شهادات ومذكراتسلايد

أمين أبو عساف: أسباب الثورة السورية الكبرى 1925

  •   
  •   
  •   

هناك أسباب كثيرة مباشرة وغير مباشرة أدت إلى تفجر الثورة السورية الكبرى وهي مذكورة في كثير من المصادر، فبذور هذه الثورة وجدت منذ بداية الاحتلال الفرنسي لسورية .. فلقد أرسل سلطان باشا الأطرش أحد مبعوثيه للاتصال مع الملك فيصل وذلك بعد مغادرته دمشق، وطلب منه الحضور إلى الجبل والبدء مقاومة الاحتلال الفرنسي انطلاقاً منه إلا أن الملك فيصل اعتبر ان الوقت قد فات للقيام بمثل هذه الخطوة. ومنذ ذلك الحين والأحداث تتفاعل.

خلال عام 1924 وبعد وفاة الأمير سليم الأطرش حاكم الجبل حدث خلاف بين زعماء آل الأطرش حول من يخلفه وكان هناك ثلاثة مرشحين من آل الأطرش وهم الأمير حمد وعبد الغفار ومتعب بك..

استغل الفرنسيون هذا الخلاف وحاولوا تثبيت وانتخاب الكابتن كاربيه حاكماً أصيلاً على الجبل، وبما أن المجلس التمثيلي المعين أصلاً من قبلهم لم يؤيد ذلك، قاموا بحله، وحاولوا انتخاب مجلس جديد على مرحلتين.

يقوم السكان بانتخاب الأعضاء الثانويين في المرحلة الأولى، وهؤلاء بدورهم يقومون بانتخاب أعضاء المجلس التمثيلي بالمرحلة الثانية.

إن غاية الفرنسيين من هذا الإجراء الحصول على مجلس من أعوانهم، فأوعز الكابتن كاربيه إلى عملائه لترشيح أنفسهم، وكانت الانتخابات تجرى في القرى بحضوره، شخصياً ليقوم بالضغط على السكان لتمرير المخطط.

مثالاً على ذلك فقد حضر الكابتن كاربيه إلى قريتنا “سليم” وجمعوا سكان القرية لهذه الغاية. وطلب من والدي الشيخ “حمد أبو عساف” أن يرشح نفسه للمرحلة الأولى حتى يتم إبعاده من الوصول إلى المجلس التمثيلي، فأجابه والدي بأنه قد ترشح إلى المجلس التمثيلي والكابتن يعرف ذلك…

جرت الانتخابات للمرحلة الأولى ومن ثم انتخابات المرحلة الثانية حيث ضغطوا على والدي كي ينسحب لصالح مرشحهم فأبى؟ وبالانتخاب فاز بعضوية المجلس.. لم يتمكن الفرنسيون من تحقيق مآربهم، لأن المجلس الجديد لم يخضع للضغوطات الكبيرة التي وجهت إليه، ولم يقم بتثبيت الكابتن كاربيه حاكماً للجبل. وبقي يمارس عمله حتى اندلاع الثورة.

في الأول من أيار 1925، غادر حاكم الجبل بالوكالة الكابتن كاربيه إلى فرنسا بإجازة مدتها ثلاثة أشهر وعين وكيلاً عنه الكابتن رينو، وخلال غيابه شعر السكان وأعضاء المجلس بحرية أكثر، فبدأوا بكتابة العرائض وإرسال الوفود إلى المندوب السامي يصفون أعماله ويطالبون بعدم إعادته إلى الجبل.. في داخل المجلس رفض أربعة أعضاء التوقيع على عريضة إقصاء الكابتن كاربيه وأيدوا بقاءه.

في الثالث من تموز 1925، وخلال انعقاد الدورة العادية للمجلس التمثيلي قام أهالي السويداء بالتجمع أمام دار الحكومة، وعند خروج الأعضاء المعارضين الأربعة الذين لم يوقعوا على عرائض الاحتجاج، هاجموهم وأهانوهم بالكلام والضرب.. تدخل اليوتنان “موريل” مع قوة من الدرك محاولاً تفريقهم، فلم يتمكن وحدثت اشتباكات استخدمت فيها العصي والحجارة من الجانبين… تدخل عدد من الوجهاء والنواب الآخرين وفرقوا المظاهرة، وعملوا من أجل التسوية مع السلطة، إلا أن الحالة لم تهدأ!! فحضرت قوة من الجيش الفرنسي ووضعت حراسة مشددة على دار الحكومة. وقامت الدوريات المصفحة بالتجول في شوارع المدينة.

بعد ذلك قامت السلطات الفرنسية بعزل الكابتن “رينو” من منصبه وعينت مكانه الكومندان “توما مارتان” وحضرت لجنة للتحقيق بأعمال الكابتن كاربيه.

طلبت السلطات الفرنسية من بعض زعماء الجبل الحضور إلى دمشق للتشاور معهم إلا أنها قامت مباشرة بنفيهم إلى مناطق نائية مثل “تدمر – الحسكة – الميادين”، وفرضت عليهم الإقامة الجبرية، وكان “سلطان باشا الأطرش” من المطلوبين للذهاب إلى دمشق إلا انه تخلف ولم يلب الدعوة، وبدأ بجولة مع فرسان القريا وغيرهم من القضاء الجنوبي للتحضير للثورة، فزار كلاً من “ملح” و “متان” و “عرمان” وقام ومن معه من الفرسان تتقدمهم البيارق بمهاجمة مركز القضاء في “صلخد” وأحرقوا مقر المستشار ومركز القضاء.

أرسلت القيادة الفرنسية من السويداء قوة مؤلفة من سرية مشاة معززة بالفرسان لإلقاء القبض على “سلطان باشا الأطرش” فخيمت في طريقها على نبع الكفر، وعندما علم سلطان باشا بتحركها لاقاها بسرعة مع القوة التي معه إلى الكفر هاجمها وقضى عليها بالسلاح الأبيض، وكان ذلك في الحادي والعشرين من تموز 1925. بعد هذه المعركة مباشرة تحصنت القوة الفرنسية الباقية في قلعة السويداء وانسحب جنود الجبل إلى قراهم.

بعد معركة الكفر التي قام بتنفيذها أبناء القضاء الجنوبي رغب “سلطان باشا الأطرش” أن تعم الثورة كل أنحاء الجبل.

وبالاتفاق مع الشيخ “أحمد الهجري” دعي إلى اجتماع عام تم عقده في قرية “قنوات” المقر الروحي ، وضم ممثلين عن كل أبناء الجبل، وقرر المجتمعون إشعال نار الثورة ضد الفرنسيين حتى جلائهم التام عن أرض الوطن.

رغب “سلطان باشا” القيام بجولة في القضاء الشمالي مع وجهاء الجبل كما فعل في الجنوب فزاروا “شهبا” وبعض مراكز النواحي حيث جرت اجتماعات عامة شملت أبناء القضاء وتقرر فيها الاشتراك بالثورة حتى الجلاء التام عن أرض الجبل.

بعد أيام جرت معركة المزرعة والتي استمرت ثلاثة أيام متتالية، وفي الثالث من آب 1925 انتصر الثوار وقضوا على جيش الجنرال “ميشو” بكامله وغنموا كل أسلحته من مدفعية ورشاشات وبنادق، وتم أسر المئات من جنود العدو، أما الجنرال “ميشو” وعدد قليل معه فقد انسحبوا بالمصفحات من أرض المعركة.

هذا الانتصار أيقظ الهمم، فسارع رجال السياسة الوطنيون من سورية ولبنان إلى جبل الدروز من أجل الاتصال والتنسيق مع سلطان باشا الأطرش ورفاقه.

وفي اجتماع عقد في قرية ” عرى” وضم زعماء الثورة في الجبل مع الزعماء الذين قدموا إليه ومنهم الدكتور “عبد الرحمن الشهبندر” و”نسيب البكري” و”نبيه العظمة” والشيخ”محمد حجازي”، وغيرهم، ومن لبنان الأمير “عادل أرسلان” و”فؤاد سليم” و”عادل بك النكدي” و”رشيد بك طليع” وغيرهم قرروا ما يلي:

يطلق على هذه الثورة اسم الثورة السورية الكبرى، وانتخبوا “سلطان باشا الأطرش” قائداً عاماً لها، وأكدوا على ضرورة انتشار هذه الثورة لتشمل كل أنحاء الوطن وتحقيق الوحدة السورية، وتمسكوا بمبدأ أنه لا يجوز إجراء صلح منفرد مع أحد الأطراف المشتركة مالم تتحقق كل هذه الأهداف.

أرسلت السلطات الفرنسية الوفود من سورية ولبنان إلى الجبل لبحث الصلح فرفض “سلطان باشا الأطرش” الصلح المنفرد وطالب بجلاء فرنسا التام وتحقيق الوحدة  السورية.. ولكي تعم الثورة كل أنحاء سورية كما نص الاتفاق سُيرت قوات من الجبل إلى دمشق ولكنها لم تتمكن من اختراق الحماية المشددة من قبل القوات الفرنسية وعادت بعد ان خاضت معارك عديدة أثناء سيرها مع القوات البرية الفرنسية والطيران.

أما القوة التي اتجهت إلى منطقة “قلعة جندل” و”عرنة” فقد انضم اليها سكان هذه القرى وجوارها وهاجموا مراكز الجيش الفرنسي في “قطنا” فلم ينجحوا، وبعدها هاجم الجيش الفرنسي هذه القرى وأجبر المجاهدين على الانسحاب منها.. بالنسبة للقوة التي اتجهت إلى “مجدل شمس” فقد انضم إليها أيضاً سكان المنطقة وتابعوا جميعاً إلى “حاصبيا” و”راشيا” وتمكنوا من احتلال هذين الموقعين وجوارهما لعدة أشهر بمساعدة سكانها، ثم اضطروا إلى العودة بعد أن قام الجيش الفرنسي وبقوى كبيرة برية وجوية بالهجوم على مواقعهم[1].

[1] أبو عساف (أمين)، ذكرياتي، دمشق 1996، صـ 17-20.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق