مقالات

د.سامي مبيض: منيح ما عاشوا…

  •   
  •   
  •   

د.سامي مبيض – التاريخ السوري المعاصر

توفيت في يوم الأربعاء التاسع عشر من أيلول سبتمر / أيلول 2018م،  السيدة لميس الحفار، رئيسة مجلس ادارة دار السعادة للمسنين، التي قضت سنوات عمرها الأخيرة في خدمته، خلفاً للراحلات أميمة مريدن وجميلة الخيمي. الأولى كانت حرم عميد كلية الطب الدكتور عزة مريدن والثانية زوجة رئيس جامعة دمشق الدكتور مدني الخيمي، أما الحفار، فهي كريمة رئيس وزراء سورية الأسبق، المرحوم لطفي الحفار، أحد الآباء المؤسسين للجمهورية. هكذا كن “بنات المسؤولين” في هذا البلد، في يوم من الأيام.

عاشت لميس الحفار بين قاطني دار السعادة، مع العاملين فيه، تودع نزيل بعد الآخر، ممن سبقها إلى دار الحق.

قضت سنواتها الأخيرة في معارك يومية لتأمين الكهرباء لنزلاء الدار، والمازوت، وكافة المستلزمات الطبية، متحدية كل ظروف الحرب التي مرت بها دمشق وسقوط قذائف الهاون من حولها.

كل من عرف هذه السيدة الفاضلة أعجب بتواضعها وصلابتها وقدرتها على العطاء. كان عملها مجاني، لا تتقاضى عليه أي أجر، وهي سليلة أسرة معطاءة عُرفت بكرمها ونُبلها، فوالدها هو مؤسس مشروع عين الفيجة، الذي أدخل مياه الشرب إلى كل بيت من بيوت الشام، بالتعاون مع الرئيس فارس الخوري، مقابل مبلغ من المال يدفعونه سنوياً عن كميات المياه التي يطلبون الاشتراك بها، شرط أن تكون مرتبطة بالملك، لا يجوز التنازل عنها أو بيعها إلا مع بيع العقار، ويتم تسجيل ملكية المياه في الصحيفة العقارية لجميع دور دمشق.

توفي شقيقها بشر في نهاية العام 2016، عندما كانت مياه الفيجة مقطوعة عن دمشق، وكانت لحظة مؤلمة لكل أهالي المدينة وتحديداً لأسرة الرئيس لطفي الحفار الذي وضع لوحة في داره بشارع الرشيد بحي أبو رمانة، حيث عاشت لميس سنوات صباها، كتب عليها آيات من الذكر الحكيم: “وجعلنا من الماء كل شيء حي.”

تحدثنا ذات يوم، انا و”لميس خانم،” عن أول من اقترح تأسيس داراً للمسنين في دمشق، المرحوم فخري البارودي، صديق والدها وزميله في الكتلة الوطنية والمجلس النيابي وفي السجون والمعتقلات الفرنسية. كان ذلك عام 1911 حيث طالب البارودي بدار “عابر للطوائف والأديان،” قبل عام واحد من تأسيس دار جمعية القديس غريغوريوس الأرثوذوكسية.

سخر أهل الشام من فخري البارودي، قائلين بأن هذه العادة غريبة ومستهجنة عندهم، الذين اعتادوا على خدمة آبائهم حتى الممات، وهم معززين ومكرمين في منازلهم، لا يخرجون منها أبداً إلا إلى القبر.

“تغيرت دمشق كثيراً يا بني” قالت لميس الحفار، “…وتغيرت عاداتها وتغير أهلها كثيراً. قال تعالى: وبالوالدين احسانا، ولكن الإحسان قد أصبح أصعب بكثير هذه الأيام، نتيجة مشاغل الناس، وظروف الحرب القاسية التي خلفت عدداً كبيراً من المسنين وحدهم، لا معيل لهم، بعدما فرقتهم عن أبنائهم وعائلاتهم. البعض غادر مناطق لم تعد مخدمة، والآخرين فروا من مناطق لم تعد آمنة، فتوجه الكثير منهم إلى دار السعادة. هنا يقطن عدد كبير من مشاهير دمشق، من آمر سلاح الطيران في زمن الوحدة اللواء وديع المقعبري وزوجته، وثروت المالكي شقيقة الشهيد عدنان المالكي، والمخرج الدمشقي علاء الدين كوكش وزميله رياض ديار بكرلي، وكلاهما من رواد التلفزيون السوري. ماتت الفنانة هالة شوكت هنا، والدكتور فاخر عاقل، والفنان ممتاز البحرة، والمطرب فتى دمشق، وغيرهم.”

انتظرت دمشق خمسة وستون سنة قبل تحقيق حلم البارودي، يوم تأسيس دار الحنان عام 1977، وتلاه أربع مراكز أخرى كان دار السعادة آخرها، الذي فتح أبوابه للمسنين عام 1985.

من يدخل إلى قاعته الرئيسية يشاهد “لوحة المتبرعين” وفيها لفيف من رجالات دمشق، ونسائها، أمثال الدكتور عثمان العائدي والدكتور عبد الغني حمور وموفق الميداني والمرحوم الأستاذ مأمون الطباع، والدكتور حسني الصواف والسيدة عفاف صمادي، وغيرهم.

“من جر ماء الفيجة الى بيوت الشام هم اجداد المتبرعين لهذا المكان.”

عند باب مكتبها بالدار، خرجت لتودعني، وهي تتكئ على العكاز المزدوج (الووكر). ختمت لقائنا بسؤال أخير: “لميس خانم، كان فخري بك بعيد النظر، وكذلك الوالد. لو عاشوا إلى اليوم، ماذا سيقولون عن دار السعادة؟”

أغمضت عينيها بحزن وأجابت: “منيح ما عاشوا، وما شافوا شو صار بهالبلد….”

د.سامي مبيض: منيح ما عاشوا...

 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


  •   
  •   
  •   
سورية 1900 سورية 1901 سورية 1902 سورية 1903 سورية 1904
سورية 1905 سورية 1906 سورية 1907 سورية 1908 سورية 1909
سورية 1910 سورية 1911 سورية 1912 سورية 1913 سورية 1914
سورية 1915 سورية 1916 سورية 1917 سورية 1918 سورية 1919
سورية 1920 سورية 1921 سورية 1922 سورية 1923 سورية 1924
سورية 1925 سورية 1926 سورية 1927 سورية 1928 سورية 1929
سورية 1930 سورية 1931 سورية 1932 سورية 1933 سورية 1934
سورية 1935 سورية 1936 سورية 1937 سورية 1938 سورية 1939
سورية 1940 سورية 1941 سورية 1942 سورية 1943 سورية 1944
سورية 1945 سورية 1946 سورية 1947 سورية 1948 سورية 1949
سورية 1950 سورية 1951 سورية 1952 سورية 1953 سورية 1954
سورية 1955 سورية 1956 سورية 1957 سورية 1958 سورية 1959
سورية 1960 سورية 1961 سورية 1962 سورية 1963 سورية 1964
سورية 1965 سورية 1966 سورية 1967 سورية 1968 سورية 1969
سورية 1970 سورية 1971 سورية 1972 سورية 1973 سورية 1974
سورية 1975 سورية 1976 سورية 1977 سورية 1978 سورية 1979
سورية 1980 سورية 1981 سورية 1982 سورية 1983 سورية 1984
سورية 1985 سورية 1986 سورية 1987 سورية 1988 سورية 1989
سورية 1990 سورية 1991 سورية 1992 سورية 1993 سورية 1994
سورية 1995 سورية 1996 سورية 1997 سورية 1998 سورية 1999
سورية2000

سامي مروان مبيض

الدكتور سامي مروان مبيض تولد دمشق عام 1978 ، كاتب ومؤرخ ورئيس مجلس أمناء مؤسسة تاريخ دمشق

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى