مقالاتسلايد

من مذكرات خالد العظم: إنقلاب حسني الزعيم

 
 
 

 

من مذكرات خالد العظم: إنقلاب حسني الزعيم

النص من مذكرات رئيس الوزراء السوري خالد العظم، ويتحدث فيه عن تفاصيل مهمة حول إنقلاب حسني الزعيم: 

“قبل سرد حوادث هذه الإنقلابات، لابد لي من القول بأن الأسباب الحقيقية لقياد الانقلاب الأول لم تكن كما يظن، سوء الحالة في البلاد، ورغبة الشعب في التخلص من القائمين على الحكم، فأنا لا أنكر سوء الحالة، لكني لا اعتبره سبباً حقيقياً لوقوع الإنقلاب، بل اعتبره من عوامل نجاحه. وسأذكر في بحث عوامل النجاح ما كانت عليه الحالة قبل الإنقلاب.

أما الأسباب الحقيقية فتنحصر في كونها حركة طائشة قام بها رجل أحمق متهور هو حسني الزعيم، أراد حماية نفسه من العزل والاحالة على المحكمة بتهمة الاشتراك في صفقات مريبة وخاسرة تعاقدت عليها مصلحة التموين في الجيش مع بعض الملتزمين الذين قدموا بضاعة فاسدة وقبضوا ثمناً مضاعفاً. إلا أنني لا استبعد الدول الذي قامت به بعض الدول الأجنبية في تحضير الإنقلاب وفي تشجيع حسني الزعيم على الإقدام عليه. وفيما يلي تفاصيل الأحداث التي سبقت ورافقت إنقلاب حسني الزعيم:

في الصباح الباكر من أحد أيام آذار 1949، هتف لي رئيس الجمهورية ودعاني للحضور حالاً اليه، وحين اجتمعت به قال لي: تعال معي نحضر تجربة الأسلحة والذخائر التي اشتريناها”. فامتطينا سيارته وذهبنا إلى سهل المزة، حيث كان في انتظارنا القائد العام حسني الزعيم ولفيف من الضباط. وهناك شاهدنا ثلاثة مدافع ضد الطائرات مصوبة إلى الجبل. وبدأ الجنود عملية التجارب، وفلاحظنا أنها كانت غير ناجحة، إذ ان الكثير من الطلقات لم يكن يخرج من فوهة المدفع. أما القليل الذي كان ينطلق، فلم يكن يصيب المرمى. وكانت وزارة الدفاع اشترت هذه المدافع والذخائر من الشركة المعروفة باسم ” الخماسية الصغرى” المؤلفة من فائز المالكي، ورفيق رضا سعيد، وإبراهيم مردم، وعادل الحنبلي، وخالد الأيوبي، وشركاهم.  

وبعد أن مكثنا ما يزيد على الساعة دون أن يتمكن الضباط والجنود الاخصائيون من استعمال المدافع والذخائر على وجه مرض، تحقق لدينا ان المدافع غير صالحة، وأن الذخائر فاسدة. وسلم حسني الزعيم بذلك، فقفلنا راجعين.

وعندما وصلنا إلى قرية المزة طلب الرئيس إلى سائق سيارته الانحراف إلى اليسار بدلاً من اتباع طريق المدينة، فسألته إلى أين؟ فأجاب : “انتظر”. ووصلت بنا السيارة، ووراءها السيارة التي تقل حسني الزعيم ومعاونيه، إلى مستودعات الجيش. وهناك دخلنا أحد العنابر، وبدأ الرئيس يتجول بين أكياس وصناديق عديدة يسأل عن محتويات كل منها. وكانت الفاصوليا اليابسة تتكدس إلى جانب قمر الدين والزيت. وكان الرئيس يتظاهر بالارتياح كلما شاهد نوعاً من الأنواع وتفحصه بيده، حتى وصلنا إلى مجموعة من التنكاب المعبأة سمناً. فطلب فتح احداها ففتحت، واذ بنا نشاهد لون السمن أقرب إلى السواد، فأظهرنا استغرابنا.

ونظرت إلى حسني الزعيم، فرأيته ممتقع اللون بادي الاضطراب. وطلب الرئيس من أمين المستودع أن يحضر “وأبور كاز” ومقلاة وبيضاً ففعل. ووضعت قطعة من السمن ضمن المقلاة فلما حميت تصاعدت منها رائحة كريهة حتى أننا اضطررنا إلى سد أنوفنا بمحارمنا، وكان حسني الزعيم يزداد اضطراباً وامتعاضاً. وطلب الرئيس أن تحمل تنكة السمن إلى سيارته ليأخذها معه لفحصها، ثم بارحنا المكان.

قال لي الرئيس عندما انفردنا في السيارة:” هذه هي الصفقات التي تعقدها وزارة الدفاع، وهذه هي النماذج الفاسدة لمشترياتنا”. فقلت :” أتظن أن لحسني الزعيم يداً في الأمر؟”. فقال:” ألم تر اضطرابه”، قلت :”بلى”. قال:” أبعث بهذا النموج إلى مخبرين كيمائيين لتحليل السمن وبيان ما فيه من المواد الغريبة وما هو عليه من فساد”.

وذهبت رأساً إلى وزارة الدفاع وتبعني حسني الزعيم. فسألته عمن يعقد هذه الصفقات، فأجاب:” هناك لجنة للعقود ولجان للاستلام”. وقلت له:” من يشرف على هذه الشؤون كلها؟” فقال:” العقيد بستاني” ثم أمرت بارسال النماذج للتحيل وبتغير أعضاء الاستلام، وريثما تعرف النتائج. وكان الصحفيون سمعوا بالخبر، فسألوني عنه، فأجبتهم بأن تحقيقاً سيجري بشأن بعض المواد التي يشتبه في فسادها. ولما نشرت الجرائد الخبر معتضباً وذكرت أني امرت بإجراء التحقيق، استاء رئيس الجمهورية وظن أنني أريد أن أكسب السمعة الحسنة، عندما ذكرت الجرائد اني انا الذي تدخل في الأمر وأظهر الفساد. فأوعزت الى الصحف بأن تسرد زيارته للمستودعات بالتفصيل وتذكر أنه هو الذي أمر وزير الدفاع بفتح باب التحقيق ومعاقبة المسؤولين.

وجائتني في اليوم التالي نتائج تحليل السمن تؤكد، بشكل لا يدع مجلاً للشك، أن ثمة مواد عريبة ومضرة بالصحة. فأصدرت الأمر شفاهاً  إلى حسني الزعيم بإحالة العقيد البستاني على المحاكمة وتوقيفه. فأنزع كثيراً وقال: “أرسلها لاوقعها”. وهكذا كان. ويظهر أن حسني الزعيم رغب في تجنب توقيع مذكرة التوقيف بنفسه حتى لا يزعل منه البستاني، فيدلي في أثناء التحقيق بالحقائق التي تدين الزعيم. وقد أوقف النائب العام العسكري المتهمين المدنيين وبعض الضباط. وعلى الأثر سرت في أروقة مجلس النواب وفي المجتمعات أخبار التلاعب في مشتريات الجيش، وشاع أن الحكومة تنوي فتح أبواب التحقيق في كثير من الصفقات العسكرية، وأن ثمة ضباطاً عديدون سيحالون إلى المحاكمة.

وفي جلسة مجلس النواب المعقودة في 17 آذار 1949، شن النائب فيصل العسلي حملة عنيفة على حسني الزعيم، مفنداً أعماله ومواقفه. واتهمه بالخيانة والتآمر مع الملك عبد الله، وطالب باحالته على المحاكمة. ثم صرح بأن ثمة محاضر وتقارير تثبت ذلك. وبلغ حسني الزعيم ما قبل عنه في الجلسة فحضر إلى المجلس وانتظر انتهاء الجلسة. وقال لي عند خروجي من القاعة:”أتقبلون أن يقال عن رئيس الجيش ما قيل في هذه الجلسة؟” فأجبته بأني متعب الليلة ولا أستطيع الاجتماع به لبحث الموضوع، وأشرت عليه بالمجيء في الصباح لنتداول الأمر. فخرج من عندي ثائراً وهو يقول:” كيف لا يدافع وزير الدفاع عن قائد الجيش عندما يهاجم في مجلس النواب على هذا الشكل؟”، وكنت قد أجبته بأن حملة العسلي لم تكن موجهة ضد الجيش بل ضده شخصياً، وبأني ازاء الإعلان عن وجود محاضر ووثائق، ولا استطيع الا انتظار الوقت الكافي للاطلاع عليها، وعندها اتخذ الموقف المناسب. وفي اليوم التالي ألقيت على دار العسلي قنبلة لم تصبه، ولكنها تركت آثاراً في الجدران. وجائني العسلي معلناً اتهامه حسني الزعيم بإرسال من ألقى هذه القنبلة. وأحيلت القضية على التحقيق. غير أنه تبين أن العسلي نفسه هو الذي دبر أمر إلقاء القنبلة، ليتهم خصمه حسني الزعيم بمحاولة اغتياله.

أما عن الأسلحة والذخائر الفاسدة المذكورة فيما سبق، فقد أرسل إلى حسني الزعيم سند صرف بقيمتها، طالباً مني توقيعه. فعجبت من ذلك وسألت حسني الزعيم:” كيف تدفعون أثمان ذخيرة فاسدة وأسلحة غير صالحة؟”. فأجاب بأن لجنة الاستلام أنهت المعاملة واستلمت المواد بعد تنزيل قيمة الفاسد منها. فأجبته بأني غير قانع بصحة هذا العمل ولا أوقع على سند الصرف مالم يثبت لدى لجنة جديدة جودة المواد. ثم أطلعت الرئيس على ذلك فأخبرني بأنه ذهب إلى المزة مرة ثانية وشاهد جنوداً يمسحون الصدأ عن خرطوش البنادق، فسألهم :” هل هذه الذخيرة من مخلفات الافرنسيين؟”، فأجابوا:”لا، بل من المشتريات الجديدة”. فما كان منه الا ان نادى أحد العقداء وصفعه على وجهه. وقلت للرئيس أن حسني الزعيم يطلب مني أن نسدد ثمن هذه الذخيرة، مدعياً أنه أسقط الفاسد منها. فأجاب الرئيس :” أنهم يمسحون الصدأ بواسطة الجنود ثم يحضرون محاضر استلام”. وعلم بعد التحقيق أن هذه الذخيرة كانت مخبأة تحت الأرض في إيطاليا، فاستوردتها الشركة بأثمان رخيصة وسلمتها إلى وزارة الدفاع.

وازدادت هذه الأخبار شيوعاً في البلد، حتى أصبحت حديث المجالس، وشعر حسني الزعيم بسوء العاقبة اذا استمرت الحكومة في التحقيق وثبت لديه أن الأمر سائر إلى غير صالحه، وأنه اذا لم يتداركه فسوف يقع في الفخ. وتراءت أمامه ذكريات الأيام العصيبة التي عاشها مسرحاً من الجيش، ملاحقاً أمام المحاكم، فقيراً معدماً يلتجئ إلى لعب القمار ليكسب عيشه، فأذا ما خانه الحظ هدد اللاعبين بسلاحه وتناول بيده ما على طاولة اللعب من أموال ووضعها في جيبه وانصرف. وتمثلت أمامه حياته السابقة، وسكناه في غرفة حقيرة بدار أحد أنسابه. وعادت إلى مخيلته ذكرى تشبثاته المستمرة لدى أصحاب الأمر، مستجيباً اعادته إلى الجيش الذي طرج منه.

وكنت ممن سعى الزعيم لديهم لاستجلاب عطفهم ومساندتهم له في العودة إلى الجيش. ولكم تحدثت مع الرئيس القوتلي بشأنه وسألته عن أسباب عدم اعادته، فكان يقول لي دائماً أنه رجل خطر، وغير مؤتمن، وذو أخلاق سيئة، فأذا أعيد إلى الجيش أفسده وأقدم على قلب الأمور.

وأنه لمن مضحكات الزمن أن يعود حسني الزعيم إلى الجيش وأن يعهد إليه بمديرية الأمن العام ثم بقيادة الجيش، وذلك بأمر من شكري القوتلي نفسه، حين كنت في باريس أشغل منصب وزير مفوض. وقد فهمت أن سبب اطمئنان القوتلي إليه وتعيينه في هذين المنصبين الكبيرين، كان المرحوم محسن البرازي الذي أخذه على عاتقه، وجعله يقسم بالقرآن أمام القوتلي أنه سيكون له وفياً مخلصاً مادام حياً. وقد كشفت الأيام كيف صدق في يمينه، وماذا صنع فيما بعد. على أنني أشك في أن القوتلي اطمأن كل الاطمنئان إلى شخص معروف بحمقه وتطرفه وعدم اخلاصه. وذلك لكي يهدد به جميل مردم، اذا شذ هذا الأخير عن سياسة  القوتلي نفسه. وكان في طبع الرئيس أن يبدر بذور التنافس والبغضاء بين الزعماء السياسيين حتى لا يتفقوا ضده، وفيبقى دائماً مسيطراً على الموقف وحده[1].

 [1] العظم (خالد)، مذكرات خالد العظم، الجزء الثاني، الدار المتحدة للنشر، بيروت 1973، الطبعة الثانية، صـ 183-185

 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


 
 
 
سورية 1900 سورية 1901 سورية 1902 سورية 1903 سورية 1904
سورية 1905 سورية 1906 سورية 1907 سورية 1908 سورية 1909
سورية 1910 سورية 1911 سورية 1912 سورية 1913 سورية 1914
سورية 1915 سورية 1916 سورية 1917 سورية 1918 سورية 1919
سورية 1920 سورية 1921 سورية 1922 سورية 1923 سورية 1924
سورية 1925 سورية 1926 سورية 1927 سورية 1928 سورية 1929
سورية 1930 سورية 1931 سورية 1932 سورية 1933 سورية 1934
سورية 1935 سورية 1936 سورية 1937 سورية 1938 سورية 1939
سورية 1940 سورية 1941 سورية 1942 سورية 1943 سورية 1944
سورية 1945 سورية 1946 سورية 1947 سورية 1948 سورية 1949
سورية 1950 سورية 1951 سورية 1952 سورية 1953 سورية 1954
سورية 1955 سورية 1956 سورية 1957 سورية 1958 سورية 1959
سورية 1960 سورية 1961 سورية 1962 سورية 1963 سورية 1964
سورية 1965 سورية 1966 سورية 1967 سورية 1968 سورية 1969
سورية 1970 سورية 1971 سورية 1972 سورية 1973 سورية 1974
سورية 1975 سورية 1976 سورية 1977 سورية 1978 سورية 1979
سورية 1980 سورية 1981 سورية 1982 سورية 1983 سورية 1984
سورية 1985 سورية 1986 سورية 1987 سورية 1988 سورية 1989
سورية 1990 سورية 1991 سورية 1992 سورية 1993 سورية 1994
سورية 1995 سورية 1996 سورية 1997 سورية 1998 سورية 1999
سورية2000

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي