أعلام وشخصياتاختيارات المحرر
بنان الطنطاوي

ولدت بنان الطنطاوي في مدينة دمشق عام 1943م.
وهي ابنة الشيخ علي الطنطاوي.
وزوجة عصام العطار مراقب جماعة الإخوان المسلمين في سورية.
غادرت سورية مع زوجها وعائلتها وانتقلت للعيش في أوربا، هرباً من سلطات النظام في سورية.
اغتيلت في السابع عشر من آذار عام 1981م.
كشف وثائقي استقصائي أعدته قناة الجزيرة ضمن برنامج “نهايات غامضة” عن تورط نظام حافظ الأسد باغتيال بنان الطنطاوي.
استقصائي “نهايات غامضة” الذي بثته الجزيرة الساعة 10:22 مساء 2019/5/5 عاد لملف اغتيال بنان الطنطاوي، وتحدث إلى أطراف عدة على علاقة ما أو مطلعة على سير تحقيقات الجريمة، سعيا للتوصل إلى القاتل الرئيسي والأسباب التي دفعته للجريمة، وفيما إذا كان هناك تعاون أو تواطؤ من أطراف أخرى.
جاء في البرنامج الوثائقي أن التحقيقات الألمانية لم تستبعد تورط نظام حافظ الأسد في الجريمة، خاصة أن تلك الفترة شهدت توترا كبيرا بين نظامه وبين الإخوان المسلمين، كما أن السلطات الألمانية أحبطت عدة محاولات اغتيال سعى نظام الأسد لتنفيذها بحق قيادات إخوانية معارضة تعيش في ألمانيا، بينها العطار.
وبحسب أصدقاء ومقربين من عائلة عصام العطار، فإن الأخير اضطر هو وزوجته لمغادرة سوريا هربا من بطش نظام الأسد وعاشا بالعاصمة اللبنانية بيروت لعدة سنوات، استطاعت خلالها بنان الطنطاوي التأثير في المجتمع بفكرها وإسهاماتها الثقافية، حيث إنها كانت تتميز بسعة علم ومعرفة بالشريعة والفقه الإسلامي، خاصة أنها ابنة فقيه إسلامي معروف.
ولم تكن بيروت هي محطة عائلة العطار الأخيرة هربا من بطش النظام السوري، حيث لجأت الأسرة للعيش بمدنية آخن الألمانية.
وعن تلك المرحلة، يقول صديق الأسرة البروفيسور عدنان وحود إن بنان الطنطاوي واصلت نشاطها الثقافي والإسلامي والتوعوي، وإنها كانت تقود جهودا جبارة في محاولة إصلاح الفرقاء داخل الفرق التي تتبع للإخوان المسلمين في سبيل توحيد صفوفهم بمواجهة نظام الأسد.
وبحسب المقربين من العائلة، فإنه يبدو أن ذلك الدور أزعج نظام حافظ الأسد الذي كان يعتبر الإخوان المسلمين ألد أعدائه، وهو ما دفعه -أي النظام- للتخلص من بنان الطنطاوي، حسب رأيهم.
لكن الزوج عصام العطار وقبل اغتيال زوجته كان مستهدفا أيضاً من قبل نظام الأسد، وقد تمكنت السلطات الألمانية من إفشال عدة محاولات اغتيال استهدفته من قبل قتلة أرسلهم الأسد لتصفيته هو وقيادات إخوانية سورية أخرى.
بحسب الصحفي الألماني مانغريد كيشرمان الذي تابع الجريمة عن كثب، فإن ثلاثة أشخاص مدججين بالسلاح اقتحموا المبنى المكون من عدة طوابق صباح السابع عشر من آذار عام 1981م وذلك بعد مراقبة حثيثة، وأجبروا إحدى السيدات الألمانيات التي تعيش في المبنى على طرق باب منزل العطار حتى تراها السيدة الطنطاوي من خلال الكاميرا وتفتح لها الباب، وما إن فتح الباب حتى أطلق الملثمون الرصاص على رأس الطنطاوي، وفتشوا المنزل بحثا عن أي من أفراد العائلة قبل أن يلوذوا بالفرار.
غير أن القتلة -بحسب كيشرمان- كانوا على درجة عالية من الغباء أدت لانكشاف هوياتهم للشرطة الألمانية خلال أقل من ثلاثة أيام، فقد ركنوا السيارة التي استخدموها بالجريمة في مرآب سيارات بطريقة مشبوهة، وعند تفتيش السيارة عثرت الشرطة على مسدس وقنبلة يدوية، كما عثرت على فاتورة الفندق الذي نزل فيه القتلة قبل ارتكابهم الجريمة.
ويقول كيشرمان إن الشرطة أعلنت أسماء القتلة الثلاثة، وهم سعد عبد الله وفادي حميد وعبد الكريم عطية، وجميعهم يحملون الجنسية السورية، لكنهم جميعا تمكنوا من الهروب من ألمانيا قبل أن يلقى القبض عليهم.
وبحسب الخبير الأمني الألماني وليام إيغل الذي ألف كتابا يتعلق بجريمة اغتيال الطنطاوي، فإن النظام السوري هو المسؤول عن عملية القتل.
وأوضح إيغل أن القتلة الثلاثة دخلوا ألمانيا بدون أسلحة، وأنهم توجهوا بعد ذلك إلى السفارة السورية في بون، حيث تم تزويدهم بالأسلحة وكل المعلومات المطلوبة، وطلب منهم أن ينفذوا الجريمة بأسرع ما يمكن.
بدوره، رجح العميد المتقاعد من الاستخبارات السورية أن تكون الاستخبارات الجوية هي المشرفة على عملية اغتيال بنان الطنطاوي، مشيرا إلى أن مثل هذه العمليات -سواء داخل الدول العربية أو الأوروبية- تترك للمخابرات الجوية.
القتلة بقبضة السلطات الألمانية
وبعد مرور 12 عاما على الجريمة، تلقت السلطات الألمانية رسالة من نظيرتها الإيطالية تفيد بإلقاء القبض على سعد عبد الله أحد القتلة الثلاثة المطلوبين لألمانيا، والذي كان مسافرا على متن سفينة متجهة إلى إيطاليا.
ورغم اعتراف سعد بارتكابه الجريمة فإنه رفض الكشف عن المزيد من التفاصيل، وحكم عليه بالسجن المؤبد.
غير أنه وفي تطور مفاجئ أعادت السلطات الألمانية القاتل إلى سورية، مخالفة بذلك جميع القوانين المعمول بها في البلاد.
كان سعد عبد الله على علاقة مع أبو نضال مؤسس المجلس الثوري في حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) والمنشق عن الحركة والذي تم طرده من العراق.
وبحسب مقرب من أبو نضال -طلب عدم الكشف عن هويته- فإن النظام السوري في ذلك الوقت أقام علاقة مع المجلس الثوري بقيادة أبو نضال، ليساعده على اغتيال شخصيات مزعجة في تنظيم الإخوان المسلمين السوريين بالخارج.
وفي عام 2004، سلم المدعو فادي حميد نفسه للشرطة الألمانية، واعترف بمشاركته في اغتيال السيدة الطنطاوي عام 1981، وأنه حصل على أموال من النظام السوري بعد تنفيذه الجريمة.
الاغتيال في الاعلام الالماني:
حول حادثة الإغتيال ذكرت الصحف نقلاً عن مصادر في الشرطة الألمانية في آخن بألمانيا الغربية: (أن اثنين من المسلحين قد قتلا السيدة بنان العطار زوجة السيد عصام العطار أحد زعماء جماعة ” الاخوان المسلمين” في سوريا.
وقال البوليس أن الرجلين المسلحين توجها إلى منزل أسرة السيد العطار في حي راق في مدينة آخن الحدودية، وأطلقا رصاصهما على السيدة بنان عندما فتحت لهما الباب ثم لاذا بالفرار. ولا يوجد دليل على هويتهما).
الشيخ علي الطنطاوي:
كتب الشيخ علي الطنطاوي في الحلقة 165 من “الذكريات” (المنشورة سنة 1985):
ما صدّقت إلى الآن -وقد مرّ على استشهادها أربع سنوات- أنها ماتت؛ إنني أغفل أحياناً فأظنّ إنْ رنّ جرس الهاتف أنها ستُعْلِمني -على عادتها- بأنها بخير لأطمئنّ عليها. تكلّمني مستعجلةً ترصف ألفاظها رصفاً، مستعجلة دائماً كأنها تحسّ أن الردى لن يبطئ عنها وأن هذا المجرم، هذا النذل، هذا… يا أسفي، فاللغة العربية على سعتها تضيق باللفظ الذي يُطلَق على مثله، ذلك لأنها لغة قوم لا يفقدون الشرف حتى عند الإجرام.
إن في العربية كلمات النذالة والخسة والدناءة وأمثالها، ولكن هذه كلها لا تصل في الهبوط إلى حيث نزل هذا الذي هدّد الجارة بالمسدس حتى طرقَت عليها الباب لتطمئن فتفتح لها، ثم اقتحم عليها، على امرأة وحيدة في دارها، فضربها ضرب الجبان. والجبان إذا ضرب أوجع! أطلق عليها خمس رصاصات تلقّتها في صدرها وفي وجهها، ما هربت حتى تقع في ظهرها، كأن فيها بقيّة من أعراق أجدادها الذين كانوا يقولون:
ولسنا على الأعقابِ تَدْمى كُلومُنا *** ولكنْ على أقدامِنا تقطُرُ الدِّما
ثم داس الـ… لا أدري والله بِمَ أصفه؟ إن قلت “المجرم” فمِن المجرمين مَن فيه بقيّة من مروءة تمنعه من أن يدوس بقدمَيه النجستين على التي قتلها ظلماً ليتوثّق من موتها، ربما كان في المجرم ذرّة من إنسانية تحجزه عن أن يخوض في هذه الدماء الطاهرة التي أراقها. ولكنه فعل ذلك كما أوصاه مَن بعث به لاغتيالها، دعس عليها برجليه ليتأكّد من نجاح مهمّته، قطع الله يديه ورجلَيه. لا، بل أدعه وأدع مَن بعث به لله، لعذابه، لانتقامه. ولَعذابُ الآخرة أشدّ من كل عذاب يخطر على قلوب البشر.
* * *
لقد كلّمتها قبل الحادث بساعة واحدة، قلت: أين عصام؟ قالت: خبّروه بأن المجرمين يريدون اغتياله وأبعدوه عن البيت. قلت: فكيف تبقين وحدك؟ قالت: بابا لا تشغل بالك بي، أنا بخير. ثق والله يا بابا أنني بخير. إن الباب لا يُفتَح إلاّ إن فتحته أنا، ولا أفتح إلاّ إن عرفت من الطارق وسمعت صوته. إن هنا تجهيزات كهربائية تضمن لي السلامة، والمسلّم هو الله.
ما خطر على بالها أن هذا الوحش، هذا الشيطان، سيهدّد جارتها بمسدسه حتى تكلّمها هي، فتطمئنّ فتفتح لها الباب.
ومرّت الساعة فقُرع جرس الهاتف، وسمعت من يقول لي: كلّم وزارة الخارجية. قلت: نعم؟ فكلّمني رجل أحسست أنه يتلعثم ويتردّد، كأنه كُلّف بما تعجز عن الإدلاء به بُلَغاء الرجال، بأن يخبرني… كيف يخبرني؟ وتردّد، ورأيته بعين خيالي كأنه يتلفّت يطلب منجى من هذا الموقف الذي وَقَفوه فيه، ثم قال: ما عندك أحد أكلّمه؟ وكان عندي أخي، فقلت لأخي: خذ اسمع ما يقول.
وسمع ما يقول، ورأيته قد ارتاع ممّا سمع وحار ماذا يقول لي، وكأني أحسست أن المخابرة من ألمانيا وأنه سيُلقي عليّ خبراً لا يسرّني، وكنت أتوقّع أن ينال عصاماً مكروه، فسألتُه: هل أصاب عصاماً شيء؟ قال: لا، ولكن… قلت: ولكن ماذا؟ عجّل يا عبد الغني فإنك بهذا التردّد كمن يبتر اليد التي تَقَرّر بترُها بالتدريج، قطعةً بعد قطعة، فيكون الألم مضاعَفاً أضعافاً. فقُل وخلّصني مهما كان سوء الخبر.
قال: بنان. قلت: ما لها؟ قال، وبسط يديه بسط اليائس الذي لم يبقَ في يده شيء. وفهمت وأحسست كأن سِكّيناً قد غُرس في قلبي، ولكني تجلّدتُ وقلت هادئاً هدوءاً ظاهرياً والنار تتضرّم في صدري: حدّثني بالتفصيل بكل ما سمعت. فحدّثَني. وثقوا أنني لا أستطيع -مهما أوتيت من طلاقة اللسان ومن نفاذ البيان- أن أصف لكم ماذا فعل بي هذا الذي سمعتُ.
* * *
وانتشر في الناس الخبر، ولمست فيهم العطف والحبّ والمواساة. وأغلقت عليّ بابي، وكلّما سألوا عني ابتغى أهلي المعاذير يصرفونهم عن المجيء. ومجيئهم فضل منهم، ولكني لم أكن أستطيع أن أتكلم في الموضوع؛ لم أُرِد أن تكون مصيبتي مضغة الأفواه ولا مجالاً لإظهار البيان. إنها مصيبتي وحدي فدعوني أتجرّعها وحدي على مهل.
إني لأتصور الآن حياتها كلّها مرحلة مرحلة ويوماً يوماً، تمرّ أمامي متعاقبة كأنها شريط أراه بعيني. ولمّا صار عمرها أربعَ سنوات ونصف السنة أصرّت على أن تذهب إلى المدرسة مع أختها، فسعيت أن تُقبَل من غير أن تُسجَّل رسمياً. فلما كان يوم الامتحان ووُزّعت الصحف والأوراق جاءت بورقة الامتحان وقد كُتبَت لها ظاهرياً لتُسَرّ بها ولم تسجّل عليها. قلت: هيه؟ ماذا حدث؟ فقفزَت مبتهجة مسرورة، وقالت بلهجتها السريعة الكلمات المتلاحقة الألفاظ: بابا كلها أصفار، أصفار، أصفار… تحسب الأصفار هي خير ما يُنال!
وماذا يهمّ الآن بعدما فارقت الدنيا أكانت أصفاراً أم كانت عشرات؟ وماذا ينفع المسافر الذي ودّع بيته إلى غير عودة وخلف متاعه وأثاثه، ماذا ينفعه طراز فرش البيت ولونه وشكله؟ رحمها الله.
يقول الشيخ “عصام العطار”، في رثاء زوجته الشهيدة: “لم تحمل في قلبها وفكرها هموم بلدها وأهلها وأخواتها فحسب، بل حملت مع ذلك هموم عالما العربيّ والإسلامي، وهموم الإنسانية والإنسان، أنّى كان هذا الإنسان، وفاضت في قلبها الرحمة فشملت سائر المخلوقات”.





رحم الله السيدة الفاضلة بنا ن الطنطاوي الإنسانة كما وصفها زوجها الأستاذ عصام العطار رحمه الله
لاحق نظام الأسد الدموي السوريين المعارضين أينما وجدوا وعمل على تصفيتهم واغتيالهم، وتوثيق جرائم النظام البائد امر في غاية الاهمية، ولا بد من العمل على ملاحقة المجرمين ومحاسبتهم، وليبقى التوثيق شاهداً على توحش النظام ودمويته.
رحم الله ضحايا النظام الساقط وما اكثرهم. وسيأتي اليوم الذي تتحقق فيه العدالة.