وثائق سوريا
بيان وزير الإعلام حول تشكيل حكومة صلاح البيطار الثانية عام 1963م
بيان وزير الإعلام حول تشكيل حكومة صلاح البيطار الثانية عام 1963م
تشكلت حكومة صلاح البيطار الثانية في الثالث عشر من أيار عام 1963م، وعند تشكيلها ألقى سامي الجندي وزير الإعلام في الحكومة الجديدة تحدث فيها عن سياسة الحكومة، وكذلك عن ظروف تشكيل الحكومة وفشل تكليفه بتشكيل الحكومة السابقة.
نص البيان:
أيها الشعب العربي،
كان يطيب للحكومة أن تلتزم جانب الصمت، وأن تطوي صفحات من تاريخنا أن تلقي بها في زاوية من زوايا العدم. لكن هذه الصفحات أصبحت كابوساً مخيفاً يشوه وجه هذه الفترة المشرقة، كما صمتنا نفسه مصدر قلق ولكن..
ماذا نقول؟ ماذا نتكلم؟
كانت الكلمات تتلجلج على اللسان وتعود حرقة قاسية إلى القلب، كانت أحداقنا تتطلع إلى ما يجري، فيهرم على النظرات شبح كأبة قاتلة، وأحزان كئيبة نعم.. ماذا نقول؟ كيف نتكلم؟
والجماهير تلح وتلح تريد أن تعلم. ومن حقها علينا أن نقول كل شيئ لها أن تعلم حتى أدق الخفايا إن إيماننا المطلق بالجماهير العربية يفرق علينا فرضاً، أن نقول لها كل شيئ نعم.. كل شيئ.
إن ثورة الثامن من آذار هي ثورة باسم الجماهير، ومن أجلها إن الذين شهروا السلاح في تلك الليلة العظيمة من تاريخنا إنما فعلوا ذلك لأنهم يدركون ما تريد الجماهير، لأنهم يؤمنون بآلام العمال والفلاحين، بآلام كل الكادحين، على أرضنا العربية لأنهم لا يفرقون بين عذاب العاطل عن العمل في شوارع دمشق أو البصرة، أو الإسكندرية، إنهم على ظمأ إلى مياة النيل ودجلة والفرات هم من أين جاؤوا، من صميم هذا الشعب من آلامه ومن آلامه أيضاً.
لقد رسمت لهم الآلام طريق الأمل العظيم، وكانت فترة الانفصال سوطاً يلسع كرامتهم، ويستثير النخوة والرجولة في صميمهم فكانت ثورة آذار تلبية لنداء الرجولة والنخوة العربية كانوا بعد جريمة أيلول يحاولون وسيفشلون يكبون فيرتدون أشد كبراً، أشد إيماناً بقضية الوطن، رغم أنها كانت تبدو قضية طائعة من سوط الجلاد، جدران السجون القائمة كانا مصدر شقاء ورعب على أرضنا، ولابد لشقاء شعبنا من أن ينتهي، لابد للرعب من أن يزول عن ربوعنا، وسأحدثك أيها الشعب عن تلك المحاولات وعن كل ما أحاط بها في مستقبل قريب.
نعم.. قامت ثورة آذار من قلب الجماهير وفي سبيلها، فمن حقها أن تقول كل شيئ لمن قامت بأسمهم قامت الثورة في الثامن من آذار فوجهت بأصابع الأتهام ترفع في وجهها لقد اتهمت بمقاصدها اتهمت بنياتها، اتهمت بوحدويتها، لقد اتهم القسم الذي أقسمته الثورة أمام تراب الوطن، ودم الشهداء على أن تحقق الوحدة الثلاثية، ولكنها جابهت الاتهام بصمت ورجولة.
أيها الشعب العربي، المرحلة التاريخية التي تجتازها أمتنا العربية بنوع خاص أقطار الجمهورية العربية المتحدة الثلاثة هي مرحلة خطيرة.
وإيماناً منا بخطورتها ثقة بوعي الجماهير وحرصها على قضيتها القومية الأولى في قيام الوحدة نضع أمام الشعب حصيلة التجربة التي عاشها هذا القطر منذ الثامن من آذار حتى اليوم.
لقد قامت ثورة الجيش والشعب للقضاء على الحكم الانفصالي الرجعي، ووضع سورية في طريق الوحدة، وإقامة المجتمع الاشتراكي الديمقراطي الذي يبنى الحياة العربية بناء جداً، تتطلع إليه أمتنا بشوق وأمل، وأعلنت الثورة منذ يومها الأول أهدافها الصريحة في الوحدة والحرية والاشتراكية، وجاء تشكيل الحكومة وعقدت جلسات مجلس الوزراء الأولى فكانت مثلاً أعلى بالتفاهم والانسجام، وبدأت الدراسات والعمل الجدي لبناء هذا المجتمع من جهة، والسير بخطوات سريعة باتجاه الوحدة، وفجأة دخلنا في دوامة الاستقالات، والتكافؤ وحساب الكراسي الوزارية حساباً دقيقاً.
ليال طويلة قضاها المجلس الوطني لقيادة الثورة ومجلس الوزراء على حساب التكافؤ وعدد الكراسي، ولمن هذا العدد ولمن العدد الآخر، كان ينبلج الصبح وأمامنا أوراق عليها أرقام ليست أرقام الموازنة ولا حسابات المشاريع وإنما دائماً وأبداً الكراسي الوزارية والمشاريع المجدية ترقد على الرف.
أكثر من مشروع حساس يغفو حتى الآن في أدراج الوزارات لأن مبدأ التكافؤ لم يحقق اللجان الوزارية لم تجتمع أي اجتماع، وإليكم بعضاً من الإصلاحات الإنشائية التي تغط في نوم عميق حتى هذا الساعة.
تعديل قانون التأمينات الاجتماعية من أجل زيادة ميزات العجز والوفاة، مشروع استثمار أموال التأمينات التي كانت تصرف في غير وجهة صحيحة بينما يمكن استثمارها في مشاريع زيادة الإنتاج ولتشغيل اليد العاملة، تعديل قانون العلاقات الزراعية باتجاه اشتراكي صحيح، تعديل قانون الإصلاح الزراعي بحيث يعفى الفلاحين من دفع النصف الثاني من ثمن الأرض، وإنشاء قرى نموذجية للفلاحين وتعزيز وضع تعاونيات للإصلاح الزراعي، دراسة الشبكة الكهربائية لربط المحافظات السورية ببحيرة قطينة، ومن ثم بسد الفرات لتخفيض سعر الكهرباء إلى أدنى حد، دراسة الثروة المائية في أربع أحواض في سورية وتشكيل لجنة وزارية لفض العروض وهي جاهزة تنتظر اللجنة الوزارية مشروع سد الفرات لم يتيسر الوقت اللازم لدراسة الإسراع فيه لأن الدوامة كانت تلفنا في دوار عجيب.
منطقة البذل والعطاء، وهو المنطق الثوري الحقيقي، لا أدري أين كان يغفو أيضاً، يجب أن يستيقظ هذا الموقف لتحقق لأمتنا ما تصبو إليه الفرضية الأولى التي أنطلقت منها الثورة في تكوين الوزارة السابقة.
لقد ماتت عقلية 1957 في بلادنا، ويجب ألا تعود أعني عقلية توزيع المناصب بشكل مؤقت لحل أزمة معينة فتلتقي بعض الجهات مع بعض آخر على قواصم مشتركة، تلك عقلية بورجوازية تضرب المجتمع الثوري الاشتراكي.
لقد قررنا أن نلتقي مع أكثر العناصر الثورية على أكثر النقط الثورية، كذلك يكون لقاء الثوريين، أرجو أن تكون هذه الفرضية قانوناً لمجتمعنا، أرجو أن تكون نبراساً في القول والفكر والعمل.
كان الحكم معني بالوحدة، وأسس قيامها، وسلامة بنيانها ودوامها، ويسعى إلى أن يأتي ميثاقها على الصورة السليمة التي رسمتها التجارب والفرح يملأ حوائج المشتركين بالحكم وأؤكد على كلمة كل، ولكن قضية حساب الكراسي لم تفارق هذا الجو المتفائل، كانت تنشر حواليه الضباب شكوكاً إلى الجماهير، وشكلاً قائلاً في أجهزة الحكم، لو اجتمعت كل قوى الاستعمار على خلقه لما استطاعت أن تصل إلى مثل النتائج التي وصلنا إليها.
إن حرص الحكومة السابقة على نجاح مفاوضات 6 نيسان وتمهيد الطريق إليها، جعلها تعيد النظر في توزيع مقاعد الوزارة، وانتقل هذا المبدأ إلى المجلس الوطني، ثم إلى المكتب السياسي فجاءت خطوة الحقائب الوزارية، حتى إذا سويت ووجه الحكم بمبدأ المرابعة ترى، أكانت تنتهي الأزمة لو قبل المبدأ؟
عندئذ كان لابد للأستاذ البيطار من أن يتخذ موقفاً واتخذه بأن قدم استقالة حكومته إلى المجلس الوطني، وكلفت أنا بالإضطلاع بمهمة تشكيل الوزارة الجديدة.
أيام ثلاثة، لم ننم خلالها، والإشاعات تترى، لقد تم تأليف الوزارة في ساعات قليلة، ولكني لم أعلن ذلك، حرصاً مني على أن يدعم خبرتي القليلة ويقوم عوجي ويرشدني رفاق الأمس، طرقت أبوابهم بقلب مؤمن بهم مفتوح لهم متنازل عن كل ما اتهمت به وأوصدت دون محاولاتي كل الأبواب حتى الكوا الصغيرة الضيقة، جاء من يشترك ألا أكون رئيساً للوزارة فقبلت، جاء من يشترك ألا أكون عضواً فيها فوافقت.
طلب مني عدد من الكراسي فأعطيت أكثر مما طلبت، قالوا مبدأ النصف بين البعث وبقية الأطراف، قلت بل ستة مقاعد للبعث وعشرة للآخرين، ولكن الأبواب الموصودة لم تفتح إلا من أجل خلق متاعب جديدة وقلبي يتقطر ألماً.
كنت أقرأ بعض الصحف فأستغرب ما يجيئ فيها، الاضطرابات في سورية المجازر، الإرهاب، وأنا أعلم علم اليقين أن هذه الأخبار لم تكن صحيحة، أما ما وجهت به من اتهامات فعفى الله عمن اتهمني لأنني أحبهم لن أقول عنهم إلا بيتين للشاعر العربي.
لا قلت أنت ولا سمعت أنا هذا حديث لا يليق بنا
إن الكرام إذا صحبتهموا ستروا القبيح وأظهروا الحسنا
كانت مهمتي أن أنجح حيث فشل الأستاذ البيطار في لم الشمل الوحدوي، ولكنني فشلت فكان لابد من تفكير آخر أقول فشلت دون حرج، ويخيل لي أنني لست مسؤولاً عن هذا الفشل، ولن أتهم رفاق الأمس رفاق النضال، ولكنني أرجوهم أمام الشعب إلا يكونوا عصاً في عجلة هذه الأمة، أن يكونوا من الثورة للثورة، لقد قلت أكثر من مرة أن كل مطاليبهم محلولة، كلها كل الشعارات التي رفعوها، كل ما طالبوا به من حلول، وقلت لهم أني آخذ ذلك على عهدتي فطالبوا بلجان وضمانات مكتوبة وعليها شهود، وأهكذا يكون لقاء الثوريين.
خلال أيام الانفصال كانت الثقة، كل ما نملك، ولكن نستطيع الآن التعاون إلا في جو من الثقة.
إننا مازلنا عند إيماننا بأن طريق الوحدة الثلاثية هو طريق وحدة الصف الوحدوي في القطر السوري، ولن نيأس مهما وضعت العراقيل في سبيل توحيد هذا الصف.
أمامنا مشاكل كثيرة صعبة أمامنا عمال يبحثون عن اللقمة فلا يجدونها.
أمامنا فلاحون لا يجدون حتى الآن الدواء لعلاجهم.
نريد أن نبني لهم ومعهم مستقبلاً يليق بهم.
أمامنا الإسراع بخطوات الوحدة، وتنفيذ إعلان القاهرة الذي لن نتراجع عنه، ولن نتخلف عن ركبه.
لقد بات مبدأ الثورة في ضميرنا وفي قلبنا لن نتخلى عنه كلمة منه، ولا عن حرف من حروفه، لن ننزلق أبداً إلى سياسة المحاور.
إن الطريق واضحة والوحدة قائمة حتماً، وإن سعادتنا القصوى هي في أن نكون يداً تدفع عجلتها، وعقلاً يخطط وينفذ لها، وستكون الحكومة حازمة كل الحزم في وجه كل محاولة تقف في سبيلها وستكون بنفس الوقت مبسوطة اليد إلى كل الثوريين، وسنطلعك أيها الشعب يوماً بعد يوم على كل خطوة نخطوها، وأنا بصفتي وزيراً للإعلام سأجهد في أن أتحدث بصورة مستمرة معه.
سأجيب على كل سؤال دون حرج ولا تردد، كم يسعدني في أن يسألني المواطنون بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى، نريد أن نكون على صلة بكل المواطنين.. أن نكون على مستوى القضية أن يكون دائماً مع الجماهير.
أيها الشعب العربي، لقد قدمت لك صورة عن هذه الفترة من حياتنا، ارجو أن تكون واضحة، وكن على ثقة أن الغيوم مهما اشتدت لن تثنينا عن الطريق التي اخترنا.. وقد تكون عامرة بالأشواك ولكننا سنسير بعناد، وبإصرار على الأشواك ولن نأبه للصعوبات، قد تتعثر خطوتنا ولكنها لن تردد عن مسيرة الشعب العربي، لن ننحرف ولن نتواكل، والله من وراء القصد.





المراجع والهوامش:
(1). صحيفة البعث - دمشق، العدد 65 الصادر يوم الثلاثاء في 14 أيار 1963م.