الباحث عمرو الملاّح

عمرو الملاّح : حديقة مرعي باشا الملاح بحلب.. من التخريب المنهجي إلى الإزالة

  •   
  •   
  •   

عمرو الملاح – التاريخ السوري المعاصر

حديقة مرعي باشا الملاح بحلب..  من التخريب المنهجي إلى الإزالة (1924-2007)

كان من أهم ما تميز به مرعي باشا الملاح حرصه الشديد على الاهتمام بالبيئة، والعمل على الإكثار من المساحات الخضراء والتشجير، وتوفير الرئات الندية لتتنفس منها الشهباء وأهلها.

وقد عرفت حلب في سنوات حكمه الممتدة بين العامين 1924 و1926 إحداث «مصلحة الغرسيات» التي أُوكلت إليها مهمة صيانة الحدائق العامة وغرس الأشجار.

كما شهد عهده إنشاء حديقتين من أصل خمس حدائق عامة أقيمت في مدينة حلب في الفترة الممتدة من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، وهما: حديقة مرعي باشا الملاح المقامة مكان (مقبرة العبارة الصغيرة)، والمعروفة على المستوى الشعبي باسم (المنشية الكبيرة) المدشنة في العام 1924، التي زالت مؤخراً مع الأسف على نحو ما سنفصله لاحقاً؛ والحديقة المقامة مكان ما كان يعرف ببرية المسلخ التي أطلق عليها في طور نشأتها الأولى اسم (حديقة الجنرال بيوت)، إحياء لذكرى الجنرال غاستون بيوت الذي شغل منصب مندوب المفوض السامي والقائد العسكري الفرنسي لدى دولة حلب بين العامين 1922 و1924، وكان من خيرة رجالات الانتداب الفرنسي الذي عملوا في سوريا، وكانت تربطه بمرعي باشا الملاح صداقة “نادرة” استمرت بعد مغادرته البلاد، وما تزال هذه الحديقة قائمة إلى يومنا هذا مع إزالة الاسم الفرنسي.

وأما الحدائق الثلاث المتبقية، فسأورد لكم في هذه العجالة السريعة أسماءها مرتبة وفق تسلسل تواريخ إنشائها، وهي: حديقة السبيل المدشنة في العام 1896، وحديقة العزيزية المعروفة شعبياً باسم (المنشية الصغيرة) المدشنة في العام 1900، والحديقة العامة الشهيرة المدشنة في بدايات عهد الاستقلال.

والواقع أنه ثمة حديقتان مختلفتان كانتا تعرفان على المستوى الشعبي باسم (المنشية) في حي العزيزية، مما جعل العديد من الباحثين يخلطون أو يجمعون بينهما أو يعتبرونهما حديقة واحدة. وكانت تقع أولاهما، وهي المنشية الأقدم، بجوار مخفر العزيزية الذي كانت الغاية من إقامته تتمثل في حماية (المنشية) تلك المنشأة في العام 1900 في منطقة منعزلة لا يسير فيها إنسان بعد غروب الشمس خوفاً من اللصوص وقطاع الطرق، وذلك وفقاً لما أورده المؤرخ الأب فردينان توتل اليسوعي (قارن مع توتل، وثائق تاريخية، ج4، ص87)، وما تزال بقاياها إلى يومنا هذا ملحقة بهذا المخفر الذي يعرف اليوم باسم «قسم العزيزية للشرطة».

بينما كانت تقع ثانيهما على مقربة من الأولى، وهي المنشية اللاحقة لها المقامة مكان (مقبرة العبارة الصغيرة) المدشنة في العام 1924، وسميت (حديقة مرعي باشا الملاح) وعرفت على المستوى الشعبي باسم (المنشية الكبيرة)، وذلك تمييزاً لها عن الأولى السابقة لها التي باتت تعرف شعبياً باسم (المنشية الصغيرة).

والمنشية هي إحدى الكلمات الدارجة في حلب وسواها من الحواضر التي كانت خاضعة للحكم العثماني مثل دمشق، والقاهرة، وبيروت. وأصل الكلمة من التركية عن الفارسية (منش) أي الطبيعة، وتستخدم للدلالة على الحديقة العامة. (قارن مع الأسدي، موسوعة حلب، مادة المنشية، ج7، ص 213).

أما منشية العزيزية الكبيرة أو حديقة مرعي باشا الملاح فكانت مقهى ومتنزهاً أقيم على أرض (مقبرة العبارة الصغيرة) بعد ما تم تنظيمها في العام 1924، وفقاً لما أورده مؤرخ حلب الغزي في كتابه المرجعي «نهر الذهب في تاريخ حلب» ضمن ثبت بالمشاريع العمرانية التي تم تنفيذها في حلب في العشرينيات من القرن الماضي (قارن مع الغزي، النهر، ج3، ص 600­602).

يصف الغزي حديقة مرعي باشا الملاح (المنشية الكبيرة) فيقول: «حديقة بديعة واسعة تربو مساحتها على عشرة آلاف ذراع، أنشئت في أرض مقبرة العبارة الصغيرة، بعد أن جردت من القبور وجعلت قاعاً صفصفاً. وقد ابتاعتها البلدية من دائرة الأوقاف، كل ذراع مربع منها بذهب عثماني… واعتنت بشأنها حتى صارت تعد من أعظم حدائق سورية بحسن مناظرها وبدائع تقاسيمها الهندسية وأنواع زهورها وأشجارها» (الغزي، النهر، ج3 ، ص602).

ولقد تم تدشين هذه الحديقة يوم الأحد الواقع في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1924، وفقاً لما هو مدرج في برنامج تدشين المشروعات العامة الذي وضعته مصلحة النافعة (الأشغال العامة والمواصلات) في دولة حلب المنشور في صحيفة «الترقي السوري» الحلبية لصاحبها الدكتور بهاء الدين الكاتب، يوم السبت الواقع في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1924، (ع 101)، إبان إشغال مرعي باشا الملاح منصب حاكم دولة حلب العام؛ فأطلق اسمه عليها (حديقة مرعي باشا الملاح) إحياء لذكراه (قارن مع عبد الغني العطري، حديث العبقريات، دمشق، 2000، ص118­ 125؛ عامر المبيض، مئة أوائل من حلب، حلب 2004 ، ص759­761).

ولم ينقطع اهتمام بلدية حلب بها، فقامت بين العامين (1928­1930) ببناء حوض مائي وبغرس المزيد من الأزهار والأشجار فيها، وفقاً لما أورده الكتاب الوثائقي «الحكومة السورية في ثلاث سنين» الصادر بدمشق في العام 1931. (قارن مع الحكومة السورية في ثلاث سنين، ص48­ 49).

ومما يؤسف له أنه جرى في بدايات دولة الاستقلال الثاني أو ما اصطلح على تسميته  بــ “العهد الوطني” تغيير اسم الحديقة الرسمي؛ فأصبحت تعرف منذ ذلك الحين بالاسم المتعارف عليها شعبياً، ألا وهو (المنشية).

وهكذا، وكما أزيل اسم مرعي باشا الملاح عن مستوصفه الخيري، أزيل اسمه عن الحديقة أيضاً مع ما أزيل من نصب ولوحات تذكارية تحمل اسمه، وكانت أقيمت بمناسبة تدشين مبان ومنشآت إبان مدة إشغاله منصب حاكم دولة حلب، وذلك في محاولة لطمس اسمه وإخماد ذكره باعتباره كان مصنفاً من «المتعاونين» مع سلطة الانتداب الفرنسي!

وفي العام 1956 اقتطع جزء منها اتخذ مواقف لحافلات النقل الداخلي أو الباصات عرف باسم “مركز المنشية للانطلاق”، وأصبح ما تبقى من الحديقة مقصفاً ومتنزهاً تابعاً لاتحاد العمال عرف باسم “المقصف العمالي” (قارن مع مجلة العمران، عدد خاص عن حلب، س2، ع20­ 21­22، ص186). ومما يؤسف له أنها أزيلت نهائياً في العام 2007 لبناء مرآب طابقي ضخم.

======

(*) تظهر الصورة النادرة المرفقة ما تبقى من حديقة مرعي باشا الملاح (المنشية الكبيرة) بعدما أزيل اسمه عنها وأضحت في العام 1956 مقصفاً ومتنزهاً تابعاً لاتحاد العمال باسم (المقصف العمالي)، واقتطع جزء منها اتخذ مواقف لحافلات النقل الداخلي أو الباصات باسم (مركز المنشية للانطلاق).

الوسوم

عمرو الملاح

كاتب ومترجم وباحث في التاريخ السوري المعاصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: محتوى محمي
إغلاق