مقالات

ميشيل عفلق : الإيمان

من كتاب في سبيل البعث (3)

  •   
  •   
  •   

ميشيل عفلق : الإيمان

 ان الأساس الخالد لعملنا، الأساس الذي لا يتبدل ولا يستغنى عنه هو (الايمان). والتفاؤل مظهر بسيط من مظاهر الايمان. هذه نظرة قد يعتبرها بعضهم غيبية، ولكن الحياة برمتها تقوم عليها منذ ان وجدت الحياة الانسانية. وإذا طرحت هذه النظرة جانبا لا يبقى تاريخ ولا يبقى إنسان.

ولو أعطونا ملك الارض ولو أعطونا اليوم او في أي وقت الدولة العربية التي تتحقق فيها أهداف البعث وقالوا ان الايمان سيكون مفقودا من حياة البشر الذين يكونون هذه الدولة المثلى، لقلنا اننا نفضل ان نبقى أمة مجزأة وأمة مستعمرة ومستغلة، مظلومة ومستعبدة حتى نصل من خلال الآلام، من خلال الصراع بيننا وبين قدرنا، بيننا وبين أنفسنا، الى اكتشاف حقيقتنا الانسانية.

هذا الايمان لا يستطيع أحد ان يفخر بأنه أوجده وخلقه، هو في أعماق كل انسان، وفي أعماق كل انسان عربي. وقد شاء قدر امتنا وتراثها وقيمها الروحية والانسانية ان يعب وهذا الايمان عن نفسه بين مجموعة من الشباب، كانوا أبعد ما يكونون عن السياسة ورخص السياسة : سموا بالخياليين والمثاليين والاطفال ولكنهم في هذه المرحلة من حياة العرب، مثلوا على بعض أجزاء الارض العربية حقيقة النضال وقدسية النضال، ومثلوا شيئا أعمق من حقيقة وقدسية النضال، مثلوا التفاني والتجرد وإنكار الذات والتواضع أمام الفكرة وأمام صوت الحق وآلام الشعب.

هذا الايمان لم يقلل من شأنه أن تكون تعبيراته لم تبلغ بعد درجة النضج والوضوح اللازمين له، فثمة فرق أساسي بين المبدأ كروح، وبين المبدأ كذهن. فمبادئ الحزب كتعبيرات ذهنية هي بحاجة الى عمل طويل والى دراسة وبحث لكي ترتقي شيئا فشيئا وتفيد من دراسات الأمم الأخرى، ومن نتائج البحث العلمي والتجربة الذاتية وتجربة الآخرين.

ان طريقنا طويلة وسوف يمر عليها أفراد وأجيال لذلك يجب أن يعرف السائرون على هذه الطريق كلمة السر التي تبقي على صحة الطريق واستقامته وأمانته وان ينقلها كل فرد لآخر، وكل جيل لآخر. وكلمة السر هذه ليست نظرية يبرهن عليها وليست دستورا رياضيا، ولكنها هي الميزة التي تميز الانسان في كل عصر وكل قطر… عفويته التي تميز بين الصدق والكذب. فهذه الروح العفوية التي تغذيها التجارب ويصقلها الفكر والبحث، ولكن لا توجدها التجارب ولا العلم ولا الفكر، هذا هو المقياس وكلمة السر.

 

عام 1943

المصدر
في سبيل البعث - الجزء الأول
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق