مقالات

شمس الدين العجلاني : فيرناندو دي أراندا.. لغز من ألغاز دمشق 2 من 2

  •   
  •   
  •   

 

شمس الدين العجلاني – الأزمنة

 تعتبر ساحة الحجاز على مر الأيام من أهم الساحات بدمشق فهي مركز المدينة وعقدة مواصلات هامة وممر لكل قادم إلى دمشق سواء مرتجلاً أم راكباً بأي وسيلة نقل كانت، واكتسبت شهرتها من البناء الذي يتصدر الساحة ألا وهو مبنى محطة الحجاز، وهو من أهم الأعمال المعمارية التي أقامها الإسباني فيرناندو دي أراندا بدمشق ولم تزل ماثلة إلى يومنا هذا تروي لنا جزءاً من تاريخ مدينة عتيقة قديمة اسمها دمشق. 
محطة الحجاز:
يروى أن رئيس معماريّي الخط الحجازي طلب من فيرناندو الحضور إلى دمشق للمشاركة في مسابقة تصميم وتنفيذ محطة الحجاز في منطقة القنوات. حضر فيرناندو إلى دمشق وتقدم إلى المسابقة التي تقدم لها العديد من المهندسين من جنسيات مختلفة، ونجح في الفوز بالمسابقة وعهد إليه بناء مبنى محطة الحجاز. 
ومحطة الحجاز الشهيرة بدمشق أنشئت على أرض كانت ملكاً لأسرة الملاّ ذات الجذور المغربية، وفي عام 1906م استملكت إدارة الخط الحجازي هذه الأرض ودفعت قيمتها آنذاك 800 ليرة ذهبية.
صمّمت محطة الحجاز عام 1912، وبنيت في العام 1917م. وهي من أجمل وأروع وأشهر أبنية دمشق، روعي في تصميم البناء بين الأصالة والحداثة، وقام فيرناندو بعد تصميم البناء بالإشراف على تنفيذه، وقام أبو أمين الدهان، بتصميم الزخارف الداخلية وبتنفيذها” حسبما يذكر عفيف البهنسي “. وعني هذا الطراز باستعمال العناصر المعمارية التقليدية كالقوس والعمود، وبالزخارف الحجرية في الواجهات.
بناء العابد:
يقع بناء العابد في ساحة المرجة، والذي لا يزال قائماً حتى الآن، هو من أضخم وأشهر الأبنية الأثرية، ومن أوائل الأبنية الحديثة في دمشق التي تشهد على عبقرية فيرناندو دي أراندا في دمشق إضافة لبناء محطة الحجاز. 
بناء العابد أشاده أحمد عزت العابد حين قام بشراء قصر والي دمشق كنج باشا وهدمه وكلف فيرناندو بإشادة فندق ضخم مكانه.
قام فيرناندو بتصميم هذا الفندق وأشرف على تنفيذه فجاء آية في الجمال والروعة وهو على الطراز الألماني.
يتألف البناء من أربعة طوابق، وأنشئ على مرحلتين. ويقوم على أساسات من أوتاد خشبية بطول 2.5م، وجدرانه من الآجر المكسو بالحجر، وللمبنى مدخلان رئيسيان وخمسة مداخل ثانوية، ويحيط المبنى بساحة سماوية يتم الوصول إليها عبر مدخلين، ومنها يصل إلى الطابق الأول بأدراج كبيرة، وحولها مخازن، وغطي سطح البناء الجملوني بالقرميد.
ويحوي الطابق الأول قاعة مركزية ذات قبة وهي محاطة بمجموعة غرف.
أما أحمد عزت العابد (1851-1924م) فهو والد رئيس أول رئيس للجمهورية السورية، وكان قد عيّن كاتباً في مجلس إدارة الولاية زمن الاحتلال العثماني، وما لبث أن تولى رئاسة محكمة التجارة في دمشق، ثم تولى تفتيش العدلية في دمشق, ومنها انتقل إلى رئاسة المحاكم التجارية المختلطة في استانبول. ومن ثم أصبح من المقربين للسلطان عبد الحميد الثاني فعيّن عضواً في مجلس شورى الدولة وأصبح 
ثاني أمناء السر للسلطان.
اهتم العابد بالمشاريع في بلاد الشام، ومن أهمها مد الخط الحديدي الحجازي، إذ أقنع السلطان بأهمية هذا المشروع وقيل إنه أنفق على هذا المشروع من ماله الخاص، كما اهتم بمد خط الترامواي وإنارة دمشق بالكهرباء. 
يعتبر بناء العابد سجلاً تاريخياً لمدينة دمشق، فهو أنشئ كفندق في بادئ الأمر ومن ثم تحوّل إلى ثكنة عسكرية خلال الحرب العالمية الأولى، حيث جعله الأتراك نزلاً للعساكر، وكان مقرّاً للمؤتمر السوري الأول عام 1919م ( أول برلمان لبلاد الشام)، ومقراً أيضاً للجنرال غورو عند دخوله دمشق عام 1920م، ومقراً لمديرية شرطة العاصمة حيث شهدت إحدى غرفه مكوث الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين لعدة ساعات ينتظر الإجراءات القانونية السابقة لإعدامه وذلك عام 1965.
ألغاز حول فيرناندو: 
يقول ” أليخاندرو لاغو ” و” بابلو كارتاخينا ” مؤلفا كتاب ” فيرناندو دي أراندا”: “فيرناندو دي أراندا شخصية غامضة مطوقة بالضباب” فالمتابع لسيرة حياة فيرناندو تعترضه العديد من الأسئلة التي لا يحصل على جواب لها!؟ 
هل كان فيرناندو مهندساً معمارياً ويحمل شهادة جامعية؟
لم يحسم أمر فيرناندو إن كان يحمل شهادة في الهندسة المعمارية، أو هو مجرد رسام هندسي ولكنه يمتلك الخبرة الكبيرة في التصميم والعمل المعماري وهنالك من يقول: ” نجهل حقيقة إذا ما كان قد تابع الدراسات العليا في الفنون الجميلة أو في الهندسة المعمارية “
ويشير كتاب ” فيرناندو دي أراندا ” الصادر عن السفارة الإسبانية بدمشق عام 2005 م، أن فيرناندو كان يتقاضى أجراً شهرياً ما بين عامي 1949م و1950م يبلغ ستمائة ليرة سورية، وهذا المبلغ هو راتب رسام هندسي آنذاك وليس راتب مهندس معماري بخبرة وعبقرية فيرناندو؟ وراتبه المتدني هذا كان يزيد الشك بأنه لم يحصل على شهادة في الهندسة.
كما يشير أيضاً هذا الكتاب إلى أن: ” ليس من الأكيد أن دراساته في استنبول كانت تضم الهندسة المعمارية، ولكننا فقط نعلم أنه كان يدرس الفنون الجميلة كمختص في التصميم…. ولكن لا توجد أي مستندات أو وثائق تثبت بأنه قد حاز على شهادة جامعية من استنبول أو من أي بلد آخر “. 
وهنالك أيضاً تساؤل حول زواجه، فلو عدنا إلى سيرة حياته المعروفة حتى الآن نقرأ، أنه تزوج للمرة الأولى من السيدة زنوبيا اليونانية الجذور حوالي عام 1910، وتزوج للمرة الثانية عام 1927 م من السيدة صبرية التركية الجذور، في عام 1936م حصل انفصال غادرت على إثره زوجته الأولى دمشق إلى بيروت وبنفس العام ذهب فيرناندو مع زوجته الثانية صبرية إلى حيفا واعتنق الإسلام هناك، في عام 1952 م توفيت زوجته زنوبيا، بقي زواج فيرناندو من صبرية من عام 1927 م إلى عام 1954م غير مثبت، ففي عام 1954م ذهب فيرناندو إلى السفارة الإسبانية وقام بتثبيت زواجه من صبرية، لذا هنالك مصادر تذكر أن الزواج من صبرية كان عام 1954م وليس عام 1927م؟ وكان في مدينة حيفا حيث اجتمع صدفة معها في المحكمة الإسلامية؟ 
وأيضاً نتساءل لماذا ابتعد فيرناندو عن الحياة العامة؟ فمنذ عام 1940م بدأ فيرناندو يبتعد عن الحياة العامة؟ وبدأت مخططات الأبنية التي عمل بها فيرناندو تظهر دون توقيعه؟ وهنا يطرح أكثر من تساؤل؟؟ وتقول المهندسة البلجيكية كارمن سير انو دي آرو مارتينيز : ” في نهاية حياة أراندا أضاف تساؤلات جديدة إلى سيرة حياته حيث أنه في عام 1940 ظهرت مخططات لأبنية لا يشك أحد في انتسابها إلى أراندا دون توقيعه بالأحرف الأولى من اسمه… ” وتتابع بالقول: ” ابتعد عن الحياة العامة نتيجة أسباب شخصية، ولعل الأبرز منها هو زواجه الثاني في عام 1954. من امرأة تركية كان قد اجتمع بها في المحكمة الإسلامية في حيفا، ربما هذا الزواج لم يحظ بالنجاح.. “. 
وما يلفت النظر في سيرة فيرناندو هو اعتناقه للدين الإسلامي، وتغيير اسمه إلى محمد، ولكن لم يكتب هذا الاسم على شاهدة قبره في مدفن باب صغير؟! 
وفي أيامه الأخيرة حين كان نزيل مشفى الإيطالي طلب الغفران من صورة السيدة مريم العذراء، وطلب كاهناً اختلى به في غرفته وهو على فراش الموت؟! ولكن توفي ودفن في المقابر الإسلامية؟! 
كما تذكر المهندسة البلجيكية كارمن سير انو دي آرو مارتينيز أيضاً أمراً ملفتاً للنظر حينما تتهم رؤساء فيرناندو بالعمل أنهم كانوا يحاولون طمس اسمه من دمشق!؟: “رؤساؤه الذين كانوا يحاولون محو اسمه من الذاكرة المعمارية لمدينة دمشق”. 
ويبقى فيرناندو دي أراندا الذي أهدى شهرته وسمعته إلى مدينة دمشق أحد ألغاز دمشق!؟ 
وفاته:
في أواخر عام 1969م تأزم مرضه القديم الذي بدأ يعاني منه منذ عام 1932م، فلازم فراش المرض في بيته في حي المهاجرين بعناية زوجته صبرية، وفي شهر تشرين الثاني من نفس العام أدخل إلى المشفى الإيطالي وهو في حاله مرض شديد، وروي أنه كان يطلب الغفران من صورة السيدة مريم العذراء الموجودة في غرفته رقم “7” في المشفى، وأنه طلب حضور كاهن إلى غرفته. 
ازداد المرض على فيرناندو ورأى أطباء المشفى أنه لا مجال للشفاء، فخرج من المشفى إلى منزله في المهاجرين، ورحل إلى رحاب الله يوم السبت الواقع في 27 كانون الأول الساعة السابعة صباحاً من عام 1969م عن عمر يناهز الواحد والتسعين عاماً، وفي اليوم التالي، صُلي على روحه في جامع المرابط، وتمَّ دفنه في المدافن الإسلامية في مقبرة باب صغير وقبره معروف حتى الآن وكتب على الشاهدة: “المرحوم فيرناندو دي أراندا المتوفى في شهر كانون الأول من عام 1969م”.
وبعد: 
الفنان والمعماري والمبدع الإسباني المولد والدمشقي الهوى فيرناندو دي أراندا هو أحد ألغاز دمشق التي تختزن التاريخ، وتحكي أحجارها وسماؤها عن أسرارها..
فيرناندو دي أراندا الذي قدم لدمشق عن عمر يناهز الثلاثين عاماً، وغادرها جسداً عن عمر يناهز التسعين عاماً، ولم تزل روحه تطوف في حواري وأزقة دمشق ترسم الفل والياسمين ليعربش على أوابدها وإبداعاته ليقول من هنا مر فيرناندو دي أراندا، من هنا مر محمد دي أراندا القادم من بلاد الأندلس.
المصادر: 
مقالتي في مجلة الأزمنة عام 2008 م، كتاب فيرناندو دي أراندا، أرشيفي الخاص.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق