الاتفاق البريطاني – الفرنسي حول سورية ولبنان
توترت العلاقات الفرنسية – البريطانية بسبب الاعتداءات الفرنسية التي جرت في أواخر شهر أيار عام 1945 على مختلف المدن السورية، وبلغت الأزمة حداً يهدد بالانفجار.
وفي مطلع آب عام 1945م أخذت الحكومتان الفرنسية والبريطانية تسعيان للتوصل إلى إتفاق بينهما، بقصد تنسيق سياستهما في الشرق الأوسط.
وفي مطلع أيلول بدأت المحادثات التمهيدية بين المستر بيفن وزير الخارجية البريطاني، وزميله الفرنسي المسيو بيدو بهدف تخفيف التوتر في العلاقات بين حكومتيهما، وإيجاد نوع من التقارب الفرنسي – البريطاني في سياستهما الشرق أوسطية.
استؤنفت المباحثات بالطرق الدبلوماسية المعتادة إلى أن تم التوقيع في 13 كانون الأول من عام 1945 على اتفاق بين الحكومتين بشأن انسحاب قواتهما من سورية ولبنان.
وعلى الرغم من أن نص هذا الاتفاق لم ينشر في حينه، إلا أن بياناً فرنسياً بريطانياً مشتركاً صدر، وقد جاء فيه:
(جرى بين المستر بيفن والمسيو بيدو في أيلول الماضي بمناسبة انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية الخمسة قد استمر منذ ذلك الحين بالطرق الدبلوماسية....
الاتفاق:
اسُتقبل الاتفاق البريطاني – الفرنسي بشيئ من القلق والحذر، ووصلت إلى السوريين أنباء حول بعض نصوص الاتفاق البريطاني – الفرنسي، والبيان الذي أصدرته الحكومة البريطانية بشأنه، إذ بينما كان البيان يشير إلى “الشروط اللازمة لتجميع وسحب قوات الدولتين من المنطقة، فإن الاتفاق كان ينص على ما يلي:
(إن برنامج الجلاء سيجري إعداده بشكل يضمن بقاء قوات كافية في الشرق لضمان الأمن إلى الوقت الذي تقرر فيه منظمة الأمم المتحدة وسيلة تنظيم الأمن في هذه المنطقة، وإلى أن يتم تنفيذ هذه الإجراءات ويكون للحكومة الفرنسية الحق في إبقاء قوات مجمعة في لبنان.
وتبين من خلال استقراء الاتفاق البريطاني – الفرنسي هذا ما يلي:
أولاً- إن قوات مسلحة فرنسية ستظل معسكرة في لبنان إلى وقت غير محدود.
ثانياً- إن جلاء القوات المذكورة عن لبنان ليس معلقاً على اعتبارات فنية محضة خلافاً لما أشار إليه البيان البريطاني- الفرنسي.
ثالثاً- إن سحب هذه القوات قد علق على شروط لابد للأطراف ذات العلاقة في تنفيذها.
رابعاً- إن موافقة الحكومتين السورية واللبنانية على هذه الاجراءات لم تكن موضع بحث بين الطرفين المتعاقدين).
ومن هنا يمكن القول بأن الاتفاق البريطاني – الفرنسي أخضع انسحاب القوات الفرنسية لإجراءات دولية لم يتم إطلاع حكومتي دمشق وبيروت عليها، كما لم تقم بريطانيا أو فرنسا بعرضها على منظمة الأمم المتحدة.
الموقف الأهلي من الاتفاق:
عارض السوريون هذا الاتفاق وخرجت مظاهرات ضده في عدة مدن في سورية.
وفي العشرين من كانون الأول عام 1945 أضرب طلاب الجامعة السورية، وجميع طلاب المعاهد العلمية، وساروا في مظاهرة كبيرة طافت الشوراع الرئيسية وهي تهتف للحرية والاستقلال مستنكرة الاتفاق البريطاني – الفرنسي.
وانضم إلى المظاهرة فئات عديدة من المواطنين، وأغلقت المتاجر، وتألفت مواكب شعبية تعلن الاحتجاج والاستنكار وقد زاد عدد المتظاهرين على العشرين ألفاً.
وطالبت الجموع بجلاء القوات الأجنبية جميعها عن البلاد.
ثم تلا أحد منظمي المظاهرة الطلاب بياناً أيده المتظاهرون واحتج واستنكر الاتفاق.
وقبل أن يتفرق المتظاهرون تألفت لجنتان أحدهما من الطلاب والأخرى من الشعب عهد إليهما وضع احتجاج على الاتفاق لكي يقدم إلى ممثلي الدول الأجنبية يستنكر المساومات التي تجري على حساب سورية.
الموقف الرسمي من الاتفاق:
اجتمع الرئيس شكري القوتلي بالرئيس اللبناني أكثر من مرة، وتباحثا بشأن الاتفاق.
وفي الحادي والثلاثين من كانون الأول عام 1945 رفضت الحكومة السورية الاتفاق البريطانية – الفرنسي.
الموقف الفرنسي من الرفض:
كان الاتفاق ينص على انسحاب القوات الفرنسية والبريطانية على التوالي من الأراضي السورية، على أن يعيد الفرنسيون تجمعهم في لبنان دون أن يحذو البريطانيون حذوهم في أي حال من الأحوال.
وكان هذا يعني وضع حد للوجود العسكري الفرنسي والبريطاني في سورية، وإنهاء الوجود البريطاني في لبنان، على الرغم من بقاء الوجود الفرنسي فيه، والاعتراف لفرنسا بحق إقامة مؤسسة عسكرية في لبنان، حتى يحين الوقت الذي تصبح فيه الأمم المتحدة قادرة على إعفاء فرنسا من مسؤوليات الانتداب.
عند رفض السوريين للاتفاق انقسم الساسة الفرنسيون على أنفسهم بين مؤيد ومعارض للاتفاق، فوزير الخارجية الفرنسي والسفير في لندن “ماسيغلي” دعوا إلى العودة إلى التفاوض مع الحكومة البريطانية، بينما أصر ديغول على رفض العودة إلى المفاوضات وقرر في الثامن من كانون الثاني 1945 مغادرة باريس إلى منزله الريفي، وقبل أن يغادر استدعى “فرنسيس غي” وزير الخارجية بالوكالة وأبلغه: (لقد ربطتنا العلاقات الخارجية بما دعي باتفاق مع بريطانيا، يبدو لي أن هذا الاتفاق ليس سوى خديعة، فالأحجار تتحرك الآن دافعة إيانا نحو الهدف الذي حددته بريطانيا وهو إخراجنا من سورية ولبنان.
أما الإنكليز فسيبقون بقوة في فلسطين والعراق والأردن ومصر، عليك عدم اتخاذ أي قرار خلال غيابي فيما يتعلق بهذا الموضوع).
في 14 كانون الثاني 1946 عاد ديغول إلى باريس، وقدم استقالته، وفي العشرين من كانون الثاني 1946 غادر السلطة نهائياً، بنما استمر “جورج بيدو” في منصبه وزيراً للخارجية، الذي قام بمحاولات لاستئناف المحادثات العسكرية مع البريطانيين. لكن هذه المحاولات اصطدمت بقرار الحكومتين السورية واللبنانية بـ تقديم شكوى مشتركة إلى مجلس الأمن الدولي.
المراجع والهوامش:
(1). بيان الحكومة البريطانية حول اتفاقها مع فرنسا لسحب القوات من المشرق عام 1945م
(2). ضبوط جلسات مجلس الأمن الدولي، السنة الأولى، الملحق الإضافي، رقم 1، صـ 85، نقلاً عن كتاب: (دراسة في تاريخ سورية السياسي المعاصر)، نزار الكيالي، دار طلاس، الطبعة الأولى، دمشق 1997م، صـ 199
(3). صحيفة ألف باء - دمشق، العدد الصادر في الحادي والعشرين من كانون الأول عام 1945م