بعد الجلاء الفرنسي تقدمت شركة التابلاين الأميركية، التي تتولى التنقيب عن، واستخراج، وتسويق النفط السعودي، إلى الحكومة السورية بطلب الموافقة على إمرار خط أنابيب النفط العائدة لها عبر الأراضي السورية، الأمر الذي يقتضي إبرام اتفاقية وتقديمها إلى مجلس النواب للتصديق عليها، كي تصبح نافذة. هذا المجلس الذي يتناوب السيطرة عليه كلا الحزبين الكبيرين (الوطني والشعب)، مع وجود مجموعات ضغط من القوميين الراديكاليين.
يذكر خالد العظم في مذكراته أن الملك السعودي عبد العزيز أرسل المشروع الذي قدمته شركة التابلاين إلى حليفه، رئيس الجمهورية شكري القوتلي عام 1946، لكن خالد العظم، وبصفته وزيراً للاقتصاد الوطني، كتب تقريراً مفصلاً عن المشروع بيّن فيه اعتراضه على النصوص وعدم قبوله بإبرامه، لذلك لم يتم عرضه على مجلس النواب، ويضيف العظم أن موقفه هذا كان من جملة الأسباب التي حملت القوتلي على إبعاده عن رئاسة الوزراء في التعديل الوزاري اللاحق، وترجيحه جميل مردم لرئاستها، الذي قام، بعد أن تسلم رئاسة الوزارة، بالتوقيع عليه بالأحرف الأولى لكنه لم يجرؤ على تقديمه إلى مجلس النواب.
وساطة الملك السعودي:
كشفت مجلة “كل شيئ” البيروتية في مطلع كانون الثاني 1949م أن الملك السعودي عبد العزيز آل سعود أرسل برقية إلى الرئيس شكري القوتلي يرجوه فيها بذل كل ما يملكه من جهد لتصديق اتفاقية التابلاين.
وزعمت المجلة أن برقية العاهل السعودي تشير إلى أن شركة التابلاين قد نحجت في إيجاد مصب لأنابيبها على الشاطئ المصري لتحويل خط سير مد الأنابيب إليه في حالة عدم موافقة الحكومة السورية على اتفاقية التابلاين.
وقد تزامن وصول البرقية مع وصول السيد إبراهيم السليمان إلى دمشق وبيروت بمهمة سعودية تتعلق بمشروع التابلاين، كما تزامن مع وصول المستر هول المدير العام لشركة التابلاين إلى دمشق قادماً من بيروت لمناقشة الاتفاقية.
محاولات تمرير المشروع:
لذلك بقي هذا الأمر معلقاً ولم يتمكن شكري القوتلي من تمرير المشروع عبر مجلس النواب. وكذلك بقيت اتفاقية الهدنة الدائمة مع إسرائيل معلّقة.
ويؤكد خالد العظم بأن موقف النواب السلبي تجاه هذين الاتفاقين كانا في طليعة الأسباب التي حملت حسني الزعيم على القيام بانقلابه العسكري في الثلاثين من شهر آذار عام 1949، مفتتحاً به عصر الانقلابات العسكرية في سورية، وفي العالم العربي بأكمله.
كما يضيف العظم معلقاً: إن حسني الزعيم لم يكن مهتماً بتصديق الاتفاقين، بل إنه كان آلة صمّاء استعملها الأميركيون مباشرة، أو عن طريق الفرنسيين وعملائهم للإطاحة بالحكومة وبمجلس النواب وإيصال حسني الزعيم إلى الحكم. فلا عجب أن يعمد فوراً إلى إصدار مرسومين اشتراعيين، صدّق وأبرم بهما كلاً من الاتفاقيتين.
وفيما يتعلق باتفاقية الهدنة الدائمة، يعلق العظم بالقول: “انتهت مفاوضات الهدنة بين سورية واليهود في عهد حسني الزعيم بأن قبلت سورية الانسحاب من جميع الأراضي التي كانت احتلتها، بعد حمامات “الحمّة” ومحطة سكة الحديد فيها. كما تنازلت عن طلب جعل خط الهدنة ماراً بمنتصف سطوح المياه. وقبلت أن تكون الحدود السياسية بين سورية وفلسطين هي الخط الفاصل. أما الأراضي المحتلة، فعادت بمعظمها إلى اليهود، عدا جزءاً منها سمي منطقة مجردة، لا يجوز للقوى العسكرية دخولها. وتركت بالإضافة إلى ذلك منطقة كانت القوى اليهودية احتلتها ليلة الهدنة، وهي كائنة على الجرف المشرف على بحيرة طبرية”.
ومما يجدر التنويه إليه أن حكم حسني الزعيم لم يستمر إلا أربعة أشهر وعشرة أيام، حيث أطاح به انقلاب سامي الحناوي، وتم إعدام الزعيم ومساعده محسن البرازي فوراً، وعادت البلاد إلى الحكم المدني، لكن الاتفاقيات التي وقعها الزعيم لم تُمس ولم تُبدّل، وظلّت سارية المفعول!
ومن المفارقات التي يتوجب التوقف عندها ملياً، أن كلاً من حزب البعث (عفلق والبيطار) والحزب العربي الاشتراكي (أكرم الحوراني) أيّدا بحرارة انقلاب الزعيم، الذي يتهمه العظم أنه كان أميركياً بامتياز، إلى حد أن حزب البعث اعتبره “ولادةً لعصر جديد في سورية”، كما أن ميشيل عفلق سعى كي يكون مستشاراً لحسني الزعيم، أما الحوراني، الذي قام بتسهيل الانقلاب عبر نفوذه في صفوف ضباط الجيش، فقد أعجبه تصريح حسني الزعيم “جئت لأحرر الفلاحين”، ثم أصبح مستشاراً قانونياً لوزارة الدفاع.
المراجع والهوامش:
(1). نشوان الأتاسي: إنقلاب حسني الزعيم
(2). صحيفة ألف باء - دمشق، العدد 7931 الصادر في يوم الأحد 25 كانون الثاني عام 1949م
(3). نشوان الأتاسي: إنقلاب حسني الزعيم