الباحث عمرو الملاّح

عمرو الملاح: قصر والي حلب المشير جميل باشا- قناق الملاح

  •   
  •   
  •   

عمرو الملاح – التاريخ السوري المعاصر

صورة من مجموعة الرحالة وعالم الآثار والدبلوماسي الألماني ماكس فون اوبنهايم عن حلب تظهر قصر المشير جميل باشا (المعروف لاحقاً بــ”دار الحاكم مرعي باشا الملاح” ثم “قناق الملاح”) في حي الجميلية (السليمية)، الذي كان قائماً تجاه دار الوالي العثماني (ثانوية معاوية للإناث حالياً).

أولاً- بناء الوالي حسين جميل باشا قصره ونشأة حي الجميلية:

كان تشييد والي حلب العثماني المشير حسين جميل باشا (المتوفى سنة 1889) في أواخر عهد ولايته التي امتدت بين عامي 1879-1886 لقصره الفخم هذا إيذاناً بتطور هذا الحي الذي يعد من أوائل الأحياء الحديثة بحلب، وجعله مركزاً للتوسع العمراني الجديد؛ وذلك بعدما صدر مخططه التنظيمي الذي تضمنه أول مخطط طبوغرافي دقيق لمدينة حلب المنجز في عهد الوالي العثماني المصلح رائف باشا ورئيس بلدية حلب مرعي باشا الملاح في العام 1900. فقصده كبار الموظفين العثمانيين المعينون في المدينة أو “المبعدون” إليها، وأسر حلبية عريقة مثل آل الملاح الذين آلت إليهم ملكية (قصر المشير جميل باشا) لاحقاً على نحو ما سوف نفصله، وكذلك آل المدرس وآل الجابري وآل القدسي وآل الجزماتي وآل الميسر وآل فنصة وآل الوفائي وسواهم، إلى جانب أغنياء اليهود. 

وسرعان ما غلبت على هذا الحي تسمية “الجميلية” نسبة إلى الوالي المشير جميل باشا وقصره الفخم الذي شيده فيه، وإن كان اسمه الرسمي “السليمية” نسبة إلى الأمير سليم أفندي نجل السلطان عبد الحميد.

ثانياً- الأهمية المعمارية للقصر: 

عد الرحالة وعالم الآثار والدبلوماسي الألماني ماكس فون أوبنهايم في كتابه المرجعي (Oppenheim, Max Freiherr von, 1860-1946: Expedition in der Asiatischen Türkei 1899. [Salamia – Aleppo] Bd. 4, Berlin [um 1930) قصر الوالي المشير حسين جميل باشا أنموذجًا لفن العمارة الأوروبية الحديثة التي انتشرت منذ نهايات العصر العثماني في استانبول والحواضر العربية الكبرى.

وتظهر الصور الملتقطة للقصر، ولدي بضعة منها، أنه كان في الأصل مؤلفاً من طابقين، وتتميز واجهته باحتوائها على برجين متناظرين ما جعله أشبه بالقلعة منه إلى دار سكنية، كما كان يمتاز بسقوفه المائلة أو الجمالونية المصنوعة من القرميد الأحمر التي كانت تغطيه بمجمله، وتعلوها حجرة أو برجة (طيارة) ذات سقف جمالوني مصنوع من القرميد الأحمر أيضاً. 

ولئن قصرت المصادر التاريخية عن ذكر مصمم القصر المعماري، إلا أنني أعتقد أن المهندس الذي وضع تصاميمه هو الفرنسي شارتييه أفندي الذي كان يشغل منصب مهندس بلدية حلب في العقود الأخيرة من العهد العثماني، وذلك بدلالة طراز عمارته الأوروبي المحض بتأثيرات فرنسية. 

ومما هو جدير بالذكر أن شارتييه أفندي هو واضع أول مخطط طبوغرافي (تنظيمي) دقيق لمدينة حلب وقد سبقت الإشارة إليه، ومن آثاره أيضاً وضع تصاميم بناء برج ساعة باب الفرج الشهيرة، وسوى ذلك من أبنية حكومية فخمة.

ثالثاً- تسمية القصر بـ”دار الحاكم مرعي باشا الملاح”:

بعد رحيل المشير حسين جميل باشا سنة 1889 اختارت أسرته حلب موطناً لإقامتها لأسبابٍ محض اقتصادية ترجع إلى ملكياتها العقارية ضمن المدينة، ولا سيما في حي الجميلية ومنها هذا القصر، وما تمتلكه من مساحات واسعة من الأراضي، ومنها قرية قسطون التي آلت ملكيتها إلى الصناعي المعروف والنائب والوزير الحاج وهبي الحريري في الأربعينيات من القرن المنصرم.

ووفقاً للخبر الذي نشرته صحيفة “حلب: الجريدة الرسمية” في عددها الرقم (364)، الصادر في 1 ديسمبر/ كانون الأول من العام 1924، المتضمن إشهار تسجيل (دار الحاكم) الكائنة في محلة السليمية (الجميلية) في الدوائر العقارية (الطابو)، فقد ابتاع مرعي باشا الملاح حاكم دولة حلب العام هذا القصر من حامد بك أوراز نجل حسين جميل باشا؛ فصار يعرف منذ ذلك الحين باسم (دار الحاكم) في إشارة إلى مالكه الجديد رجل الدولة والزعيم السياسي مرعي باشا الملاح حاكم دولة حلب آنذاك. 

ويحدد الخبر المنشور في جريدة حلب الرسمية، وقد سبقت الإشارة إليه، مجاورات القصر بالعقارات التالية المكتب السلطاني (ثانوية المأمون حالياً)، ومكتب الإناث (ثانوية معاوية حالياً)، ودار الأيتام، ودار غير مكتملة (العاديات حالياً). 

رابعاً- تسمية القصر بـ”قناق الملاح”:

في مرحلة لاحقة ابتاع القصر من ورثة مرعي باشا الملاح المتوفى سنة 1930 ابنا أخيه الوجيهان المعروفان محمد صالح أفندي ومحمد فخر الدين أفندي الملاح، اللذين كانا من كبار ملاك الأراضي الزراعية، ولاسيما في ناحية الزربة التابعة لقضاء جبل سمعان بحلب ومناطق الجزيرة السورية؛ فتبدلت تسميته وأصبح يعرف منذ ذلك الحين باسم (قناق الملاح) إلى أن زال مؤخراً. 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن كلمة (قناق) تركية-عثمانية، وتعني السرايا الواسعة للباشا وذوي اليسار ممن لهم علاقات واسعة مع أهل الريف، ويُقصد بذلك أصحاب الملكيات الزراعية الضخمة.

وقام مالكا القناق الجدد من آل الملاح (الوجيهان محمد صالح أفندي ومحمد فخر الدين أفندي) بنزع سقوفه الآجرية الحمراء وحولاها إلى طابق ثالث مشابه لطابقيه الأصليين من حيث الكتلة العامة والزخارف والفراغات. 

وكان يحيط بالقصر حديقة واسعة أقيم في جزء منها من الجهة الخلفية ملعب للتنس، كان الأول من نوعه بحلب. ومما أُلحق بالقصر من الجهة الخلفية أيضاً كتلتان ضخمتان تظهران في الصورة، وهما إسطبلات الخيول إذ عرف عن مالكيه من آل الملاح اعتناؤهم بتربية الخيل وامتلاكهم مجموعة من الخيول العربية المطهمة الأصيلة، يليها بناء حجري ضخم شبيه بالخان كان يستخدم لتخزين السمن والصوف والزيت والغلال. 

خامساً- زوال القصر:

ومما يؤسف له أن هذا القصر قد أزيل نصفه الواقع في بداية شارع اسكندرون في العام 1965، بينما اتخذ نصفه الثاني مقراً لثانوية حلب الأهلية الخاصة مدة من الزمن إلى أن زال مؤخراً في العام 2009.
تلكم هي حال القصور القديمة والتراث المفقود من تاريخ بلادنا الغنية بالأثار والتحف المعمارية التي أزيلت.. وأزيلت معها (حقبة مهمة) من التراث العمراني و المعماري.

*********************
(*) يعرب الباحث عن امتنانه للأستاذ الفاضل أحمد محمد رمزي عداس الذي زوده مشكوراً بالصورة المرفقة الملتقطة بعدسة الرحالة وعالم الآثار والدبلوماسي الألماني ماكس فون اوبنهايم.

الوسوم

عمرو الملاح

كاتب ومترجم وباحث في التاريخ السوري المعاصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي
إغلاق