شهادات ومذكرات

مذكرات محمد معروف (2): الانتداب الفرنسي و محاولة تشكيل التجمعات العلوية في سورية 1940

  •   
  •   
  •   

مذكرات محمد معروف: الانتداب الفرنسي و محاولة تشكيل التجمعات العلوية في سورية 1940

دخلنا الكلية الحربية عام 1939 في وقت عصيب للغاية، فقد كانت بوادر الحرب تنذر بالانفجار وطبولها بدأت تقرع.

أغلقت الكلية الحربية أبوابها ونقلنا إلى قلعة حلب مع مدربنا أحمد العظم وكان ضابطاً كفوءاً. وصرنا نعامل كجنود نقوم بالسخرة وننام على الأرض على فراش من القش لا نتميز عن الجنود بشيء إلا باللباس. كانت حياتنا جحيماً إذا ما قيست بحياة الكلية الحربية في حمص. أما التدريب فقط كان قاسياً للغاية إذ كان علينا أن نقطع حلب يومياً من الجنوب إلى الشمال أي ما يعادل 6 إلى 7 كيلو مترات للقيام بالتدريب. نقلنا بعد أشهر إلى ثكنة “كارتييه موسيه” شمال حلب على طريق الباب، وكنا تحت أمرة آمر الفوج الثامن- وكان هذا ضابطاً قديماً يدعى ستاسّنيْه Stacinet فظاً وقاسياً، خاض الحرب العالمية الأولى وفقد أصابع يده اليمنى في الحرب وأمضى معظم حياته في سلك الجندية في أفريقيا. كان يسلمنا الحراسة بعد منتصف ليالي الشتاء القارسة بدلاً من الجنود، وطقس حلب بارد جداً في الشتاء، وحار في الصيف.

عدنا إلى الكلية الحربية بعد أكثر من سنة فاستبشرنا خيراً، لكن هذه الفرحة لم تطل إذ إن الديغوليين قاموا بهجوم على سورية ولبنان فوزعنا على القطعات كرقباء وعُينا آمري زمر للدفاع الجوي.

كان مركزي في قلعة حمص وكانت الطائرات البريطانية تغير وتقصف مراكز التمويه، وفي أحد الأيام كان اليأس قد بلغ بي أشده وكنت أتساءل بيني وبين نفسي عن مصيرنا، إذ كان مستقبلنا على كف عفريت، وبينما أنا مستغرق في هذه الوساوس استدعيت لمقابلة الضابط المسؤول في القلعة، ولم يكن سوى مساعد فرنسي، فسلمني برقية مستعجلة من القيادة العامة تقول :” على التلميذ الضابط محمد معروف أن يلتحق بقيادة اللاذقية وبأقصى سرعة”. أخذت أضرب أخماساً بأسداد، هل هذا لصالحي أم العكس؟ وشلت قدرتي على الاستنتاج، فماذا بإمكاني أن أقدم للفرنسيين؟ وكيف تتذكر القيادة العامة في هذا الوقت العصيب تلميذاً ضابطاً.

تسلمت بندقية وأمر مهمة وصورة عن البرقية، ثم ودعت رفاقي وسافرت إلى اللاذقية. قدمت نفسي إلى قيادة المنطقة في اللاذقية، وكانت هذه في حالة فوضى كبيرة ولا تدري لماذا طلب مني أن ألتحق في اللاذقية، ثم طلبوا مني أن أعود إليهم في اليوم الثاني، وحين حضرت أبلغوني وجوب الالتحاق بقيادة التجمعات العلوية.

سمعت في الماضي عن التجمعات الشركسية والدرزية، أما العلوية فهذه أول مرة. كانت القيادة خلف القلعة وكان المكان أرضاً زراعية نصبت فوقها مجموعة من الخيام البالية، ومن بينها خيمة كبيرة تأكدت أنها مركز القيادة، دخلت الخيمة وكانت دهشتي كبيرة عندما لم أجد سوى مساعد واحد وهو المشرف على المعسكر- وأعتقد أنه كان تابعاً للاستخبارات- قدمت نفسي فاستقبلني أحسن استقبال وقال لي :” نحن الآن قيد تشكيل التجمعات الوطنية العلوية من جميع العشائر. الحدادون وعلى رأسهم (كنج الكنج) وعشيرة المرشد وعلى رأسها (فاتح المرشد) وأنت سوف تكون على رأس (النميلاتية والمتاورة)، ولقد وزعنا الأسلحة على هذه التشكيلات وسنحدد مهامها في القريب العاجل وهي الدفاع عن الشواطئ”.

ودعته لزيارة أهلي على أن ألتحق بعد يومين. وقبل مغادرتني قمت بجولة في المعسكر فرأيت العجب: جنود بلباس نصف عسكري ونصف مدني وطعامهم الخبز وما يسطون عليه من البندورة والخيار من المزارع القريبة، وسلاحهم البندقية الكبيرة 86/93 من بنادق الحرب العالمية الأولى، وليس هناك من رقباء سوى بعض الجنود القدامي في جيش المشرق الذين سرحوا من الخدمة لسوء السلوك أو لعدم الأهلية. كما التقيت عند عودتي من القرية بقادة المجموعات وكل برتبة لواء وما فوق، لقد كانت مهزلة[1].

[1] معروف (محمد)، أيام عشتها 1949-1969، الإنقلابات العسكرية وأسرارها في سورية، الطبعة الثانية، كانون الثاني 2003، صـ 39.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق