مقالاتسلايد

د. سامي مبيض : أين ذهب أرشيف عبد الناصر السوري؟

 
 
 

د. سامي مبيض – صحيفة الأهرام *

لم يكن المشير عبد الحكيم عامر يُدرك أن 28 أيلول 1961 سيكون آخر يوم له فى سوريا، وأن انقلاباً عسكرياً سيطيح به وبجمهورية الوحدة التى شارك بصنعها وبحكمها مع صديقه الرئيس جمال عبد الناصر، وتحمل الجزء الأكبر من أوزار فشلها. غادر دمشق فى الساعة الخامسة والنصف من ذلك المساء، ولم يأخذ معه إلا ممتلكاته الشخصية، تاركاً الكثير من الأوراق والمراسلات والمستندات الرسمية، والتى عثر لاحقاً على القليل المبعثر منها فى منزله بحى المالكى وفى مكتبه فى الأركان العامة بساحة الأمويين، وفى القصر الجمهورى فى شارع أبو رمانة، المعروف بقصر الضيافة، والذى كان الرئيس عبد الناصر يقيم به عند زيارته سوريا، والذى أعلن من شرفته عن تأسيس الوحدة عام 1958. جميع تلك الأمكنة خالية تماماً اليوم من أى وثيقة تاريخية تتعلق بزمن الوحدة، والقائمون عليها لا يعرفون مصير تلك الأوراق. هل أتلفت فى عتمة الانقلابات العسكرية التى عصفت بسوريا منذ ذلك التاريخ أم انها فُقدت فى مستودعات الدولة؟ أو هل تم نقلها إلى مكان آمن، ضاع عنوانه مع مرور الزمن؟..

الكثير من تلك الوثائق حُرقت أو سُرقت فى الأيام الأولى لانقلاب عام 1961، وتمّ تهريب بعضها إلى مصر مع شخصيات عسكرية سورية قررت عدم البقاء والعيش فى دمشق فى زمن الانفصال، كقائد الجيش الأول الفريق جمال فيصل الذى غادر سوريا على متن طائرة المشير، ووزير الرئاسة أيام الوحدة جادو عز الدين، المقيم فى القاهرة منذ ذلك التاريخ، والمقدم عبد الحميد السراج، نائب الرئيس عبد الناصر الذى انتقل إلى مصر بعد هروبه من سجن المزة العسكري، وعاش فيها حتى وفاته فى أيلول 2013. جميع الوزراء العسكريين ذهبوا فوراً إلى مصر، جمال الصوفى وطعمة العودالله وأحمد حنيدى وأكرم الديري، ومعهم العقيد محمد الاستنبولى رئيس شعبة المخابرات الذى رُحل ترحيلاً، ولا نعرف تماماً ما هى الوثائق والأوراق التى اخرجت معهم. صدر يومها قرار رسمى من وزير الإعلام مصطفى البارودى بمنع عرض خطابات الرئيس المصرى المصورة على شاشات التليفزيون السوري، وبنقل أشرطتها فوراً إلى المستودعات للحفظ، ليتم مسحها بعد أيام قليلة وتسجيل برامج منوعة عليها، بحجة أن الجهات المصرية قطعت عن السوريين أشرطة التسجيل فى الساعات الأولى من الانفصال. مُسحت جميع التسجيلات الصوتية المتعلقة بالوحدة من إذاعة دمشق، وضم الإتلاف خطابات الرئيس السورى الراحل شكرى القوتلي، صانع الوحدة مع عبد الناصر وحامل لقب االمواطن العربى الأول. ضاع التسجيل الأصلى لوصول عبد الناصر إلى دمشق فى شباط 1958، والذى أظهر الحفاوة الرهيبة التى استُقبل بها «أبو خالد» فى عاصمة الأمويين، ولم يبق منه إلا بعض الثوانى المسجلة فى المؤسسة العامة للسينما حتى اليوم. وأخيراً تم تمزيق كل الصور وتحطيم التماثيل، واختفت كل الأوراق الرسمية التى تحمل توقيع جمال عبد الناصر،« من مراسيم وتعيينات ونقل ضباط وتسريح موظفين.

بعد سنوات قليلة ظهر بعضها للبيع المتفرق فى محال «الأنتيكا» خلف الجامع الأموى الكبير فى مدينة دمشق القديمة. فى مجلس النواب السوري، حُزمت محاضر الجلسات القديمة، ومنها الجلسة التاريخية لإقرار الوحدة، وتلك الجلسة المشتركة التى تمت بحضور الرئيس أنور السادات عندما كان رئيساً لمجلس الأمة عام 1957، وقبل سنوات قليلة من اندلاع الحرب الحالية تم نقلها إلى مستودع فى غوطة دمشق، قضت عليه نيران المعارك منذ نحو أربع سنوات.

الموضوع خطير ويستحق المتابعة، ليس فقط فيما يتعلق بالوحدة بل بكل التاريخ المشترك بين سوريا ومصر. أين هى مراسلات السوريين مع مصطفى النحاس باشا؟ أين هى مراسلات تأسيس جامعة الدول العربية أو جميع الأوراق والخرائط العسكرية والمراسلات السرية المتعلقة بالعمل المشترك بين الجيشين السورى والمصرى خلال حرب فلسطين عام 1948؟ أين محضر لقاء حسنى الزعيم، صانع الانقلاب السورى الأول، مع الملك فاروق فى نيسان 1949؟ ماذا عن علاقة حكام سوريا بالضباط الأحرار بعد ثورة 1952؟ ماذا عن المراسلات الأمنية المتعلقة بنشاط الإخوان المسلمين فى سوريا ومصر إثر محاولة اغتيال الرئيس عبد الناصر فى الإسكندرية أو الكم الهائل من الوثائق المتعلقة بتأميم القناة والعدوان الثلاثي؟.

الجواب، ببساطة، أنها لم تعد موجودة فى سوريا. ضاعت أو أتلفت أو تلفت، غير مهم. المهم أنها غير موجودة اليوم فى دمشق ولا نعرف مصيرها فى مصر. معظمها قد ضاع نتيجة الإهمال والفوضى المترافقة مع الانقلابات العسكرية المتتالية فى دمشق، وجاءت الحرب الأخيرة لتحصد ما تبقى من الأرشيف السورى، ومن المصادفة أن يكون ذلك فى نفس المدن السورية التى زارها عبد الناصر والتى تعرضت لخراب كبير فى السنوات الماضية، مثل حمص ودير الزور وحلب والحسكة والقامشلى ودرعا. يوجد بعض الأوراق المتبقية فى المكاتب الخاصة للقلة القليلة من المسئولين الأحياء المقيمين فى دمشق، كأمر سلاح الطيران فى زمن الوحدة اللواء وديع المقعبري، والقاضى عبد الله الخاني، أمين عام الرئاسة السورية فى الخمسينيات الذى شارك بمفاوضات الوحدة وعين سفيراً فى زمن الرئيس عبد الناصر، وأحمد عبد الكريم، الوزير المركزى للشئون البلدية والقروية فى الجمهورية العربية المتحدة، إضافة طبعاً لما تبقى من ضباط الانفصال، وعلى رأسهم قائد المجموعة المقدم عبد الكريم النحلاوي، المقيم خارج البلاد منذ عام 1963. بالرغم من الآراء المتضاربة حول تجربة الوحدة، التى تأتى ذكراها الستون بعد أسابيع قليلة، يجب الحفاظ على ما أمكن من أوراقها وأرشيفها، بتعاون مشترك بين سوريا ومصر، والأخذ بشكل علمى بشهادة من تبقى شاهداً حياً عنها، قبل فوات الأوان.

* نشر في العدد 47899 السنة 142، الصادر في السبت 10 من جمادي الأولى 1439 هــ 27 يناير 2018  

 أحداث التاريخ السوري بحسب الأيام


 أحداث التاريخ السوري بحسب السنوات


 
 
 
سورية 1900 سورية 1901 سورية 1902 سورية 1903 سورية 1904
سورية 1905 سورية 1906 سورية 1907 سورية 1908 سورية 1909
سورية 1910 سورية 1911 سورية 1912 سورية 1913 سورية 1914
سورية 1915 سورية 1916 سورية 1917 سورية 1918 سورية 1919
سورية 1920 سورية 1921 سورية 1922 سورية 1923 سورية 1924
سورية 1925 سورية 1926 سورية 1927 سورية 1928 سورية 1929
سورية 1930 سورية 1931 سورية 1932 سورية 1933 سورية 1934
سورية 1935 سورية 1936 سورية 1937 سورية 1938 سورية 1939
سورية 1940 سورية 1941 سورية 1942 سورية 1943 سورية 1944
سورية 1945 سورية 1946 سورية 1947 سورية 1948 سورية 1949
سورية 1950 سورية 1951 سورية 1952 سورية 1953 سورية 1954
سورية 1955 سورية 1956 سورية 1957 سورية 1958 سورية 1959
سورية 1960 سورية 1961 سورية 1962 سورية 1963 سورية 1964
سورية 1965 سورية 1966 سورية 1967 سورية 1968 سورية 1969
سورية 1970 سورية 1971 سورية 1972 سورية 1973 سورية 1974
سورية 1975 سورية 1976 سورية 1977 سورية 1978 سورية 1979
سورية 1980 سورية 1981 سورية 1982 سورية 1983 سورية 1984
سورية 1985 سورية 1986 سورية 1987 سورية 1988 سورية 1989
سورية 1990 سورية 1991 سورية 1992 سورية 1993 سورية 1994
سورية 1995 سورية 1996 سورية 1997 سورية 1998 سورية 1999
سورية2000

سامي مروان مبيض

الدكتور سامي مروان مبيض تولد دمشق عام 1978 ، كاتب ومؤرخ ورئيس مجلس أمناء مؤسسة تاريخ دمشق

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي