قضايا

سورية والاتفاق الإسرائيلي – اللبناني في 17 أيار 1983

سورية والاتفاق الإسرائيلي – اللبناني في 17 أيار 1983م

جاءت المفاوضات بعيد الاجتباح الاسرائيلي الى لبنان الذي جرى في السادس حزيران عام 1982م، حيث عبرت أربع طوابير إسرائيلية ودخلت الأراضي اللبنانية، و في اليوم التالي السابع من حزيران اتسعت العمليات العسكرية الإسرائيلية وقامت القوات الاسرائيلية بفرض حصار على صيدا وتم الاستيلاء على قلعة الشقيف.

 في يوم الثامن من حزيران  قررت الحكومة الإسرائيلية أن تتوسع في عمق لبنان وذلك بهدف تهديد الوجود السوري، مما أدى إلى حدوث معركة جويه فوق بيروت بين القوات السورية والقوات الإسرائيلية، وتقدم الجيش الإسرائيلي نحو الطريق الرئيسي بين بيروت ودمشق، ولكن بسبب الضغط الدولي على إسرائيل تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار غير أن إسرائيل قامت بإعلان أن هذا الاتفاق ينطبق على السوريين وليس على القوات الفلسطينية، واستمرت إسرائيل في قصفها لبيروت.

ثم قام الجيش الإسرائيلي بمحاصرة بيروت الغربية، وفي يوم  الثالث عشر من حزيران وصل الجيش الإسرائيلي إلى جوار مدينتي بعبدا، والبرزه، وتم عزل الفلسطينيين عن الوحدات الرئيسية للجيش السوري.

وفي الرابع والعشرين من حزيران 1982 أعلن بشير الجميل ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، وبدأت إسرائيل تكمل مخططها وذلك من خلال إقامة حكومة لبنانية تديرها وانتخاب بشير الجميل رئيسا للبلاد، ولكن الجميل واجه معارضة قويه من القيادات الإسلامية في بيروت الغربية، في حين أنه فاز في هذه الانتخابات بدعم من إسرائيل، وبعد فوزه بيومين بدأ خروج المنظمات الفلسطينية والجيش السوري من بيروت، وفى الثلاثين من آب 1982 غادر ياسر عرفات بيروت.

 قامت الحكومة اللبنانية بتشكيل لجنة الخلاص الوطني في 14 حزيران 1982 برئاسة الرئيس اللبناني إلياس سركيس، واقترحت هذة اللجنة إحلال الجيش اللبناني محل القوات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت الغربية،

كذلك قامت الأحزاب السياسية في لبنان مثل حركة أمل، بمحاربة إسرائيل وتحملت خسائر عديدة، ولكنها  بعد ذلك ألقت سلاحها تخوفا من تدمير الأحياء الشيعية خلال حصار بيروت.

كما جرى اغتيال الرئيس بشير الجميل في الرابع عشر من أيلول عام 1982.

المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية:

عقدت 35 جلسة مفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية بين 28 كانون الثاني والثالث من أيار 1983م.

ترأس الوفد اللبناني السفير “أنطون فتال” وضم الوفد كلاً من : (القاضي أنطون بارود، السفير إبراهيم خرما، العميد عباس حمدان، العقيد سعيد القعقور، العقيد منير رحيم).

كان على جدول أعمال جلسات المفاوضات ثلاثة موضوعات رئيسية:

– انسحاب القوات الأجنبية من لبنان.

– الترتيبات الأمنية.

– مستقبل علاقات البلدين بعد تطوير “اتفاق الهدنة” لعام 1949م.

وضمن هذه العناوين الرئيسة كانت هناك ملفات تناولت التطبيع ودور “سعد حداد” في التسوية، وشبكات الانذار، وإنهاء الوجود الفلسطيني في لبنان، والانسحابات الإسرائيلية والسورية، والضمانات الأميركية لكل من البلدين  والتبادل الاقتصادي والسياحي.

بالتزامن مع المفاوضات كانت إعادة مد الجسور بين سورية ولبنان أكبر تحد واجهه الرئيس “أمين الجميل”. فسورية لم تكن قد نسيت بعد أحداث الفياضية وزحلة وهزيمتها في بيروت وركوب الموارنة على الحصان الإسرائيلي.

أرسل “أمين الجميل” جان عبيد المقرب من سورية، مرات عدة إلى سورية قبل الشروع في المفاوضات اللبنانية مع إسرائيلم، وذلك لاستجلاء موقفهم من تلك المفاوضات، ولكن كان “جان عبيد” يعود إلى بيروت دون أن يحمل أجوبة محددة.

وخلال المفاوضات لم يشعر الجانب اللبناني أن القيادة السورية تعارض الدور الأميركي ولا المفاوضات مع إسرائيل، لكن هذا الموقف سرعان ما تبدل مع تصاعد وتيرة المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، ومتابعة السوريين لها.

إقرار الاتفاق :

أقر الكنيست الاتفاق اللبناني الإسرائيلي بالأكثرية، وتم افتتاح المناقشة السياسية فيما يتعلق بالاتفاقية ببيان للحكومة الإسرائيلية ثم تلاه وزير الخارجية اسحاق شمير، مشددا علي أن إسرائيل ” لن تسلم بسيطرة عناصر غريبه على لبنان لتحاول مره اخرى، تحويله إلى قاعدة ضد إسرائيل” وذكر أن هذه مصلحة مشتركة بين لبنان وإسرائيل.

كما تم الاتفاق على أن ترتيبات الأمن تقوم على أساس إخلاء لبنان من المخربين ومن الجيش السوري، وأن يكون انسحاب قوات إسرائيل إلى الحدود الدولية مشروطا بإعادة كل الاسري والمفقودين وأيضا جثث القتلى الإسرائيليين، وان هذه الشروط إذا لم تتحقق فسيعد الاتفاق معلقا، وسيكون لإسرائيل الحق في التصرف وفقاً لما تراه ملائما وبما يتفق مع مصالحها.

 الموقف السوري من الاتفاق:

بعد الإعلان عن اتفاق رفض “عبد الحليم خدام” وزير الخارجية السورية الاتفاق وحذر أيضًا من نشوب نزاع عسكري أوسع نطاقًا بين بلاده وإسرائيل من القتال الذي دار في شرق لبنان في الصيف الماضي.

وأضاف خدام في تصريحات نقلتها صحيفة “الواشنطن بوست” أنه : بعد محادثات هنا بين الملك السعودي فهد والرئيس السوري حافظ الأسد بأن سوريا رفضت مسودة الاتفاق لأنها ستنهي حالة الحرب بين إسرائيل ولبنان، “وهذا يعتبر مسؤولية جميع الدول العربية وليس فقط لبنان “

وأطلق خدام تهديدًا ضمنيًا لإسرائيل بأن نزاعًا آخر بين الجيشين الإسرائيلي والسوري في لبنان لن يقتصر على الأراضي اللبنانية وأشار إلى أن عدد الضحايا سيكون أعلى بكثير من القتال الذي دار الصيف الماضي. وأضاف أنه في حين تتحمل سوريا مسؤولية الدفاع عن أراضيها الخاصة، فإنها تتوقع أن يقوم الاتحاد السوفيتي بتنفيذ جميع التزاماته المتعلقة بمعاهدة الصداقة السورية السوفيتية الموقعة في أكتوبر 1980

قال خدام إنه سيقيّد سيادة لبنان، وسيعطّل التزاماته العربية، وسيسمح لإسرائيل بالتدخل في لبنان من خلال زعيم الميليشيا سعد حداد، وسيسمح بتدفّق السلع الإسرائيلية إلى دول عربية أخرى عبر لبنان.

وقال في مقابلة مع صحفيين سعوديين محليين”لقد أبلغنا إخوتنا في لبنان برفضنا لهذا الاتفاق”

بدت تصريحات خدام مهمة بشكل خاص لأنها جاءت بعد انتهاء محادثات بين الملك فهد والأسد، حيث من المتوقع أن تطلب المملكة العربية السعودية على الأقل من سوريا أن تنظر بعناية في فوائد الحصول على انسحاب إسرائيلي من لبنان قبل أن تدين الاتفاق

لكن خدام انتقد الاتفاق علنًا، حيث وصفه بأنه “فرض” على لبنان من خلال الاحتلال الإسرائيلي للاراضي لااللبنانية

وفقًا لترجمة غير رسمية لتصريحاته، قال وزير الخارجية السوري إن الاتفاق يمنح إسرائيل “أفضلية” على جميع الاتفاقات الأخرى التي وقعتها بيروت مع حكومات عربية أخرى ويعطل “التزامات لبنان العربية” وفقًا لميثاق جامعة الدول العربية واتفاقية الدفاع العربية المشتركة

وأضاف أن الاتفاق يمثل “مخاطر كبيرة” على الاقتصاد والأمن في العالم العربي لأن لبنان سيصبح “البوابة” التي تتدفق من خلالها البضائع الإسرائيلية إلى دول عربية أخرى

وأشار إلى أن هذا الاتفاق يقيّد سيادة لبنان ويفرض ترتيبات أمنية مشتركة على أراضي لبنان، والتي يجب أن تكون وفقًا له لمسؤولية لبنان وحده

كما أضاف  إن إسرائيل ستظل قادرة على التدخل في لبنان من خلال حداد، الرائد اللبناني السابق في الجيش اللبناني الذي دعمه الإسرائيليون منذ فترة طويلة في جنوب لبنان والذي يتعين عليه وفقًا لمسودة الاتفاق أن يلعب دورًا دائمًا في ضمان أمن إسرائيل في منطقة حدودية خاصة هناك

وأشار إلى أن محاولة العثور على حلاً بين مبادرة السلام في الشرق الأوسط التي أعلنها الرئيس ريغان في 1 سبتمبر وخطة السلام العربية التي تم اعتمادها في فاس، المغرب، في نهاية ذلك الشهر كانت مستحيلة لأن الأولى تتعارض مع جميع القرارات العربية. بالإضافة إلى ذلك، قال إن مبادرة ريغان لا تلبي الحد الأدنى من مطالب الفلسطينيين بحق تقرير المصير في دولة مستقلة

محذرًا من احتمالية نشوب نزاع جديد بين إسرائيل وسوريا، قال خدام: “الإسرائيليون يعلمون أنه إذا نشبت حرب جديدة، فإن هذه المرة لن تقتصر على منطقة محددة وسيكون هناك مزيد من الأضرار والخسائر”.


الغاء الاتفاق

في يوم الخامس من آذار عام 1984  أعلن الرئيس اللبناني أمين الجميل إلغاء اتفاق 17 ايار وقطع العلاقات مع إسرائيل والبدء في التقرب من سورية.

وفي اليوم التالي السادس من آذار عام ١٩٨٤  تم الإعلان في إسرائيل عن إقدام لبنان من جانب واحد على إلغاء المعاهدة اللبنانية الإسرائيلية بعد عقدها بعشرة أشهر، وقد رفضت إسرائيل إلغاء المعاهدة وأكدت على أنه لن تكون هناك أي مفاوضات بديلة مع حكومة لبنان بشأن ترتيبات أمنية، وأنها سوف تقوم بنفسها بهذه الترتيبات.

 الإنسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية :

مع بداية عام 1984 شهدت لبنان عدد من الاحداث مثل زيادة أعمال العنف والاغتيالات في معظم المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل مما أدى إلى حدوث خسائر كبيرة في صفوف القوات الإسرائيلية، وكانت هذه البدايه لتقوم إسرائيل بتنفيذ القسم الثاني من انسحاب جيشها من مناطق الإقليم وشرقي صيدا وذلك عملا بقرار الحكومة الإسرائيلية، وفي يوم 17 فبراير 1985 انسحبت القوات الإسرائيلية من صيدا ومنطقة طريق بيروت – دمشق لتصل إلى الشريط الحدودي وبذلك تم إنهاء الاحتلال الناتج عن حرب 1982، بإستثناء احتفاظها بوجود عسكري في منطقة جزين، ثم قامت بإنشاء حزام أمني يمتد على طول الحدود وبعمق نسبته حوالي  8٪ داخل الأراضي اللبنانية.

 المراجع والهوامش:

(1) ستو (عبد الروؤف)، حرب لبنان،صـ 352

(2) معاهدة السلام بين إسرائيل و لبنان عام 1983 ( معاهدة 17 أيار)، المركز العربي الديمقراطي- 27 شباط 2022م- democraticac.de

(3) خدام يرفض اتفاق 17 أيار- https://khaddam.net/

(4) معاهدة السلام بين إسرائيل و لبنان عام 1983 ( معاهدة 17 أيار)، المركز العربي الديمقراطي- 27 شباط 2022م- democraticac.de

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى