قضايا

المسألة السورية – اللبنانية في مجلس الأمن عام 1946

دفعت التطورات التي ظهرت في سورية ولبنان بعيد الإعلان عن الاتفاق البريطاني – الفرنسي حول سورية ولبنان إلى رفع المسألة السورية إلى مجلس الأمن.

رفع المسألة السورية – اللبنانية إلى مجلس الأمن:

 اتفقت الحكومة السورية واللبنانية على رفع القضية إلى مجلس الأمن الدولي.

في الرابع من شباط عام 1946 تقدم رئيسا الوفدين السوري واللبناني ومجلس الأمن بخطاب إلى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة يطلبان فيه إبلاغ مجلس الأمن بالشكوى التالية:

(لا تزال هناك قوات فرنسية وبريطانية تعسكر في سورية ولبنان، بالرغم من أن العمليات الحربية قد انتهت منذ عدة شهور، وأن وجود هذه القوات الذي يشكل خرقاً خطيراً لسيادة دولتين هما عضوين في منظمة الأمم المتحدة، قد يؤدي إلى وقوع اشتباكات دامية، كما أن الحوادث الماضية أثبتت أن وجود هذه القوات يشكل تهديداً دائماً للسلام والأمن في المنطقة....

مناقشة الشكوى أمام مجلس الأمن:

بدأ مجلس الأمن مناقشة الشكوى السورية – اللبنانية في اجتماعه الذي عقد في الرابع عشر من شباط عام 1946م.

أعلن رئيس مجلس الأمن المستر “ماكلين” الاسترالي في مستهل المناقشة أنه لا يرى لزوماً في المرحلة الراهنة للبحث فيما إذا كانت المادة /32/ من ميثاق الأمم المتحدة تنطبق على القضية أم لا، مضيفاً إلى ذلك قوله: “سيان أكان هنالك ثمة نزاع بالمعنى التقني أم لا، فإن سورية ولبنان هما بوضوح دولتان تمس مبصالحهما مساساً خاصاً مناقشة المسألة المعروضة حالياً على المجلس”.

واقترح رئيس مجلس الأمن ما يلي:

أولاً- دعوة ممثلي سورية ولبنان لأخذ مقعديهما حول مائدة المجلس....

كلمة وزير الخارجية اللبناني في مجلس الأمن:

في الاجتماع العشرين لمجلس الأمن، طلب رئيس المجلس إلى مندوبي سورية ولبنان عرض قضيتهما على المجلس، وأعطيت الكلمة أولاً لوزير خارجية لبنان السيد حميد فرنجية الذي باشر كلمته مشيراً إلى أن سورية ولبنان هما دولتان مستقلتان، وأنهما وقعتا على ميثاق الأمم المتحدة، وقبلتا عضوين في المنظمة الدولية، وأن هذا الواقع في حد ذاته يستوجب استبعاد أي تقييد لسيادتهما....

كلمة فارس الخوري المندوب السوري في مجلس الأمن:

بعد انتهاء كلمة المندوب اللبناني، قام فارس الخوري المندوب السوري في مجلس الأمن بإلقاء كلمة الوفد السوري التي تناول فيها هذه الحجج بالبيان والتفصيل، ثم استطرد متسائلاً: “أمن مَن ترغب فرنسا وبريطانيا المحافظة عليه بموجب الاتفاق المعقود بينهما في 13 كانون الأول 1945”

وعن هذا السؤال أجاب الخوري بقوله : (يجب أن لا يكون ثمة شك في أن حكومتي سورية ولبنان هما وحدهما المسؤولتان عن الأمن في بلديهما، ويجب أن لا يكون ثمة شك أيضاً في أن حكومتي سورية ولبنان هما المسؤولتان عن أمنهما الخارجي وفقاً لأحكام ميثاق الأمم المتحدة. يضاف إلى ذلك أن الحرب انتهت، وهزمت قوات النازية والفاشية، وأن سورية ولبنان محاطتان بدول تنتسب إلى عضوية الأمم المتحدة. فما هي إذن الصفة التي تخول أية حكومة أخرى القيام بدور الضامن للأمن في تلك المنطقة؟ هذا الأمر نعجز عن فهمه!)....

رد المندب الفرنسي على خطاب كل من ممثلي سورية ولبنان:

أعرب المسيو بيدو وزير الخارجية الفرنسي عن دهشته إزاء الطلب الذي تقدم به الوفدان السوري واللبناني إلى مجلس الأمن الدولي بسحب القوات الأجنبية من بلادهما.

وأشار المندوب الفرنسي إلى أن حالة الحرب لمّا تبلغ نهايتها، وأن السلام لما يحل نهائياً في المنطقة. ومن هنا فإن ثمة ثوات تنتسب إلى عدة جنسيات ماتزال تعسكر في أراضي الدول المتحاربة، وأن فرنسا لم تنكل أبداً بتعهدها في إيصال الدولتين المشرقيتين اللتين وضعتا تحت انتدابهما من قبل عصبة الأمم إلى الاستقلال التام. ...

كلمة المندب البريطاني:

أعرب المندوب البريطاني “الكسندر كادوغان” عن عطفه وتأييده لطلب الحكومتين السورية واللبنانية سحب القوات البريطانية من أراضيهما، مؤكداً أن وجود تلك القوات في المشرق هو من مخلفات الحرب ومقتضياتها، وأن القوات البريطانية قد تدخلت، بناءَ على طلب الحكومة السورية في النزاع الذي نشب بين القوات الفرنسية وبين جماهير الشعب السوري في شهر أيار 1945م،...

كلمة المندوب الأميركي:

تحدث المستر ستاتينوس وزير الخارجية الأميركي وبدأ خطابه بشرح موقف حكومة الولايات المتحدة الأميركية من القضية المعروضة على مجلس الأمن، ثم انتقل إلى القول بأنه: “على ضوء ما سمعناه، فإن إمكانات التفاوض للوصول إلى حل سلمي للنزاع لما تستنفذ حتى الآن، بيد أنه يجب أن يكون مفهوماً بشكل واضح، في حال اللجوء إلى مثل هذه المفاوضات، أن القضية ستظل موضع اهتمام مجلس الأمن الذي يتعين عليه الاحتفاظ بحقه في طلب المعلومات عن سير المفاوضات والنتائج التي تم الوصول إليها”....

كلمة المندوب السوفيتي:

ألقى المستر فيتشنسكي المندوب السوفيتي كلمة شرح فيها موقف حكومته من القضية السورية – اللبنانية المعروضة للمناقشة على مجلس الأمن وقد استهل كلمته باستعراض مفصل للحوادث التي وقعت في منطقة الشرق الأوسط منذ عام 1941م، وأعلن تأييد الحكومة السوفيتية للمطالب المشروعة التي تقدم بها الوفدان السوري واللبناني إلى مجلس الأمن....

محاولات تسوية النزاع في مجلس الأمن:

بعد الاستماع إلى كلمات المندوبين الذين تعاقبوا على الإدلاء بموقف حكوماتهم، قام مجلس الأمن بدراسة الاقتراح المقدمن من قبل المندوب الهولندي، وهذا نصه:

(إن مجلس الأمن قد أخذ علماً بالبيانات التي تقدمت بها الأطراف الأربعة ويعلن ثقته بأن القوات الأجنبية الموجودة في سورية ولبنان ستسحب في  وقت غير بعيد، سواء كان ذلك بواسطة المفاوضات أو غيرها، ويطلب من الأطراف المعنية إبلاغه بذلك عند حصوله، لكي يتمكن المجلس من الرجوع إليه في كل وقت، ثم الانتقال إلى الموضوع التالي المدرج في جدول الأعمال)....

فشل مجلس الأمن الدولي في الوصول إلى قرار بشأن النزاع:

فشل مجلس الأمن الدولي في الوصول إلى قرار ملزم يقضي بانسحاب القوات الأجنبية من أراضي سورية ولبنان، رغم الجهود التي بذلها عدد من أعضاء المجلس في هذا الشأن.

هذا الفشل كان يهدد ببقاء النزاع معلقاً بدون حل، لولا الإعلان الذي صدر عن مندوبي فرنسا وبريطانيا بأن حكومتيهما ستقومات طواعية بتنفيذ رغبة أكثرية الأعضاء في مجلس الأمن.

أدى “الفيتو” السوفيتي إلى خلق فراغ خطير، بدلاً من أن يساعد على إيجاد حل للمسألة السورية – اللبنانية، إذ أصبح النزاع بدون حل، بعد سقوط مشروع القرار الأميركي، ولم تعد الحكومتان البريطانية والفرنسية ملزمتين قانوناً بسحب قواتهما، من سورية ولبنان تطبيقاً لأحكام ميثاق الأمم المتحدة، الأمر الذي كان من شأنه أن يجبر الوفدين السورية واللبناني على العودة إلى بلادهما بخفي حنين.

كتاب المندوب الفرنسي إلى مجلس الأمن:

كانت النتيجة التي وصل إلى مجلس الأمن مؤسفة وكادت أن تؤدي إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة، لولا الموقف الذي اتخذته الحكومتان البريطانية والفرنسية بالتعهد الطوعي بالانسحاب من سورية ولبنان تنفيذاً لرغبات أكثرية أعضاء مجلس الأمن، وعلى الرغم من عدم صدور قرار ملزم لهما بهذا الشأن.

في العشرين من نيسان أرسل المندوب الفرنسي كتاباً إلى رئيس مجلس الوزراء أبلغه فيه أن الحكومتين الفرنسية والبريطانية قد اتخذتا بصورة مشتركة التدابير اللازمة لسحب قواتهما من الأراضي السورية في الثلاثين من نيسان عام 1946م.

أما بالنسبة للبنان، فقد أعلنت الحكومة الفرنسية أنها سوف تسحب قواتها من الأراضي اللبنانية في 31 آب عام 1946م، وأن مجموعة من الفنيين ستبقى لتأمين نقل المعدات والآلات على أن يتم انسحابها قبل 31 كانون الأول عام 1946م،

وختم المندوب الفرنسي كتابه بالإشارة إلى المذكرات المتبادلة بين وزيري الخارجية الفرنسي واللبناني في 23 آذار 1946، معلناً أن هذه النهاية الإيجابية جاءت نتيجة للمعارضات التي أوصى بها مشروع القرار الأميركي المقدم إلى مجلس الأمن الدولي.

كتاب المندوب البريطاني:

كما وجه المندوب البريطاني خطاباً إلى رئيس مجلس الأمن الدولي في الأول من أيار عام 1946م، يحيطه بأنه تنفيذاً لمشروع القرار الأميركي، فقد تم الاتفاق بين الحكومتين الفرنسية والبريطانية على ما يلي:

1- تسحب جميع القوات البريطانية من سورية في 30 نيسان عام 1946م.

2- يسحب ألف من الجنود البريطانيين وعدد مماثل من الجنود الفرنسيين من لبنان في 31 آذار 1946م.

3- يتم سحب باقي القوات البريطانية من لبنان في 30 حزيران 1946، باستثناء مجموعة صغيرة من الفنيين لتصفية الأعمال.

وقد أبلغ جدول الانسحاب هذا إلى الحكومتين السورية واللبنانية، فلم تبديا أي اعتراض عليه، كما لم تطلبا إجراء أي تعديل عليه.

 

 

المراجع والهوامش:

(1). الخطاب المقدم من السيدين فارس الخوري وحميد فرنجية رئيسي الوفدين السوري واللبناني إلى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة في المحاضر الرسمية لجلسات مجلس الأمن الدولي، السنة الأولى، الملحق 29، صـ 82-83. نقلاً عن كيالي (نزار)، دراسة في تاريخ سورية السياسي، دار طلاس، الطبعة الأولى، دمشق عام 1997م، صـ 200.

(2). المحاضر الرسمية لجلسات مجلس الأمن، السنة الأولى، صـ 272.

(3). المحاضر الرسمية لجلسات مجلس الامن، صـ 274

(4). الخطاب الكامل في المحاضر الرسمية لمجلس الأمن، السنة الأولى، صـ 283 - 286

(5). كلمة المندوب الفرنسي في محاضر جلسات مجلس الأمن الدولي، السنة الأولى، صـ 289- 294

(6). كلمة المندوب الفرنسي في محاضر جلسات مجلس الأمن الدولي، السنة الأولى، صـ 294- 295

(7). شمعون (كميل)، مراحل الاستقلال، صـ 321-350

(8). الكيالي (نزار)، دراسة في تاريخ سورية السياسي المعاصر 1920 - 1950، الطبعة الأولى، دار طلاس، دمشق 1997م، صـ 210

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى