وثائق سورية

كلمة نجاح العطار وزيرة الثقافة في افتتاح مكتبة الأسد عام 1984م

كلمة نجاح العطار وزيرة الثقافة في حفل افتتاح مكتبة الأسد في السادس عشر من تشرين الثاني عام 1984م.

نص الكلمة:

السيد الرئيس:

وددت ، وأنا أقف أمامك أيها القائد، أن أجاوز النثر إلى الشعر فالأعالي بالجناحين تدرك، والشعر جناح، والسيف جناح، وأنت الذي في الذرى، بهما معاً تبلغ، لكنني لست إلى هذا ولا إلى ذاك، فكيف أصنع، وبساط الريح لا تنسجه حروف، والمجرة فلك، وليس في بردى المتنبي، بينما أنت، على سمهري، كسيف الدولة تتكئ؟

وأياسر، لعل اللغة تسعف، وأمل لعل القلم يطاوع، لا رغبة في مديح وأنت فوقه، بل حرصاً على أن أشهد، وأن تأتي شهادتي، بكل ما في النفس من صفة، موضوعية، تصوغ المعنى الذي يطوي المعاني في ذاته، كما هذا الصرح، هذه المكتبة، هذا الإنجاز، الذي يجمع إنجازاتك في ذاته، ويكون لها عنواناً، لأنه بالعنوان تعرف السيرة، وبالمتن، إذ التطابق بينهما، وحكاية الحكاية في ملحمة العظام من الرجال.

وكما أمام الله، يأتي الإنسان وكتابه في يمينه، وكذلك أمام التاريخ، يأتي المرء وكتابه في يمينه، والله يغفر، لكن التاريخ يحكم، واشهد أنك أرضيت الله، والتاريخ، وإن كتابك، في الحالتين، مشرق الصفحات.

وان هذا الوطن هذه الأمة، هذا الشعب، سيقول فيك، ما يقوله الوجدان أمام الديان، حيث لا ينفع شافع سوى الحق، أبلج كالصبر المبين، عادلاً كالميزان في شامخة الجنان، لا يحابى فسطاسه ولا يداري، بل يستقيم حتى لتسبل به شعرة، وتحط به شعرة، وتجازى بعشرة أضعافها.

ولا أسترسل في البلاغة، وما أردتها، إنما البلاغة هي العمل، إنما البلاغة هي العمل، وأنت عدلت، فكنت سيد البلاغة، كما كنت سيد الرجال، سيد القادة أيضاً.

وكالسلف الصالح، وكنت خلفاً صالحاً، وكالسلف الباني، كنت خلفاً بانياً، وتجاوزت، والشوط لا يدرك، فالمأمون أنت وخالد أنت، وبيت كتب، وبيت سلاح، والفتوحات!  إنما صمودك هو الفتوحات، في زمن غارات التتر، نيو جرسية كانت، تصوب مدافعها إلى قلعتك، وأنت ترى وتعرف، وتبتسم، عن إيمان، ووثوق، وعدة خيل، وعروبة تشمخ بك، وجماهير تلتف حولك، صداقات أقمتها، وثبت عليها، فكان ان بادلتك عزماً بعزم، واحتراماً باحترام، وكتفاً بكتف، والقدم من تحت أخمصها الحشر، والفداء نجمة صبح، ومن شاء في مدلهم الليل، فليهتدأ أو فليتنح، ومن كان قلبه قشراً، فليلق به إلى النار، إنما نحن، وأنت قائدنا قلوبنا من لحم تفولذ، ودم تفولذ، وجنان تفولذ، بماء الجسارة سقيناه، فكان فولاذاً دمشقياً لسيف دمشقي، من مروان قصته، ومن هشام، على مدى القرون أقحوانه ونعماؤه.

ولأن النهضة شاملة ما شملت، لا تُبنى بالحجر وحده، و لا تغتذي بالخبز وحده، بل بالكلمة الطيبة معها، فقد كان لك على الفرات صرح، وكان لك، على جبهة الأمويين صرح، وفي قلب المعمعة كان فكرك الخلاق “ياحاضن الفكر خلاقاً” قولة جواهرينا الكبير، معولاً في التربة يضرب، وفي المنجم يضرب، وفي أساس هذه الدار الباذخة يضرب، لأنك تؤمن، وعن علم هو العلم في أقصى حداثته، ان عاصمة هي في التاريخ، أبعد من التاريخ نفسه، لا تكون للسيف، مالم تكن للقلم، وأن من حق القلم عليك، ومن حق أصحاب الأقلام عليك، وحق الطامحين إلى القلم سبيلاً إلى الوعي، ان تقيم لهم جامعة كتب، ليست قيمتها في طوابقها  وحدها، ولا في مرافقها العصرية وحدها، بل في سعتها لستة ملايين كتاب، يؤمها من اراد المطالعة، وعياً ومن شاء الكتاب مرجعاً، ومن رغب في أن يُسمع الناس ما في صدره ويسمع ما في صدور الناس من كلم يحتاج إلى ابهاء تضمنه، وأصداء ترجعه، وحفظة في النسخ والتصوير وتصونه من عاديات الأيام.

وكانت بتوجيه منك،ودفع منك، وسؤال دائم منك، هذه المكتبة التي نفاخر بها أحدث مكتبات العالم، وبعد أعوام من الكد، والجهد، والبناء، نحتفل اليوم بافتتاحها على اسم الكتاب جليساً وأنيساً، وصف حافظنا وعلى اسم الكتاب، حرفاً هو النور، وكلمة هي البدء، وديواناً إلى المعرفة يُنتسب، واقف، وأنا التي أوليتني، مع من عملوا فيها، من عمال وفنيين ومهندسين وقطاع عام، ثقة مبررة، لأقول لك، وكلي عرفان بالمكرمة، وشكر للمأثرة، هو ذا بيت العلم الذي أنشأته، وهو الأعظم في البيوت، والأثمن في الكنوز، والأبقى رغم صروف الدهر، فأمدد يمينك، سلمت يمينك في قراع كل عدو، أمددها، أقطع شريطاً وافتح باباً، وقل لنا جميعاً: ادخلوا ثم عد إلى ضميرك، راضياً، مرتاحاً، مكرماً، موفياً بالعهد، في بناء سور على الحدود، وأسوار من المعامل، وسدود من حول الماء، وقصور للثقافة، هذا وأحدها أعظمها، لكنه ليس فريدها، ففي طول البلاد وعرضها قصور للثقافة، أنت حاضنها، وراعيها، والساهر على بنائها وانجازها، وجعلها طلبة للناس، حين الناس في هذا القطر، ينشدون مع الرغيف كتاباً، ومع الرداء لوجة، ومع المسكن مركزاً، فيه وجود لدولة أنشأتها، فكانت فيها المعرفة كالبندقية وسلاحاً ضد الجهل، وضد العدو على السواء.

وما نجهل نفتتح هذه المكتبة التي تشهد على إرادتنا في السلم العادل، الذي فيه يشاد البناء وتستصلح التربة، ان من حولنا أخطاراً تحدق بنا، وبوارج تمخر المتوسط تهديداً لنا، ومدرعات تربض متربصة بنا، وساسة غرباناً ينعبون من حولنا، لكننا كالشهداء الأحياء، الذين ينذرون أنفسهم لله، والوطن، نقف، لكل هؤلاء بالمرصاد، وأنت على مقدمتنا وقيادتنا، أنت طليعة مواكبنا، ومعك، وم ما أعددت للمعركة من رجال وسلاح وأخوة وأصدقاء، سنمضي في المعركة حتى نهايتها، وسنمد لها ونعطيها، ونفديها، وبعد ذلك فليكن النصر أو الموت، ولن يكون إلا النصر، لأن حرباً تفرض علينا، وحرباً نخوضها لأجل حقنا، ستكون طويلة في الحروب، سنورث نارها جيلاً فجيلاً إلى أن نؤمن النصر، والنصر من عند الله يؤتيه من يشاء، ويؤتيه من يجاهد في سبيله، دفاعاً عن حق ووطن وأمة ومصير ووجود.

ولا أقول أن الوضع العربي، قبلك، كان في ظلمة، لكنه، مع خيانة الخونة، دخل في ظلمة، وأنت وحدك، مع من هم معك في الوطن العربي، جماهير وقادة، أشعلت ضوءاً وأعليت مصباحاً، وصعدت بالخط البياني للنضال العربي، ومن أجل ذلك كله، كان هذا العداء لسورية، وكان هذا الكره لها، وهذا الحشد من حولها، وهذا التأمر  عليها، ولكنه واضح، معروف المأتى، والمفدى مفضوح النية والهدف، وأنت تقارع عن يمين وشمال، وتقارع من أمام ووراء، والروم وسواهم، من حولك، لكن الفتكة البكر، طعنة البكر، وأنت لها، وقواتنا المسلحة لها، وهذا الشعب لها، والصبر، في حمل الجراح، صبر إلى الكبرياء ينتمي، وكبريائنا، مدعمة بقوتنا، قد كانت سريرة من سرائر الإيمان في صدورنا، وفي سبيل التحرير والتقدم، والعزة والكرامة، وهذه التحويلات الكبيرة التي أحدثناها، والتي من أجلها نعادى، ومن أجلها نحارب، ومن أجلها لا نبالي، ففي الأمم المناضلة سيرتنا، وفي إرادة الشعوب المكافحة إرادتنا، والعزم قد انضفر، والشكيمة لا تلوى، ومن بعدها ولأجلها، فليكن القتال مريراً ما شاءت له المرارة ان يكون.

اسمي لي، يا سيادة الرئيس، في ختام هذه الكلمة التي طمحت فقصرت، أن انتهي إلى شكرك، باسم هذا الوطن، وهذا الشعب، وأن أشكر بعد ذلك اللجنة العليا للإشراف على هذا البناء، ومؤسسة الإسكان العسكرية التي تولت التنفيذ، وأيديها الوطنية العاملة التي وحدها وبخبراتها واخلاصها نهضت بالعمل كله، وأن أذكر المهندس المرحوم راغب الأسود الذي كان في جهده للانجاز مضحياً، حتى وهن منه القلب، وفارقت الروح الجسد، فكان عاملاً شهيداً في صرح بنياننا.

ثم اسمح لي يا سيادة الرئيس أن أتطلع في هذا العيد المبارك لحركتنا التصحيحية، الذي نفتتح مكتبة الأسد بمناسبته، إلى أعياد أخرى لحركتنا التصحيحية، ندشن فيها، ونفتتح بمناسبتها صروحاً أخرى للثقافة، مادمت الثقافة والسياسة صنوين، وهما في عهدك الميمون، على وحدة في القصد، ووحدة في التحرير والبناء، وشكراً.

 المراجع والهوامش:

(1) ثقافة الثورة، ثورة الثقافة في القطر العربي السوري 1963- 1988، منشورات وزارة الثقافة، صـ 401- 405

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى