مقالات
عماد بلان: مختارات من ذكريات .. مع فـهــد بــلان (4)
عماد بلان – التاريخ السوري المعاصر
مع نهاية عام 1954، استكمل الفهد مدة خدمة العلم في الجيش العربي السوري ، و بدأت رحلته مع حياة مدنية جديدة ستكون شاقة وعسيرة ، فظروف طفولته وفتوته قبل التحاقة بخدمة العلم حرمته من إكمال تعليمه . و انتقاله المتكرر من عمل بسيط إلى أخر ، منعه من تعلم واحتراف مهنة ثابتة مميزة تسمح له باكتساب رزق يسانده في تحمل مشقات الحياة وأعبائها ، وتؤمن له مستقبلاً مادياً مقبولاً .
لكنه ، وفي ذات الوقت ، كان يعي ويدرك أن كتـزاً عظيماً لا ينضب ويكمن في حنجرته، وهو صوته وموهبته الغنائية التي تستوجب التخطيط والكثير من الجهد والمثابرة لإخراج ذلك الكنـز من مدفنه إلى العلن . لكن كيف يحقق حلمه ذاك وهو لا يملك حتى ثمن علبة سجائره ..؟! قرر أن يلحق بأمه وشقيقه غالب إلى الأردن فلعل وعسى أن يبتسم القدر و يحقق له أمانيه ..
وفي الصباح الباكر حزم الفهد ملابسه في كيس صغير، قميص وبنطال وبيجاما للنوم.. فقط لا غير . وفي الحافلة التي انطلقت من دمشق إلى عمان اتخذ مقعده عند النافذة يتأمل السهول والجبال الممتدة جنوب سوريا وحلم يداعب خياله بمستقبل واعد مشرق . الصور تتوالى في مخيلته وكلها كانت ترسم له شخصيته: مطرب يقف على خشبة المسرح وجمهور عريض يصفق له بحرارة ويحييه بالهتافات .. تخيل نفسه يشق طريقه وسط المئات من المعجبين .. منهم من يمد يده ليصافحه .. ومنهم من يرجوه توقيعاً .. وآخر يتقدم منه ليأخذ معه صورة .. ومنهم .. ومنهم .. لكن أحلامه تلك كانت سرعان ما تتبخر كلما فتح علبة سجائره ليجدها وقد انتقصت واحدة ، وما بقي فيها سوى اثنتين لا غير ..!! وليس في جيب قميصه أكثر من ليرات خمس سورية ..!!
عبرت الحافلة الحدود ومضت بركابها نحو عمان ، خلال الطريق اشتد عليه التعب وغلبه النعاس فغرق في غفوة طويلة على مقعده في الحافلة ، وما نهض إلا على صوت معاون سائق الحافلة يوقظه : يا سيد .. يا أخونا .. قوم من نومك .. وصلنا إلى آخر محطة للباص ..!! لقد فاتته المحطة التي عليه أن ينزل فيها لغفوته العميقة الطويلة.. نزل من الباص ومشى بعيداً في الطرقات المزدحمة تحت أشعة شمس لاهبة .. تعب وجوع أنهكا جسده النحيف ، قلق عميق انتابه ، فهو لا يعرف من عنوان أهله سوى أنهم في ” حارة الدروز ” في جبل عمان .. لكن كيف الوصول ..؟ لا يدري .. !! والليرات الخمس التي معه لا تسعفه ليستقل تاكسي إلى تلك المنطقة .. فما العمل ..؟ أطلق قدميه ومشى طويلاً يستدل إلى مقصده من هذا وذاك من المارَّة .. وبالنهاية وضع قدمه على أول طريق ترابي صاعد نحو قمة تل عالٍ وقال : يا كريم ..!! بعد دقائق وقع بصره على ثلاث نساء جالسات أمام غرفة متهالكة ومحاذية للطريق الترابي، يتبادلنَ الأحاديث وبينهنَّ ” عدة ” المـتة .. مشهد سريع بعث أملاً في نفسه ، فقد أدرك أنهنَّ من بلده .. من الجبل .. جبل العرب .. كنَّ ” يـُـقاقـيـنَّ ” أقصد : يتحدثنَ ” القاف ” الأصيلة .. وفضلاً عن المتــة ” فاكهة جلسات أهل الجبل ” .. فملابسهنَّ كانت من الزي العربي المعروف في أرجاء الجبل الأشم ..
اقترب الفهد منهنَّ و قال : ” مرحبا يا خالتي .. بتعرفيلي وين بيت أم غالب بلان .. ؟؟ .. صاحت إحداهنَّ : أكيد انت فهد .. فهد ابن حمود بلان .. شوف يا تقبرني هذااااك بيت أم غالب .. الله معك يا ابني وسلم لي على أمك ..” .. وصل الفهد إلى ” الفيللا “.. الغرفة الصغيرة الضيقة التي احتضنت أمه وشقيقه بين جدرانها المعدنية الرقيقة .. وكان اللقاء بالعناق والقبلات والدموع ..
أمضى الفهد فترة من الزمن مع أمه وشقيقه وبعض أصحابه ، يمضي نهاره باحثاً عن عمل ما يتكسب منه بلا جدوى.. أما الليل فقد كان يمضيه مع ثلة من أصدقائه يلعبون الطرنيب وطاولة الزهر .. مع السجائر والشاي . وذات يوم ، حانت له رغبة في أن يتوجه إلى كراج الحافلات وسيارات الأجرة العاملة بين عمان وبيروت ، هو نفسه الكراج الذي اشتغل فيه مع شقيقه غالب قبل حوالي ستة أعوام خلال أول رحلة لهم إلى عمان . وصل الكراج وجلس إلى طاولة صغيرة في المقهى الملحق به يحتسي فنجان قهوة وينفث دخان سجائره .. وخياله يعود به إلى الوراء متذكراً أيام كان يشتغل في هذا الكراج .. حتى توقف شريط ذكرياته عند مشهد كان من أكثر المشاهد بريقاً وحضوراً .. مشهد سرده الفهد على مسامعي أكثر من مرة.. تفضلوا وتابعوني :
قبل ستة أعوام ، بينما كان الفهد وشقيقه غالب في غمرة عملهما في الكراج ، يحزمان أمتعة الركاب ، وينقلان بعضها من وإلى الباصات والسيارات . وإذ بمراقب العمال ينادي بعماله : يا شباب .. تعالوا شوفوا فريد الأطرش ومريم فخر الدين ..!! اندفعت جموع العمال مع كثير من المسافرين ليقفوا خلف سور من الشريط المعدني يعيق اقترابهم من التاكسي المرسيدس التي كانت تتهيأ لتقل الموسيقار الكبير والممثلة الرائعة من عمان إلى بيروت ، بعد انتهائهما من تصوير مشاهد لفيلم كان مشتركاً بينهما . كان الفهد تواقاً لرؤية الموسيقار العظيم والممثلة الشهيرة ، لكن ما العمل أمام العشرات من الناس الذين تدافعوا وحجبوا عنه المشهد..؟ لم يجد الفهد من وسيلة سوى أن يتسلق كتفي شقيقه غالب ليحظى ولو بنظرة خاطفة إلى العملاقين وهما يلوحان بيديهما ويودعان الجمهور الغفير ، لتنطلق الناكسي بهما مسرعة إلى بيروت .
ولشدة تعلق الفهد بشخصية مريم المميزة كفتاة جميلة وممثلة لها وزنها الثقيل في عالم السينما العربية ، فقد صور له إحساسه المرهف بأن مريم فخر الدين كانت تخصه هو وحده بالتحية دون غيره ، لذلك ، وعند مساء ذلك اليوم اتخذ قراره بلملمة ما في جيبه و جيب شقيقه من ” شلنات و قروش ” كانت تكفي لشراء تذكرة سينما لحضور فيلم قديم لفتاة أحلامه مريم فخر الدين ..!!
لكن الزمن دوار ، ولا شيء يبقى على حاله ..!! فالقدر لم ينبئنا بأن ذلك الفهد ، الفتى اليافع الصغير الفقير ..العامل اليومي في كراج النقليات بشلنات معدودة وقروش قليلة .. سيكون في يوم من الأيام زوجاً للفنانة الكبيرة والقديرة والشهيرة ، ساحرة قلوب الشباب : مريم فخر الدين ..!!
ولم تخبرنا الدنيا المتقلبة بأن هذا الفهد نفسه .. سيصبح في يوم من الأيام الصديق الأقرب روحياً وفنياً للموسيقار العظيم : فريد الأطرش ..!!