وثائق سوريا

بيان حزب الشعب عن سياسته في الحقلين الداخلي والخارجي عام 1950م

بيان حزب الشعب بعد انتهاء أعمال مؤتمره عام 1950م

انعقد مؤتمر حزب الشعب في مكتب الحزب بدمشق في السابع والعشرين من آذار عام 1950م، واستمر المؤتمر ثلاثة أيام.

وفي نهاية المؤتمر جرى انتخاب مكتب تنفيذي جديد للحزب وكان برئاسة الدكتور ناظم القدسي.

في الثالث من نيسان 1950 أصدر المكتب التنفيذي الجديد البيان التالي:

ظلت البلاد عدداً غير قليل من السنين تناضل من أجل الاستقرار الذي يؤمن للمواطنين الطمأنينة على حرياتهم ومصالحهم وإقامة حكم دستوري صالح يرعى شؤون الدولة فيجعل الشعب آمناً مطمئناً على مقدراته، ومصائره وشاعراً بأن الأمور تسير في محوره القانوني الذي يرتضيه.

إلا أن الحكومات المتعاقبة لم تقدم الدليل على أنها تسير في هذا الطريق فكانت الإدارة في مختلف فروعها تتعثر بالعجز والاضطراب والتشويش.

والجهاز الحكومي لم ينظم لتحقيق الغاية التي وجد من أجلها، وكذلك الأمر في سائر السلطات التي تصرف شؤون الدولة فإن النزعات الفردية، ودوافع الأثرة والتسلط طغت على مصاحة المجموع، وأفسدت شؤون الدولة وقامومت كل محاولة للنهضة، والانطلاق نحو الإصلاح، كل ذلك بين الشعب وحكامه هوة سخيفة، وجعل المواطنين ينظرون إلى من يتولى أمورهم في عين مزورة حمراء سواء أكانوا من كبار الرؤوساء أو من صغار الموظفين.

ومن الطبيعي ألا تدوم تلك الحالة في البلاد وأن لا تستمر فحدثت الأزمة الوزارية الطويلة الأمد في كانون الأول من عام 948، وكانت البادرة الأولى من بوادره المآسي التي مرت على البلاد، وجرى خلال هذه الفترة من الحوادث ما يعرفه المواطنون وما يذكرونه بمرارة وألم، وخو نتيجة للأسوأ التي تألم منها الشعب طويلاً وتمنى زوالها ووضع حد لها.

وحزب الشعب الناشئ سار في مقدمة المناصلين لإصلاح تلك الأوضاع وبذل أقصى الجهد داخل المجلس النيابي وفي الميادين الشعبية لإقامة حكم صالح يحقق للأمة الاستقرار المنشود سالكاً إلى ذلك الطرق السلمية المشروعة في حدود القوانين والأنظمة القائمة في البلاد لأنه يؤمن أن تحقيق أهداف الأمة وأمانيها عن طريق التطور والنضال السلمي مضمون النتائج مأمون العواقب ويجنب البلاد كثيراً من الكوارث والنكبات.

موقف الحزب من الحكم:

ولقد دعي خلال هذه المدة مرات متعددة إلى الاشتراك في الحكم فكان يتجنب ذلك ويبتعد عنه لا تهرباً من حمل المسؤوليات ولا عجزاً عن ممارسة الحكم، وإنما هو لا يسمح لنفسه أن يكون وسيلة ستر الأمور التي يتألم منها الشعب أو لتغطية الأوضاع التي لا يرضى عنها او لجعل أعضائه في وضع لا يتمكنون فيه من أن يحققواً شيئاً للشعب عن طريق الحكم، ولم يستطع أحد أن يستجره في وقت من الأوقات لخدمة بعض المآرب أو المطامع، كذلك كان موقفه في كانون الأول من عام 948 وكذلك كان موقفه في 31 آذار من عام 949  وكان منسجماً في جميع مواقفه الأخرى التالية مع مواقفه السابقة.

ولما دعي بعض أعضائه للمساهمة بالحكم في 14 آب من عام 1949 في الظروف والأحوال العصيبة لم يترددوا في الاضطلاع بالمسؤوليات بعد أن تبين لهم أنهم يستطيعون انقاذ البلاد مما كانت تتخبط فيه ويتمكنون من العمل بحرية لإعادة الأوضاع الدستورية المشروعة.

ولقد رأى المواطنون نتائج عملهم في تلك الفترة القصيرة من الزمن، إذ هيأوا مع زملائهم في الحكم للمواطنين أحسن الفرص لممارسة حقهم الانتخابي في جو منعم بالحرية والحياد على الرغم من المصاعب الداخلية والخارجية والعقبات الكأداء التي كانت تكتنفهم وتعترض طريقهم.

والحزب قد أثبت في الماضي وسيثبت دائماً أنه يقف أمام المسؤوليات المترتبة عليه الوقفة التي يفرضها الواجب، وتقتضيها كرامة البلاد وينهض بالعبء الذي وضعته الأمة على عاتقه بما يتفق مع ارادتها وينسجم مع حقها في أن تكون هي مصدر السلطات.

وحزب الشعب يرى أن الأوان قد آن لتحزب البلاد أمرها وتجتمع كلمتها وتسلك الطريق المأمونة التي تجنبها المخاطر الداخلية والخارجية بإقامة الحكم الصالح الذي تتوزع فيه المسؤوليات على نحو ما تقرره الأنظمة القائمة عليه ويرعاه المخلصون الأمناء من أبنائها وتتضافر من أجله الجهود وتدعمه سائر القوى لاسيما والبلاد تتحفز للتحرر من أوضاع الماضي مصممة على الشروع بنهضة مباركة على أسس ودعائم وطيدة.

الدستور الجديد

ويرى حزب الشعب أن وضع الدستور الجديد من قبل الجمعية التأسيسية خير مناسبة ووسيلة لتوطيد النظم الديمقراطية والحياة النيابية على أسس مكينة وتضمينه النصوص والأحكام المطبوعة بالطابع التقدمي في سائر فصوله، ليتوافق مع النهضة الشاملة المأمولة.

ويجب أن تستمد نصوص الدستور من واقع تجارب السنين والعهود الماضية كي لا يكون نظام الحكم بالظاهر دستورياً نيابياً، وفي التطبيق اوتوقراطياً كيفياً.

وكي لا يكون تنظيم استقلال السلطات رسمياً أو شكلياً كما يجب الا يترك المجال لأية سلطة دستورية أن تطغى على مصلحة المجموع أو تشذ عن إرادة الأمة.

أسس التوجيه الاقتصادي:

ولم يتهيأ للبلاد حتى الآن نوع من التوجيه بالاقتصاد القومي مع شدة الحاجة إليه، ولن تحد سوريا سبيلاً للتغلب على أزماتها المعقدة والمتزايدة مالم تنظم منهاجاً اقتصادياً انشائياً عاماً يجزأ على سنوات محدودة لينفذ بدقة، واستمرار يتناول النواحي الزراعي والصناعية وحفظ وتنمية الثروة الطبيعية والحيوانية وتوسيع مشاريع الري واستخدامها في ايجاد القوى الكهربائية والاستعانة لتحقيق ذلك بالدراسات الموجودة وبالفنيين والخبراء من أبناء البلاد وغيرهم.

وإلى أن يحقق ذلك يجب تشجيع وتنمية الإنتاج المحلي وتوسيع نطاق التصدير والحد من الاستيراد وقصره على الأشياء الضرورية كي يتعادل الميزان التجاري فتخفف تكاليف المعيشة وتنشط اليد العاملة.

ويجب أن تكون السياسة الاقتصادية المحور الرئيسي الذي ترتكز عليه وتتفرع عنه سياسة البلاد وبدون ذلك تبقى كل دعوة للإصلاح أو للنهضة الاجتماعية أو الثقافية او السياسية من الدعاوى الجوفاء التي لا معنى لها.

تقوية امكانيات الدفاع

والأخطاء المحيقة بسوريا الداخلية منها والخارجية لاسيما بعد كارثة فلسطين تفرض على البلاد ان تكرس جهودها لتقوية امكانيات الدفاع عن حياضها وضمان التمكين لوجودها وبقائها ودفع أي عدوان عليها بتنظيم جيشها تنظيماً قوياً وتزويده بالسلاح والعتاد الذي يمكنه ان يؤدي خير أداء واجبه المقدس، الذي وجد من أجله.

السياسة القومية والخارجية

ويرى الحزب أن الظروف التي تواجهها الأمة العربية في مختلف أقطارها والمخاطر التي تهددها عن قرب أو عن بعد تفرض عليها وعلى سوريا بنوع خاص ان تناضل في سبيل تحقيق الوحدة بين ديار العرب وتوجيه الرأي العام العربي نحو الأهداف المشتركة وحمل الحكومات على تهيئة الأسباب المواتية لإقامة الاتحاد الدولي بين الأقطار العربية كوسيلة لتحقيق الوحدة الشاملة المنشودة.

وإلى أن يتحقق ذلك يجب السعى لعقد اتفاقات اقتصادية وثقافية وعسكرية وسياسية بالسرعة الممكنة مع من يمكن عقدها معه من البلاد العربية على أن تكون عملية ومجدية لدفع الأخطار المحدقة بسوريا.

كما أن مصلحة البلاد تقتضيها الخروج عن عزلتها السياسية والاقتصادية وتوطيد العلائق بنيها وبين العالم الخارجي على أن تكون العلائق التي تؤسس مع الدول الأخرى مبنية على أسس سليمة تحفظ لسوريا مصالحها وتصون استقلالها وسيادتها.

وحزب الشعب يرى أن تقف البلاد في السياسة الخارجية موقفاً موحداً تدعمه وتظاهره سائر الهيئات والجماعات كما هي الحال في جميع بلاد العالم الأخرى.

والحزب يوجه من أجل ذلك نداء إلى جميع المواطنين على اختلاف نزعاتهم وآرائهم أن يتدارسوا بإدراك عميق وضع البلاد الدولي ويتعاونوا يداً واحداة وصفاً متراصاً لمواجهة الموقف وايجاد أنفع الأساليب لتقوية مركز البلاد في العالم.

وأخيراً فإن حزب الشعب إذ يتقدم إلى المواطنين بهذا البيان عن سياسته في الحقلين الداخلي والخارجي، بعد أن نشر مناهجه ومبادئه العامة منذ زهاء سنين يعود ويؤكد للشعب الكريم عزمه على تحقيق مناهجه في شتى الوسائل التنظيمية والسبل العلمية التي تستلزمها مسؤولياته تجاه الأمة بغية تركز الأوضاع الداخلية على محور دستوري سليم يكون التوازن فيه بين السلطات ضمانة أساسية لحفظ كيان البلاد وتوطيد نظامها الجمهوري.

دمشق في 14 / 6 / 1369 هـ و 3 / 4 / 1950م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى