شهادات ومذكراتعادل عبد السلام

عادل عبد السلام (لاش): حكمت شريف حلمي شاشأه في ذكرى رحيله

  •   
  •   
  •   

عادل عبد السلام (لاش): حكمت شريف حلمي شاشأه في ذكرى رحيله

عادل عبد السلام (لاش) -التاريخ السوري المعاصر

مهداة إلى روح الدكتور حكمت شريف حلمي شاشأه في ذكرى رحيله في مثل هذا اليوم (29 -7- 2015).

كنت أسلك، ومازلت أسلك في ذهابي إلى محاضراتي الصباحية في جامعة دمشق، طريق (أوتوستراد) المزة، وكثيرا ما كنت أصادف صديقي الدكتور حكمت حلمي عائداً من مطارالمزة، نعم من مطار المزة ؟؟ إلى منزله في شارع الروضة سيراً على الأقدام، في رياضة المشي اليومية التي كانت مواعيده في ممارستها أدق من عقارب ساعة بيغ بن. لكن الممتع في أمرنا، أنه كان يسير إلى يسار سيارتي التي يرفض دعوتي لركوبها، فأخفف من سرعتها لنتبادل أثناء سيرنا أطراف أحاديث تنتهي بمفارقته لي عند وصولي إلى بوابة كلية الأداب، ومتابعته مشيته بخطوات ثابتة قوية.
عرفت الدكتور حكمت شاباً يتفجر حيوية ونشاطاً، حين كانت المرحومة والدتي تصر علي وعلى زملائي في حارة الشطا في المهاجرين بدمشق، زيارة والده المرحوم (التحماته) شريف (بيك) حلمي صباح كل عيد لمعايدته وأسرته. وكان فارق السن بين ابنه حكمت وبيني سبباً في عدم تطور المعرفة إلى صداقة حينذاك، حتى خمسينات القرن الماضي وتلاقي اهتماماتنا بالمسائل الشركسية في إطار نشاطات الجمعية الخيرية الشركسية. وبصورة خاصة بعد معرفتي بجهوده وجهود أخيه الأكبر جودت ووالدهما في المساهمة مع بقية رجالات الشركس في سورية بإنشاء الجمعية كما أخبرني المرحوم الأستاذ يوسف صلاح الدين تاموخ (الأب الروحي للجمعية ورئيسها الأول لأكثر من دورة). كما علمت أن الدكتور حكمت سبق وشارك في تأسيس تجمع شركسي في دمشق قبل تأسيس الجمعية بسنتين. فلقد روى لي المرحوم حكمت القصة التي كان المرحوم أديب شاكوج (أول فنان زود كتب المدارس الإبتدائية والثانوية السورية بالرسوم والأشكال التوضيحية). سبق وحدثني عنه، وتفاصيلها بكلمات الدكتور حكمت:
” كنا مجموعة من الشباب الشركسي المثقف في دمشق، منهم جودت شقيقي الأكبر، وأنا، وشريف رجب توغوظ، وبيبرس أنجوق، ومراد كاظم، وعدنان لوستان، وكمال بشير، وجلال أمين وغيرهم، وكان يرأسنا الدكتور الطبيب سامي شركس، وهو من منبج في الأصل. اتفقنا بعد عدد من الاجتماعات على إنشاء تكتل شركسي رياضي اجتماعي في دمشق، يحظر على أعضائه العمل في السياسة. لكن السلطات رفضت طلبنا بإنشاء ناد رياضي في دمشق سنة 1946، فأشار أحدهم علينا أن نكون فرعا لأحد الأندية الرياضية المرخص لها في سورية بحيث نمارس نشاطنا من خلاله. فلجأنا إلى نادي بردى وهو أقدم أندية سورية تأسس في دمشق سنة 1927 ، الذي رحب رئيسه بشير البكري (على ما أذكر) بنا، واتخذنا مقراً لنا في منطقة البحصة”.
“لكن الأحوال المادية لم تساعدنا على الاستمرار فانحل هذا التجمع الشركسي تلقائياً. مع أن الأستاذ، – والكلام ما زال لحكمت- والمربي والفنان الشركسي الكبير أديب شاكوج كان يساعدنا مادياً، على الرغم من أنه لم يكن عضواً في التجمع “. لكن غيرة الدكتور حكمت وغيرة أسرته الكريمة، وهي أسرة شركسية جولانية من قرية المنصورة، على قومهم لم تتوقف عند ذلك الفشل، بل كان المرحوم واحداً من العاملين في إنشاء الجمعية الخيرية الشركسية.
وقصة إنشائها حسب رواية الدكتور حكمت ترجع إلى المطالبات المتكررة من الشركس لإنشاء جمعية لهم في سورية، من دون تجاوب من قبل السلطات السورية بشكل غير مباشر، أوبشكل مباشر. إلى زمن زيارة وفد من رجالات الشركس برئاسة الأستاذ القاضي والمحامي يوسف صلاح الدين تاموخ، وفوزي تسه ي، وكان معهم بعض الأطباء الشركس وطلاب كلية الطب ومن بينهم حكمت حلمي وغيره، لجرحى معارك الحرب السورية – الإسرائلية لسنة 1948 من الجنود الشركس في مستشفى المزة العسكري، وذلك قبيل إعلان الهدنة الثانية بأسبوع واحد. وبعد خروجهم من المستشفى، دعا يوسف صلاح الدين تاموخ رجالات الشركس إلى اجتماع في منزله في منطقة الشعلان (خلف وزارة الصحة الحالية)، طرح فيه ضرورة إنشاء جمعية رسمية، لمساعدة أسر الشهداء الشركس الذين قدرعددهم حينها بنحو 90 شهيداً من أصل 1867 جندي مجموع أفراد الجيش السوري، وتقديم العون للجرحى والمصابين وأسرهم وذويهم، بالاستفادة من الوضع القائم، وإبراز دور الشراكسة في معارك الشرف والدفاع عن بلاد الشام ، فوافق الجميع على مقترح إنشاء الجمعية وأكدوا على ضرورة الإسراع بتقديم طلب إلى الجهات المختصة، وتم تقديم الطلب في اليوم الثاني، وجاءت الموافقة الشفهية المبدئية في اليوم الثالث من زيارة المستشفى. أما الموافقة النهائية والرسمية فقد تأخرت حتى الأول من شهر أيلول من سنة 1948.
فتح تأسيس الجمعية أبواب النشاط أمام الشركس، وأمامي، لكوني تم اختياري كاتباً لمحاضر الجلسات لجمال خطي ولأني أصغر أعضاء الجمعية سناً، فكان حكمت العضو فيها أول الفضوليين المستفسرين مني عن مقررات الكبار. لكن ما زاد في تقاربنا كان نهمه الشديد للقراءة والمطالعة، ودأبه على استعارة الكتب الشركسية التي كان كتاَّب الوطن يرسلونها لي منذ خمسينات القرن الماضي. ولا أذكر أنه أخلف أو تأخر عن موعد إعادة كتاب أو مجلة أو جريدة. وعلى الرغم من تباعد لقاءاتنا بسبب سفره لطلب العلم وتحقيق أمله في أن يصبح وأحدأ من أبرز الأطباء الجراحين في سورية، لم تنقطع أخباره عني كلياً، إذ غادربعد تخرجه في كلية الطب في الجامعة السورية (جامعة دمشق اليوم) بتفوق، إلى الولايات المتحدة الأمريكية للتخصص في علم الجراحة في جامعة كنتاكي، فكان له ما سعى اليه، وعاد ليحتل مكاناً مرموقاً في تخصصه. أعقب ذلك انقطاع تواصلنا خلال فترة دراستي وعملي في برلين الغربيىة والصحراء الإفريقية، وغيابي عن سورية مدة خمس سنوات، لأعود ونواجه معاً ومع أخيار المتطوعين من الأخوة والأخوات الشركس كارثة النزوح الجماعي لأهلنا من الجولان سنة 1967. فمنذ اليوم الأول الذي تحولت فيه مدرسة طارق بن زياد في حي المهاجرين إلى مقر خدمات ومركز عمليات لخدمة النازحين الشركس وغيرهم، كان الدكتور حكمت في طليعة من قدم خدماته الطبية والاجتماعية – الإغاثية، لآلاف النازحين، ناشطاً على رأس قرابة عشرة أطباء وطبيبات شركس. فكان يأتي الى المركز في الصباح الباكريومياً، تصحبه زوجة أخيه السيدة الفاضلة المرحومة ماجدة المفتي لتنضم إلى شقيقتي نعمت وغيرها من العاملات المتطوعات، لينطلق منه إلى تفقد أوضاع النازحين في بقية المدارس. وكانت جهوده تتجاوز المعالجة والطبابة إلى الاتصال بقنوات الإغاثة المحلية والدولية كالهلال الأحمر والصليب الأحمر واليونيسيف، تساعده في ذلك خلفيته الثقافية والأكاديمية الأمريكية. فكنا في (اللجنة العليا للنازحين) التي انتُخب عضواً فيها نعتمد عليه وعلى جهوده أعتماداً كبيراً. أما بعد الظهر فكانت عيادته الخاصة تغص بالمراجعين، يعالجهم مع تزويد المحتاجين منهم بالأدوية… بالمجان. لم ينقطع الدكتور حكمت عن مساعدة النازحين وإغاثتهم في إطار عمل لجنتنا وعمل الهيئة الإدارية للجمعية الخيرية الشركسي، موزعاً وقته بين عمله الرسمي في مستشفيات الدولة، وبين رعاية النازحين، وبين العمل في عيادته الخاصة، فلم أسمع منه يوماً كلمة تأفف أو شكوى، من صيف عام 1967 إلى تاريخ توزيع مساكن مرج السلطان على أسر النازحين سنة 1971، وما بعد ذلك.
أما أطول فترة قضيتها وبدون انقطاع بصحبة هذا الإنسان الطيب الغيور على قومه وأهله فلقد كانت بين 28 تموز و 12 آب من عام 1977 حين أنعم الله علينا بزيارة وطن الأجداد في رحلة جماعية، انطلقت من سورية ولأول مرة في تاريخ الشركس، منذ احتلال الروس لبلادهم وتهجيرهم سنة 1864. أي بعد 113 سنة. تمت تلك الرحلة في زمن كانت فيه زيارة القفقاس ومناطقه الشركسية الخاضعة لموسكو والسلطة السوفييتية، مستحيلة على الشركس ومحظور دخولها على الأجانب، وحملة الجنسية السورية والأردنية أمثالنا منهم. الأمر الذي شكل تحدياً كبيراً لقيام الرحلة، التي كان هدفها الأساسي زيارة مقاطعة الأديغيي وجمهورية القبرتاي/ البلقار، ولي في المنطقتين عشرات الأصدقاء بالمراسلة منذ سنة 1957. ولم يكن يدرك صعوبة ما سنواجهه في هذا الأمر سوى ثلاثة من أعضاء الرحلة الـ 35، هم منظم الرحلة رئيس الجمعية الخيرية الشركسية الأستاذعدنان صوماف والدكتور حكت حلمي وأنا. فتمكنا وبمساعدة مكتب سبوتنيك للسياحة بدمشق، الذي أعلمناه بغايتنا، من الحصول على التأشيرات الضرورية لزيارة أقرب المدن إلى المناطق المذكورة (كرسندار وبيتغورسك)، على امل السماح لنا بدخول مدينتي مية قوابه ونالشيك المغلقتين أمام الأجانب، من هناك. لكن جهودنا كادت تبوء بالفشل نتيجة تقارير رفعها عملاء موسكو من الشركس والعرب في سورية إلى السلطات الروسية، تفيد أن هذه الرحلة ليست سياحية، بل هي قومية -عنصرية هدفها محاولة لم الشمل والاجتماع بالأقرباء وذوي الرحم، وأن أفرادها من غلاة المتعصبين الشركس المعادين للروس؟؟؟، ومن المتدينين المحاربين للشيوعية. وذُكرفي أحد التقارير أننا، حكمت وأنا من خريجي جامعتي برلين الحرة (الغربية) وجامعة كنتاكي الأمريكية المعاديتين للشيوعية، كما روى لنا مرافقنا دليل الرحلة الروسي وهو في حالة يرثى لها من السكر. ومماً قاله لنا أيضاً، أن السلطات أعلمت وكيل سبوتنيك في دمشق بضرورة إلغاء الرحلة، بأي شكل من الأشكال وبأية حجة ومبرر زائف، لكن الوكيل كتم الخبر طمعاً في المال الذي قبضه، ليس هذا فحسب بل اتصلوا بمطار عمان، الذي كان سفرنا عن طريقه، لتعطيل الرحلة.
إن الحديث عن هذه الرحلة وأحداثها يحتل حيزاً كبيرا من سيرتي الذاتية، لعلي أوجزها لقرائنا الأفاضل في قادم الأيام، وأكتفي هنا بذكر مواقف الدكتور حمكت المتشددة المساندة لقراراتي تجاه المعاملة االسيئة والعدوانية التي عوملنا بها في مطار موسكو وفي الأماكن الأخرى، والتي كان الهدف منها قطع الطريق علينا وإكراهنا على المطالبة بعودتنا إلى دمشق. والتي كان مستعداً للاعتقال في مواجهتها. ومن أخطر المواقف التي آزرني فيها الدكتور حكمت وتبعه الآخرون، كان تظاهرنا في مطار موسكو مطالبين تدخل السفارة السورية في وضع حد للإساءة التي يلقاها السوريون. أما المحاولة الأخطر فكانت حين أخبرني مندوبا السياحة في موسكو عن تغييرهم مسار رحلتنا من خط: موسكو – كراسندار – بيتغورسك – موسكو، كما هو في تأشيراتنا الصادرة من السفارة الروسيىة في دمشق، إلى خط موسكو – لينيغراد – مينسك – موسكو بحجة واهية هي عدم توفر أماكن إقامة لنا في كراسندار وبيتغورسك ؟؟؟….. وعلى الرغم من سقوط الخبرعلي كالصاعقة فكرت بالأمر ملياً وأجبتهم: “حسناً. أنتم تريدون منعنا من مشاهدة جبال القفقاس ولو من بُعد، سنحقق لكم ذلك، وما عليكم سوى أن ترتبوا عودتنا إلى عمان فدمشق غداً”. فعلت وجها المندوب والمندوبة ابتسامة تشفٍ وارتياح صفراء، لكنني قلت لهما : “ولكن علي أن استشير أعضاء الرحلة قبل أي إجراء تتخذونه”، فوافقا. تركتهما وانا أخطط لأمر وأخبرت الدكتور حكمت بالأمر. وعلى الرغم من الحزن والأسى الذي عم المشتركين بالرحلة، وافق الجميع على موقفنا. وقبل نقل الخبر إلى المندوبَين أعلمت حكمت وحده بخطتي فأيدها بحماس بالغ. وكانت بسيطة جداً، إذ أعلمت المندوبَين أن الجميع وافق على العودة إلى دمشق، لكنني أضفت إلى ذلك بأنني أستاذ جامعي وأُدَّرِس قرابة 1000 طالب مادة الجغرفيا في جامعة دمشق، ولما كان الطلاب يعرفون عن هذه الرحلة، فسيُطلب مني إلقاء محاضرة عنها حين أعود، وسأروي للجميع معاناتنا ومشاهداتنا وما عوملنا به. ولم أجانب الحقيقة. ففوجئ الاثنان وطلبا فرصة للتشاور وخرجا، عادا بعدها يحملان ،كرهاً، مخططاً جديداً، مساره موسكو – بيتغورسك – دومباي – موسكو. ولما كانت منطقة دومباي في مقاطعة قرشاي – شركس رضينا به. وبقي علينا إعلام أهلنا ومعارفنا في ميه قوابه ونالتشيك بالمستجدات، فتمكن النالتشكيون من حصولهم على أذن لنا يسمح للرحلة بدخول الجمهورية لمدة11 ساعة فقط ؟؟؟؟، في حين توافد الأديغييون وعلى رأسهم عالم النارتيات والأديب الكبير حدَغاتلئه أسكَر،علينا بالعشرات في مقرنا في بيتغوسك (المياه الدافئة) و مينرالن فود (المياه المعدنية)، وأمضينا في ضيافتهم؟؟؟ يومين وليلة.
صحيح أن الدكتور حكمت كرس حياته لرفع شأن بني جلدته وخدمتهم ومساعدتهم بكل ما يستطيع، لكن عطاءاته المهنية والإنسانية وإغاثة الملهوفين تجاوزتهم فلم تفرق بينهم وبين أبناء الوطن. أعرف عنه حالات كثيرة أذكر منها حالة أسرة بدوية جاءته من الجزيرة السورية لإجراء عملية جراحية خطيرة لمعيلها. وحين عرف حالتها المادية المزرية، رفض تقاضي أي مبلغ من أهله، بل وزودهم بالأدوية والمواد الطبية والحاجيات الضرورية لمتابعة العناية به في مضاربهم. ولقد تركت خصاله الإنسانية هذه آثاراً حميدة في نفوس أهالي مدينة دوما وباقي سكان مدن وقرى الغوطة الشرقية ومنطقة المرج، حين عمل مديراً لمستشفى دوما الذي عمل جهده لتوسيع نطاق خدماته وتحسينها. وعمت شهرته كل بيت في المناطق المذكورة، وبلغ اهتمامه بها درجة دعته إلى تقليل ساعات عمله في عيادته الخاصة لحساب ولصالح عمله في مستشفى دوما. وأذكر أن ما من مريض من مرج السلطان، أومن منطقة المرج ومضارب بدوها، فكر ثانية واحدة أن يذهب إلى دمشق للمعالجة، بل إلى مستشفى دوما وإلى الدكتور (السرسكي= الشركسي) فيه.
ولد المرحوم في 23 – 10- 1926 في قرية المنصورة في الجولان السوري لأسرة شاشأة الشركسية من قبيلة الأبزاخ، لكنه أمضى صباه خارجها، لعمل والده شريف حلمي في القضاء السوري كقاض للتمييز، في حلب أولاً ثم في دمشق حيث استقر بالأسرة المقام. ودرس حكمت في مدارسها ومدرسة الراهبات التي أنهى فيها المرحلة الابتدائية (السرتفيكا)، لينتسب بعدها إلى كلية الطب في الجامعة السورية (دمشق اليوم) التي تخرج فيها سنة 1951ليعمل طبيباً في ديريك (المالكية اليوم) في شمال شرقي الجزيرة السورية لمدة أربع سنوات، سافر بعدها سنة 1955إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليتخرج في جامعة كنتاكي طبيباً جراحاً، وليتخصص بالجراحة الهضمية بعد نيله شهادة البورد فيها سنة 1959.
كان الدكتور حكمت إنساناً مميزاً هادئاً قليل الكلام ، جهوري الصوت، محبا للأملوحة النادرة يقابلها بضحكة رنانة ، خلوق السمات، لم أسمع منه كلمة نابية أو تعريضاً بأحد، والأمر العجيب في هذا أنه كانت وجنتاه تحمران خجلاً إن سمع شتيمة بحق أحد في مجلس ما. كان يجيد الصمت والاستماع والإصغاء، كارها للثرثرة وترهات الكلام، قلما تنطح لنقاش أو طرح لموضوع إلا بعد استماعه لمن سبقه، وكان سديد الرأي، صلب العود رياضياً، قوي البنية مثابراً على بناء الجسم، شغوفاً بالقراءة والمطالعة بعدة لغات، عاشقاً لمطالعة ما كتب باللغة الشركسية التي كان يقدسها، فبعد قراءته، نعم قراءة، قاموسَي (القاموس الشركسي- العربي) و (القاموس العربي- الشركسي)، دعا لي بقوله: “ليثيبك الله حسنة عن كل حرف كتبته في قواميسك ياعادل” .وكان إلى كل ذلك، يتمتع بروح رياضية عالية مرحة متسامحة تشعرك غيريته باهتمامه بك. يصافحك بكامل كفه وبقوة تشعرك بدفء قلبه وصفاء سريرته. لم أسمع منه يوماً كلمة “أنا” تبجحاً أو تفاخراً، وكان الصدق في كل شيء، والتواضع ومساعدة المحتاجين من أبرز خصاله. لم تكن مهنة الطب والجراحة مهنة تجارية بالنسبة له، بل عملاً إنسانياً بحتاً، كان يؤخذ عليه معالجته مرضاه بأجور رمزية أو مجاناً حين الضرورة، لم يعرف الغنى، تشهد على ذلك بساطة محتويات منزله وأثاثه، المفتقر إلى الكماليات والبذخ المعروف عن التجار/ الأطباء…. وعدم اقتنائه سيارة طوال حياته. غادرنا أبو سليم بجسمه، تاركا لنا أثراً طيباً، فهو وإن غاب عنا مادياً، ستبقى روحه الطيبة تحوم حولنا وحول أسرته الوفية: زوجته فادية إسماعيل غش، وابنه سليم، وابنته زايا، وذكراه محفورة في قلوبنا….. رحمك الله يا صديقي حكمت وطيب ثراك. لقد كنت فخر هذه الأمة المفتقرة إلى أمثالك. نفخر بك وبذكراك.
عادل عبد السلام (لاش)
دمشق 29 – تموز – 2017.

الدكتور حكمت شريف حلمي شاشأة

الوسوم

عادل عبد السلام

الدكتور عادل عبدالسلام لاش من أبناء قرية مرج السلطان الواقعة في الغوطة الشرقية، من مواليد قرية عسال الورد عام 1933. يحمل دكتوراه في العلوم الجغرافية الطبيعية من كلية الرياضيات والعلوم الطبيعية في جامعة برلين الحرة. وهو أستاذ في جامعة دمشق منذ عام 1965. له 32 كتاباً منشوراً و10 أمليات جامعية مطبوعة. باللغات العربية والألمانية والانكليزية والروسية والشركسية، فضلا عن مئات الأبحاث والدراسات والمحاضرات والمقالات، وله أكثر من 150 مقالة علمية. وتعد بحوثه عن الجولان وثائق ميدانية مهمة جداً لأنه كان آخر من قام بدراسة الجولان وكافة قراها على الأرض وأنهاها قبل احتلاله بشهرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق