مقالاتعادل عبد السلام

د. عادل عبدالسلام (لاش): المعلم محمد حكمت خواج ونجاته من الإعدام

  •   
  •   
  •   

د. عادل عبدالسلام (لاش) – التاريخ السوري المعاصر

 المعلم محمد حكمت خواج ونجاته من الإعدام، و الضابط سليمان ناجي قوباتي

بطلا هذه القصة هما حكمت خواج من شراكسة مدينة اللاذقية في سورية، وسليمان ناجي قوباتي من رجالات القوشحة (الأوستيين) في سورية. أسردها نقلاً عن مصدرين الأول هو سليمان ناجي (أبو كمال) نفسه، من ضباط الجيش السوري المرموقين، ومؤلف عدد من الكتب أشهرها كتاب (المفسدون في الأرض) الذي يحكي جرائم الصهيونية، ومن خيرة من عملوا في خدمة الأمة الشركسية، عن طريق الجمعية الخيرية الشركسية التي انتخب رئيساُ لهيئتها الإدارية، كما اختير سنة 1967رئيساً للجنة النازحين الشركس هو وقائد الدرك العام محمد علي عزمت. وكان لي شرف العمل معهما سكرتيراً للجنة المذكورة. اما المصدر الثاني فهو المساعد الأول في الدرك المتقاعد السيد فواز يوغار (أبو يلمز) وعديلي، الذي عمل في سلك الدرك في مدينة اللاذقية وكان صديقاُ لحكمت خواج في ستينات القرن الماضي، وروى لي القصة نقلاً عن المعلم حكمت خواج نفسه.
جرت أحداث القصة في ثلاثينات القرن الماضي، وفرنسا تحكم سورية المقسمة إلى دويلات منها دويلة (العلويين ?) المشهورة بزراعة التبغ وإنتاجه، وكان شراء المنتج وتصديره إلى قبرص ومنها إلى العالم محصوراً يإدارة عرفت بالـ (ريجي) أي إدارة حصر التبغ والتنباك، وهي إدارة يرجع إنشاؤها إلى السلطة العثمانية في العام 1884، التي حصلت منها شركة فرنسية على امتياز الاستثمار في هذا القطاع ، فمنحت الشركة (شركة حصر الدخان) حق تحديد مساحة الأراضي المسموح بزراعتها وعمليات التصنيع والبيع. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى تم إلغاء جميع الامتيازات وأصبح الأمر بيد السلطة الفرنسية منذ سنة 1935 في كل من سورية ولبنان . وكان المزارعون الفقراء كثيراُ ما يبيعونه إلى جهات أخرى لكسب اليسير من الدريهمات، في مخالفة لقوانين الريجي، فأصدر الحاكم الفرنسي (لدويلة العلويين) أمراً بإعدام كل من يقوم بتهريب الدخان وبيعه لغير إدارة الريجي. وكان سليمان ناجي حينذاك واحداً من أفراد ضابطة الريجي في اللاذقية. وذلك في زمن نشطت فيه القوى الوطنية المقاومة للسلطات الفرنسية المنتدبة. وكان الفرنسيون لايتوانون عن القضاء على من يرتابون بولائه للكتلة الوطنية السورية. وكان حكمت خواج واحداً منهم، بل ومن أبرزهم في حقل التعليم والتربية، فقرر المستشار الفرنسي ، حاكم المنطقة القضاءعليه بتوريطه بتهمة المتاجرة بالتبغ وتهريبه. فاتفق مع رئيس ضابطة الريجي وضابط آخر على دس كيسين من التبغ في منزل حكمت خفية، ومن ثم مداهمته وتفتيشه، وبالتالي تثبيت تهمة المتاجرة بالدخان عليه وإعدامه. ولكن صدف أثناء حبك خيوط المؤامرة وجود سليمان ناجي الذي كان حينذاك أحد أفراد الضابطة كما تقدم، والذي كان وطني الولاء ضمناُ، وكان صديقاً لحكمت. فما كان منه إلا أن أرسل إليه سراً و قبل موعد ليلة المداهمة، من يخبره بالأمر، وأن يقوم قبلها بإخلاء منزله من أي شئ يعثر عليه المداهمون ويمكن أن يضر به. ففتش حكمت منزله، لكنه لم يجد فيه ما يريب، لكنه عاد وفكر بالأمر، وأدرك أن سليمان لم يخبره بما سيحدث عبثاً، فأعاد التفتيش والبحث في المنزل وأرض الدار كلها وبدقة، حتى وصل إلى مستودع للخشب لاحظ فيه أن ترتيب الأخشاب فيه مشوش عما كان عليه، حيث عثر على كيسي التبغ، فما كان منه إلا أن ألقى بهما في دار مجاورة لايشك بأمرصاحبها لتعامله مع الفرنسيين. فلم يجد المداهمون أي شئ يدين حكمت.
استشاط المستشار الفرنسي وضباطه والمداهمون غضباً لفشل مخططهم، وراجعوا مراحل المؤامرة، فانكشف أمر سليمان ناجي، لأن عدد العارفين بالخطة كان محدوداً أولاً، ولأن سليمان شركسي متعاطف مع حكمت الشركسي أيضاُ ثانياً. ( يعرف المهجرون القفقاسيون الشماليون من الأوستين وغيرهم في بلدان الشتات بالشركس، لغلبة أعداد الشركس- الأديغة- فيها على أعداد القوميات الأخرى غير الشركسية). فكانت عقوبة سليمان ناجي… التسريح من ضابطة الريجي. لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل استدعى المستشار حكمت خواج، وأنذره بالويل والثبور إن لم يوقف نشاطه ضد الفرنسيين، وأعلمه أنه لولا سليمان ناجي لكان في عداد الأموات. عندها علم حكمت أن سليمان كان حاضراً جلسة المؤامرة وتقرير مصيره ، وأنه غامر بمستقبله بل وبحياته من أجله. ولما التقى حكمت بسليمان بعد ذلك عنفه وأنبه على ماقام به وما اعقب ذلك من تسريحه فاجابه سليمان ، والكلام هنا لحكمت خواج (برواية فواز يوغار)، قائلاً: ” إن تسريحي غير مهم لأنني أعرف اللغة الفرنسية ودرست في فرنسا، وبإمكاني أن اجد عملاً آخر في مكان آخر، كما أنني أعزب- لاورائي ولا أمامي-، أما أنت فصاحب أسرة، ولك زوجة وأخ وأب مسن، وإعدامك أوسجنك سيقطع رزق الكثيرين، لذلك غامرت بما قمت به، من أجلك وأجل الشركس وأجل الكتلة الوطنية “. علماً ان سليمان لم يكن حينها عضواً في الكتلة، وانتسب إليها فيما بعد.
ومن أحداث المداهمة المذكورة، مما يعكس جانباً من أخلاقيات وتربية حكمت، أن الفرنسيين عثروا في منزل حكمت على أقتين (400 غرام) من التبغ خاصة بأبيه المدخن. فخشي حكمت أثناء أخذ إفادته بحضور سليمان أن يتهم المحققون والده، فادعى أنها تخصه هو لينقذ والده. فتدخل سليمان وقال أن التبغ خاص بوالد حكمت المدخن، وأن حكمت لايدخن أصلاُ. وحصلت مجادلة يصر فيها حكمت على أقواله وسليمان ينفيها ويؤكد على أن والد حكمت هو صاحب التبغ. و شرح للفرنسيين أن موقف حكمت نابع من العادة الشركسية في دفاع الابن عن أبيه المسن حتى الموت من أجله. ولما أفهم سليمان حكمت أنه سيقتل إن لم يقر بحقيقة صاحب التبغ، وأن الكمية لن تؤثر على والده المدخن، أقر بالواقع ونجا الأب والإبن.
تدرج محمد حكمت خواج في المجال التربوي التعليمي من معلم في المدارس الابتدائية إلى أن اًصبح مديراً لثانوية (تجهيز البنين) في اللاذقية، التي سميت فيما بعد (ثانوية جول جمال) وكان حافظ الأسد والكثير من رجالات الحكم في سورية من تلامذته وخريجيها. ولما اعتقلت السلطات الفرنسية حكمت خواج و أساتذة مدرسته للتحقيق معهم بخصوص نشاطاتهم ضد الحكم الفرنسي قام طلابهم والشارع اللاذقاني بإضراب أجبر الفرنسيين على الإفراج عنهم. وفي عهده تأسست في المدرسة أول جمعية أدبية، كما كان له دور فعال في تأسيس الحركة الكشفية في مدارس اللاذقية التي زارها السير (ويلسون) رئيس المنظمة العالمية للكشافة سنة 1950، حين كان مديرا لثانوية تجهيز البنين. ولحكمت خواج مقالة في كتاب اليوبيل الذهبي الخاص بثانوية جول جمال الصادر سنة 1974 بتحرير وإشراف الأستاذ محمد شاكر العضيمي.
رحم الله سليمان ناجي وفواز يوغار، ورائد التعليم والثقافة في الساحل السوري الأستاذ والمعلم محمد حكمت خواج.
عادل عبدالسلام (لاش) دمشق – آذار 2016

الوسوم

عادل عبد السلام

الدكتور عادل عبدالسلام لاش من أبناء قرية مرج السلطان، من مواليد عسال الورد عام 1933. يحمل دكتوراه في العلوم الجغرافية الطبيعية من جامعة برلين الحرة. وهو أستاذ في جامعة دمشق منذ عام 1965. له 32 كتاباً منشوراً و10 أمليات جامعية مطبوعة، بالإضافة إلى أكثر من 150 مقالة وبحث علمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق