دراسات وترجمات

سورية عربية أولاً وآخراً للأمير شكيب أرسلان

  •   
  •   
  •   

عبد الله حنا- صحيفة العربي الجديد 13 تشرين الثاني 2017

 شكيب أرسلان (1869 – 1946)، المولود في الشويفات بلبنان من عائلة درزية وجيهة ورث منها لقب الأمير، وكان يجيد اللغات العربية والتركية والفرنسية ويلم بالألمانية. أقام ردحا طويلا من حياته في أوروبا وزار بلدانا عديدة وتأثر بأعلام عصره وفي مقدمتهم جمال الدين الأفغاني ورشيد رضا. ومن مؤلفاته “الحلل السندسية”، “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟”، “الارتسامات اللطاف”، “تاريخ غزوات العرب”، “عروة الاتحاد”، “حاضر العالم الإسلامي”. ولقد لقب بأمير البيان لغزارة كتاباته، وطغت دعوته للوحدة الإسلامية على دعوته للوحدة العربية، وكان معروفا بتأيده للدولة العثمانية قبل انهيارها 1918. ومع أن الأمير شكيب أرسلان درزي المولد، فقد كان شائعا عنه أنه يتعبد على طريقة أهل السنة، يصلي ويصوم ويحج، كما أنه تزوج من امراة شركسية.

 كانت ميول الأمير شكيب أرسلان للخلافة العثمانية الإسلامية حتى تفككها، ومع الزمن أخذت ميوله اليعربية تزداد وضوحا، مع عدم نسيان “طموحاته الإسلامية”، التي جعلت كثيرا من القوميين العرب يزوَرّون عنه. ومجمل القول إنّ الأمير شكيب أرسلان جمع بين العروبة والإسلام مع ترجيح إحداهما على الأخرى حسب تطور الأوضاع والظروف.

 ولا يتسع المجال هنا لتتبع نشاطات الأمير شكيب الوطنية المناهضة للاحتلال الاستعماري من أوروبا وبخاصة سويسرا موطنا ثانيا له.

                      ***

 نشر الأمير شكيب أرسلان في جريدة الأفكار البرازيلية في 6 و9 نيسان (إبريل) سنة 1921 مقالا تحت عنوان “سورية عربية”، نقلته مجلة المنار الإسلامية القاهرية لصاحبها الشيخ رشيد رضا (السلفي النهضوي اللبناني المولد) في 2 سبتمبر/ أيلول 1921. وسنقوم بنقل فقرات أو جمل (عن نسخة المنار) نضعها بين قوسين من مقالة أمير البيان شكيب أرسلان مع بعض التعليقات والتوضيحات من معدّ هذه الصفحات، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المقال كُتب قبل ما يقارب مئة سنة في أعقاب اجتياح جيوش الاستعمار الفرنسي المتمركزة في بيروت والمؤيَدة من الموارنة (السريان) لدمشق وقضائها على أول دولة حديثة وطنية عربية مدنية رئيسها الملك فيصل بن الحسين. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ السنة والشيعة والروم الأرثوذكس لم يعلنوا موقفا معاديا للاحتلال الفرنسي. وارتفعت أصوات تقول إن سورية ذات أصول سريانية، ومن هنا نفهم موقف الأمير شكيب اليعربي.

                                                              ***

  جاء في مقال الأمير شكيب المكتوب بعد انهيار الدولة العربية الحديثة بدمشق في 24 يوليو/ تموز 1920، ما يلي:

“قبل أن انجلى الأتراك عن سورية كان جميع أهلها عربا ولم نكن نسمع فيها بسرياني أو عبراني إلا من قبيل العاديات (الآثار القديمة)… فلما خرج الترك وجاءت محلّهم دولة عربية تريد تحرير البلاد باسم العرب وتنفي من يريد أن يغشى البلاد من غير العرب، جدّت عند بعض هذه الفئة القليلة من أهل سورية نغمة أننا نحن سريانيون غير عرب، وأن لغتنا هي السريانية وإنما غلب عليها اللسان العربي منذ قرون”.

 خاض أرسلان غمار البحث متوخيا، حسب رأيه، الوجهة العلمية الصرفة ومعتمدا على التاريخ المحقق لا المخيّل حسب عاطفته ومخيّلته المكلومة بانهيار العثمانيين، لمعرفة نسب الأكثرية من أهل سورية، أهو عربي أم سرياني؟

يقول أرسلان إن العرب والسريان (والعبرانيين) هم جميعا من الشعوب السامية. ويعدد من الساميين “الكنعانيين سكان سواحل سورية، أي الفينيقيون واليهود والآراميون والسريانيون وآراميو فلسطين الذين نطق بلغتهم السيد المسيح عليه السلام والتدمريون والنبط”.

 “الساميون الجنوبيون وهم العرب. وهؤلاء قسمان، الشماليون وهم عدنان، والجنوبيون وهم قحطان والعرب البائدة…”. فالسريانيون إذاً هم والعرب من فروع شجرة واحدة متدانية الأغصان، يدل على ذلك تقارب ما بين لغتي الفريقين، حتى ليفهم العربي بعض السرياني…”.

 “إنّ أكثر المستشرقين الأوروبيين لا يرون في أكثر الأمم السامية إلا بطونا من العرب، وأن السريانيين هم في الحقيقة الآراميون وأن الآراميين كان فيهم عرب كثير، لأنه ليس المقصود بالآراميين شعبا ذا عرق واحد بل معنى كلمة الآراميين سكان البلاد العالية، كما أنّ معنى كلمة الكنعانيين سكان السهول. كما أنه في أواسط آسيا يوجد الإيرانيون والطورانيون وقد يتوهمونهم شعبين منفصلين نسبيا. والحال أن معنى الإيرانيين سكان الحواضر والطورانيين سكان البوادي. ولقد ثبت كون العرب سكنوا سورية من على عنق الدهر راحلين إليها من الجنوب، فدخل منهم من سكان السهول في الكنعانيين واندمج من سكان الجبال في الآراميين. وهؤلاء الآراميون لم يتسموا سريانا إلا في ما بعد، سماهم بذلك اليونان…”.

“الفينيقيون هم في سورية قبل السريان وقبل الآراميين. وقد ذكر هيرودتس أن قسما من الفينيقيين جاؤوا إلى جهة خليج فارس. كما أنّ العلّامة الانكليزي بينت أجرى حفريات كثيرة في جزيرة البحرين استنتج منها كون الفينيقيين هم من هناك”.

“الأنباط هم عرب يمانيون وقد كانت لهم في سورية دولة وصولة ومدنية ضخمة تدل عليها آثارهم وأخبارهم…”.

 “عند مجيء إبراهيم الخليل إلى سورية كان في هذه البلاد عنصران، أحدهما الحتيت (الحثيون)، في الشمال، والثاني العرب الكنعانيون والعموريون الكنعانيون في الجنوب. وقد وجد إبراهيم ملكيصادق الملك الموَحِّد، الذي كان نظير إبراهيم يعبد العلي الأعلى، وأدى إليه موسى العشر. وإن العلّامة هبرخت مؤلف كتاب “الحفريات الأثرية في القرن التاسع عشر”، يذهب إلى أنّ مليكصادق كان عربيا”.

“اتفق المؤرخون على كون أساس المدنيات القديمة هو الديانة والتجارة. وكل الآثار تنبئ عن أن أكثر مراسم الديانة في سورية آتية من جنوبي جزيرة العرب. وأهم مراسم اليهودية مأخوذة من ديانة مِدْيَن وهي يمانية بحتة. والفينيقيون سكان سيناء كانوا عربا من اليمن أيضا”.

 يعدد أرسلان أسماء المؤرخين في الأمور الدينية، الذين يرون أن “أكثر هذه المسماة بالطقوس آتية من جزيرة العرب، كما أن المؤرخ الأميركاني هارون بورتون ذهب إلى أن كل الأديان السماوية هي من العرب. أما التجارة فمن المقرر أن أكثرها كان مع اليمن، وأنها كانت سبب سعادة سورية، حتى أن ثروة سليمان بن داود الشهيرة كان معظمها من الاتجار مع اليمن. ولا يخفى أنه باستمرار القوافل بين اليمن وسورية كثر طراء العرب على الديار السورية وأوطنوها وتمكنوا وتشعبوا فيها”.

 “وجد الضجاعمة من عرب اليمن في حوران وجنوب سورية قبل الإسلام بأحقاب متتاولة. وفي زمن النبي إيليا، أي قبل المسيح بنحو ستمائة سنة، جاء القائد نعمان العربي من الشام يستشفي من البرص عند أليشع تلميذ إيليا. ثمّ كان بنو سليج وكانوا يحكمون حتى أبواب مدينة دمشق. أما الغساسنة، وهم من الأزد من عرب اليمن أيضا، فقد كانوا في فلسطين والشام وتدمر، وكانت لهم القوة والصولة، واستمر ملكهم ستمائة سنة إلى أن ظهر الإسلام”.

 “كان الغالب في سورية العنصر الوارد إليها من الجزيرة العربية قبل الإسلام فكيف من بعده. وقد جاء العرب المسلمون وفتحوا البلاد واندفق سيل المهاجرة من كل حدب واستمر ثلاثة عشر قرنا إلى اليوم… فهذه الرواية التي معناها أن أكثر أهل سورية أسلموا عند الفتح العربي لا صحة لها. والصحيح أن الأمة الفاتحة غلبت ونمت كما هو شأن جميع الأمم الغالبة وأن الأمم المغلوبة ضَعُفَت وتناقصت، ودخل سورية أقوام كثيرة من المسلمين غير العرب فاستعربوا وصاروا عربا: منهم الأتراك ومنهم المغول ومنهم الأكراد ومنهم الشركس ومنهم المغاربة، ففاق عدد المسلمين في سورية كثيرا على عدد سائر الملل”. 

“إن كثيرا من نصارى سورية هم من أصل عربي، غساسنة وغيرهم. منهم من بقي في حوران ومنهم من جلا إلى دمشق وحاصبيا وبعلبك وزحلة وجبل لبنان… وإن طائفة الدروز هم من قبائل لخم وجذام وبطون أخرى جاء آباؤهم أيام الفتح إلى معرة النعمان، ثمّ أسكنهم الخلفاء العباسيون جنوب لبنان. وإنّ أكثر طائفة الشيعة هم من عاملة من عرب اليمن جاؤوا إلى الشام ونزلوا في جبل سُمّيَ بهم، وهو جبل عاملة أو بلاد بشارة… وبالاختصار فالسواد الأعظم من مسلمي سورية وطوائف سورية المتشعبة من الإسلام هم عرب، ثمّ مستعربون من أمم غير سامية. وإنّ قسما عظيما من نصارى سورية هم عرب صراح لا جدال فيهم. وإنّ بين الطائفة المارونية ذاتها، التي تنتسب إلى السريانية بطونا كثيرة عربية جلت إلى لبنان من حوران باعتراف المؤرخين اللبنانيين من أهل التحقيق. وسواء أراد بعض السريان أن يفصلوا أنفسهم عن العرب بعد أن استعربوا منذ دهور أو لم يريدوا فإن الأكثرية الطاحنة في سورية هي للعرب الحقيقيين”.

                                ***

     قريب رشيد رضا، وهو صالح رضا، الذي صحح نسخة هذا المقال لطبعة المنار، علّق في حاشية له مبينا أنّ كثيرا من القبائل العربية كانت على النصرانية. فقبيلة تغلب عربية ورفضت أن تدفع الجزية، واستجيب لطلبها. وفي موقعة ذي قار لم تكن القبائل العربية، وسمّاها صاحب الحاشية جيوش العرب المنتصرة على العجم، قد دخلت في الإسلام بعد. وفي ما يلي ما جاء في حاشية المصحح صالح رضا: “هل كان التغلبيون الذين حاربوا مع عبد الملك ضدّ خلافة عبد الله بن الزبير مسلمين؟ هل كانت جيوش العرب المنتصِرة التي حاربت مع العرب في العراق ضدّ العجم مسلمة؟ هل ينكر أنّ بني الخازن وبني حبيش وآل شهاب وآل أبي اللمع من نصارى لبنان – وهم من علية طوائف لبنان – غير نصارى؟”.  

                                 ***

       أضواء على آراء الأمير شكيب أرسلان

     بعد انهيار الدولة العثمانية 1918 لم يكن، كما ذكر أرسلان، “جميع سكان سورية عربا”، بل كانت هناك غالبية عربية.

     كتب أرسلان: “لم نكن نسمع في سورية (سرياني)”، أي من يتكلم السريانية. وهذا الحكم صحيح ولكن ليس بالمطلق. فكنائس الطوائف السريانية، التي تُتْلى طقوسها بالسريانية دليل على ترسخ هذه اللغة التي سادت الشرق حينا من الدهر.

فالسريانية لغة مشتقة من الآرامية، التي نشأت في الألف الأول قبل الميلاد، وأصبحت في القرن السادس قبل الميلاد لغة التجارة والتخاطب في الهلال الخصيب. ومع الزمن تحولت الآرامية إلى السريانية اعتبارا من القرن الرابع الميلادي. وفي بداية العصر الأموي كانت السريانية لغة الدواوين، إلى أن عرّبها عبد الملك بن مروان.

     تعايشت السريانية مع اللغة العربية الآخذة في الصعود حتى العصر المملوكي، حيث أخذت العربية تدريجيا تحلّ مكان الآرامية بين السكان. وحتى القرن السادس عشر كانت الآرامية لغة التخاطب بين الموارنة، الذين تناولهم الأمير شكيب بالنقد دون أن يسميهم.

     ويبدو أن الأمير شكيب أرسلان على الرغم من سعة معرفته واطلاعه على ما كُتب عن تاريخ المشرق العربي بالفرنسية، لم يكن يعلم أن ثلاثة قرى في جبال القلمون كانت تتكلم السريانية (ولا تزال إلى الآن، 2017). هذه القرى الثلاث هي: معلولا المسيحية، التي دُمرت مع ديرها المعروف باسم مار تقلا أثناء “الأحداث”، وبخعا (سمّاها الحكم الصرخة)، وجبعدين، والأخيرتان دخلتا في الإسلام في أواخر القرن الثامن عشر. ولا تزال في قلب بخعا كنيسة أندراوس القديمة، التي كانت تتولاها راهبات دير مار تقلا قبل تهجيرهم أثناء الأحداث. وكاتب هذه الأسطر زار للتحقق التاريخي عام 2004 هذه الكنيسة، التي لم يمسها مسلمو بخعا بأذى.

     إذا تركنا جانبا موقف الموارنة المؤيد لدخول فرنسا إلى سورية عام 1918، فإن غالبية الأقلية السريانية في سورية لم يكن لها موقف ولا حول ولا قوة لها. وقسم كبير من سريان سورية الحالية يعتبرون أنفسهم عربا. ولم يكن من السهل على الفاتحين العرب المسلمين أخذ سورية بسرعة وسهولة، لولا ترحيب ومساندة السريان المعادين للدولة البيزنطية.

     المستشرق الفرنسي لوسرف اهتمّ بدراسة اللهجة العامية في القلمون متعاونا مع المستشرق الألماني شبيتالا، الذي درس لغة، أو بالأصح لهجة، أهل معلولا السريانية. وقد انكبّ لوسرف في عامي 1935 – 1936 على دراسة لهجات قرى القلمون الفوقاني، وعلاقة هذه اللهجات بجذور اللغة السريانية، التي كان يتكلم بها سكان الأرياف بأكثريتهم المسيحية حتى الفتح العثماني 1516، وبعدها أخذوا يدخلون تدريجيا في الإسلام. ولم يكن الوالي العثماني متحمسا لهذه الأسلمة لأنها تحرم خزينة اسطنبول من ضريبة الجزية المفروضة على ذكور المسيحيين، الذين تراوح أعمارهم بين 18 و60. ولا يزال تأثير السريانية في اللغة المحكية في العديد من مناطق بلاد الشام واضحا “لأهل العلم” في اللغات.

     الأمير شكيب أرسلان العثماني الهوى منذ شبابه لم يستطع هضم زوال الدولة العثمانية وزحف الاحتلال الاستعماري الفرنسي على سورية، فأنشأ هذه المقالة المعبِّرة عن رأي قطاعات من الوطنيين سواء في بلاد الشام أم في المهجر. ومن هنا ندرك ترحيب الوطنيين العرب، بأكثريتهم المسيحية في المهاجر الأميركية، بنشر مقالته في جريدة الأفكار البرازيلية في نيسان 1921.

                   ***

وتبقى إشكالية عنوان مقالة أرسلان: “سورية عربية أولا وآخرا” مرتبطة بأمرين:

–  المقصود بسورية بلاد الشام المؤلفة من أربع مناطق بعد انهيار الدولة العثمانية ونتيجة اتفاقية سايكس بيكو، وهي: الجمهورية السورية، لبنان الكبير، فلسطين وما انتابها مع الغزو الصهيوني، وإمارة ومن ثمّ مملكة شرق الأردن. ونرجح أن أرسلان قصد بسورية بلاد الشام شمالها وجنوبها.

– هل سورية كانت عربية منذ الأزل؟.. لا نظن أنّ أرسلان يقصد هذا الوهم التاريخي. وما دفعه لاستخدام تعبير سورية عربية أولا وآخرا هو الجو السياسي السائد المشحون بصعود الوعي الوطني والقومي العربي، في وقت لم يكن هناك خطر من الأقليات الإثنية كالأكراد والأرمن والشركس والتركمان، الذين لم تكن لهم جذور تاريخية عميقة في سورية، بعكس السريان وبالتالي الآراميين، فهم آخر الهجرات السامية إلى بلاد الشام، وكانت وشائج القربى بينهم وبين جيرانه العرب واضحة، ما سهّل عملية تعريب سورية. وهذا، على ما يبدو، ما قصده الأمير شكيب أرسلان في مقاله المفعم بالروح القومية والمتسم في الوقت نفسه بالتخبط في السرد التاريخي لبلاد الشام.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق