تكفلت ألمانيا بمعظم رواتبهم وتسليحهم، أغلبهم فرق مشاة ومدفعية وأسراب طيران انتقلت بشكل كامل بسلاحها وقيادتها من ألمانيا. وصل عدد هؤلاء إلى 16 ألف جندي فيما رجح بعض المؤرخين أن عددهم وصل لعشرين ألف جندي.
مع انهيار جبهة صربيا مطلع عام 1916 واحتلالها من قبل النمسا، أصبحت جميع دول المركز (ألمانيا، النمسا، بلغاريا، الدولة العثمانية) متصلة بريا ببعضها البعض مما سمح بإرسال تعزيزات ضخمة وواسعة من ألمانيا إلى الدولة العثمانية.
في مارس 1916 أرسلت بعثة ومساعدات عسكرية ضخمة عرفت بالتاريخ باسم «بعثة باشا».
ضمت هذه البعثة قرابة 10 آلاف جندي، من بينهم سرب طيران كامل FA 300 الذي يحوي 14 طائرة من نوع رومبلر، وكتيبة المشاة 701 التي تحوي أيضا مفرزة هندسة، ومفرزة أسلحة رشاشة. سرب فرسان، قسم طبي، قسم اتصالات، قسم مسح طوبوغرافي. تم نقلها بالقطار مباشرة من برلين إلى اسطنبول. كان هدف هذه البعثة بشكل أساسي دعم الجيش الرابع الذي يقوده جمال باشا في حملته على قناة السويس.
في عام 1917 ومع انهيار جبهة العراق واحتلال بغداد تم إعداد وتجهيز جيش عثماني ضخم «مكون من عدة جيوش» لمحاولة استعادة بغداد عرف بالتاريخ بجيش يلدرم. عززت ألمانيا الدولة العثمانية بمساعدات عسكرية ضخمة حيث أرسلت بعثة ثانية عرفت بالتاريخ باسم «بعثة باشا 2» التي تتكون من:
فوج المشاة 146، كتيبة المشاة 702، كتيبة المشاة 703، أسراب الطيران: 301،302،303،304 البافاري،305، وعززت لاحقا بسرب طيران 55. انضمت جميع قوات بعثة باشا 1 إلى هذه البعثة وعَرفت باسم فيلق آسيا تحت إمرة فرانكنبرغ، وبالتاريخ العثماني باسم الجناح الأيسر. لكن تغيرت الخطة وأرسلت جميع القوات إلى فلسطين بسبب احتلال غزة والقدس. دارت أشد معارك الحرب العالمية الأولى على ثرى فلسطين وقاتل العثمانيون الجيوش البريطانية التي تفوقها بروح وفدائية عالية.
من أشهر من شارك بمعارك فلسطين وزير الحربية الألماني السابق الذي تولى جبهة فلسطين والجيوش العثمانية بنفسه المشير فالكنهاين، ليمان باشا قائدا لعموم الجيوش خلفا لفلكنهاين، اوتو هرتمان، ارنست تيلر من أبطال معارك غزة، هانز جوهر، فون دوميز باشا رئيس أركان الجيوش على جبهة فلسطين، فالكينهاوزسن رئيس أركان الجيش السابع في فلسطين.
قتل ما يقارب الألف جندي ألماني على جبهة الدردنيل، العراق، فلسطين خلال قتالهم بصفوف القوات العثمانية، أشهر من مات على الإطلاق هو العسكري الألماني الشهير والأب الروحي لجميع النخبة العسكرية العثمانية فون دير غولتس على جبهة العراق. وقد تم نقل رفاتهم جميعا بعد انتهاء الحرب إلى مقابر خاصة في اسطنبول، الناصرة، العراق.
تأتي أهمية دراسة التواجد الألماني في الجيوش العثمانية بالإرث الكبير والضخم الذي تركه هؤلاء الجنود من الشهادات الشخصية (اليوميات والخطابات والتقارير والمذكرات المطبوعة وغير المطبوعة والصور جوية). في وصف المناطق وجبهات القتال وحتى أسباب الانتصار والهزيمة. ألّف بعضهم روايات أدبية حول تواجده في فلسطين، ووصف بعضهم أسراب الجراد والقحط في كتاباته، كما ذكر آخر العادات والتقاليد للمجتمعات العربية والتركية وتركيبها. أشهر هذه الكتب مذكرات ليمان باشا التي أرّخت لأحداث فلسطين والدردنيل، مذكرات كريس باشا، هانز جوهر، كتب مولمان الكثيرة، كتب بريجي، الأعداد الضخمة لجريدة المحاربين الآسيويين التي كانت تصدر في ألمانيا بعد الحرب. لا أبالغ إن قلت أن تاريخنا خلال هذه الفترة في هذه الكتابات. للأسف لم نترجم أي شيء في حين أن إسرائيل تسبقنا بأشواط على هذه الوثائق. ومن المؤلم أن تجد مذكرات ليمان تزين المكتبات العالمية في حين أنها ما زالت لم تر النور بالحروف العربية.

المصدر
محمد عوض - موقع السبيل، 8/كانون الأول/2018
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق