مختارات من الكتب

ميشيل عفلق: البعث العربي موقف ايجابي

من كتاب في سبيل البعث، الجزء الأول، الباب الثاني (9)

  •   
  •   
  •   

إن الحركات التي تنشأ في مجتمع ما، اما ان تكون سطحية وقتية، واما ان تكون جدية اصيلة، وكلا النوعين لا بد ان يتأثر بظروف المكان والزمان المحيطة به، ولكن نوعية هذا التأثر بظروف الزمان والمكان هو الذي يعين نوع الحركة، فاذا تأثرت الحركة تأثرا منفعلا سلبيا استنفد كل امكانياتها وقواها حتى غرقت في ظروفها، اعتبرناها من الحركات السطحية الآنية العابرة واذا استطاعت الحركة ان تتأثر بالظروف المحيطة بها دون ان تغرق فيها بل احتفظت بالسيطرة عليها لتوجهها، كانت من الحركات الجدية الاصيلة.

اذا نظرنا الى يقظة العرب الحديثة، نجد ان الدور الاول الذي مرت به هذه اليقظة تنطبق عليه صفات التأثر المنفعل السلبي. فكل مظاهر اليقظة، سواء في السياسة او في الاجتماع او في الفكر، انما هي رد فعل لما سبقها من حالة الجمود والانحطاط فكانها تقلد تقليدا حرفيا الحالة التي قامت لتنفيها وتتمرد عليها، وهذا أمر طبيعي، اذ لا بد ان تمر الامة في دور سلبي في بدء يقظتها وانقلابها، ولكن الشيء غير الطبيعي ان تستمر اليقظة في سلبيتها وأن تبقى رد فعل لما سبقها، وانها اذا استمرت على هذا الحال، يغدو من المشروع ان نعتبرها يقظة مخفقة لا تحوي في نفسها بذور الحياة إذ لا حياة مع السلبية.

واذا عددنا مختلف الحركات الوطنية التي قامت في الاقطار العربية جوابا على الاستعمار الاجنبي -والحركات الفكرية والاجتماعية التي قامت كجواب على امراض المجتمع العربي- (كالاقطاعية والطائفية والاقليمية والرجعية الفكرية وغير ذلك) وأمعنا النظر في هذه الحركات جميعا، وجدنا صفة واحدة تجمع بينها على اختلافها وتباينها وهذه الصفة هي: السلبية.

ونقصد بالسلبية أنها لا تختلف في الجوهر عن الحالة التي قامت بها تلك الحركات لنقضها، فالحركات الوطنية تقلد الاستعمار واساليبه، والحركات الفكرية المتمردة الثائرة تقلد حالة الجمود في اطلاقها وفي تعصبها وفي شططها، والحركات الاجتماعبة التي ثارت على الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتخلف في البلاد العربية حملت بذور السلبية، إذ خرجت عن نطاق الامة التي تعمل لها، وشطت في أهدافها وغاياتها حتى خانت رسالتها والقصد من وجودها.

إن التأثر بالزمان والمكان واقع لا محالة، إنه شيء لا مفر منه ولا يمكن ان توجد حركة تستطيع التأثير في مجتمع ما دون أن تتأثر بهذا المجتمع نفسه، ولا وجود للحركات النظرية المجردة التي تعيش في الفضاء بين الارض والسماء لا تلامس الواقع ولا تتصل به.

اذن لابد للحركة حتى تكون حية من أن تعيش في جو حي واقعي، وأن تفهم مختلف التيارات التي تعترك في مجتمعنا. ولقد طرقنا مرات عدة في احاديث البعث العربي وكتاباته موضوع التوفيق بين حيوية الحركة وجوهريتها. كيف يمكن أن تكون الحركة جوهرية، أي تعني بالجوهر الثابت من الامور، وتكون في الوقت نفسه حركة متجاوبة مع واقعها متصلة بزمانها.

إن الدور الاول من يقظتنا القومية يمثل هده الناحية السلبية، ولكن لا يجوز أن يستمر هذا الدور، فثمة وضع نفسي فكري للحركة الاصيلة لا يمكن الا ان يكون وضعا ايجابيا. ذلك ان الحركة الاصيلة لا يمكن ان تأتي جوابا على حالة طارئة في الأمة، فالاستعمار حالة طارئة، والاقطاعية التي هي تفرد فئة من الشعب لاستثمار الآخرين والتحكم فيهم حالة طارئة، والطائفية التي هي تغلب روابط سطحية تافهة على روابط أساسية عميقة حالة طارئة، والإقليمية التي هي تغلب الصفات الموضعية الثانوية في الأقاليم والأقطار على الصفات القومية هي حالة طارئة.

وهذه الحالات كلها سلبية ليس فيها شيء من الحياة، وانما هي نتيجة ضعف الحياة وتراخيها، ومتى ضعفت الحياة طفت القشور على السطح فهل يجوز ان تتصف الحركة العربية المنشودة بهذه الصفات العارضة التي لا تمت الى حقيقة امتنا بصلة؟ هل يجوز ان تكون نظرتنا الى القيم ونظرتنا الى المستقبل مستوحاة كلها من هذه الحالة المرضية الطارئة؟ كذلك هل يجوز أن تقوم حركات فكرية اجتماعية على وجود آفات وأمراض في مجتمعنا كالطائفية والاقطاعية وغيرهما؟!.

لذلك كله سميت الحركات التي تنشأ عن الحالات الطارئة، حركات سطحية لأنها لا تعبر عن ارادة الأمة في الحياة الحقة التي تصبو اليها، وانما تعبر عن رد فعل آلي في الأمة، عن اشمئزاز وامتعاض من حالات طارئة، ومثل هذه الحركات لا يكتب لها البقاء.

لو اكتفينا بالنظر الى برامج الحركات والأحزاب القائمة في العالم العربي لخرجنا بنتيجة تشاؤمية لأننا لا بد واجدون فيها كلها هذه الصفة السلبية -ولكن شيئا واحد ينقذنا من التشاؤم: هو أن نلتفت في الوقت نفسه الى الشعب العربي الذي كون المادة لجميع الحركات في نشاطها وأعمالها.

إن بامكان الحركات المختلفة ان تضع لنفسها البرامج التي تريد وان تتبع الخطط والأساليب التي تفضلها، ولكن الشعب نفسه لا يجيب جوابا آليا على تلك البرامج والخطط، انه ليس آلة تستجيب لما يراد بها بل هو في حركاته يمثل شيئا إيجابيا كل الايجابية، فالحركة الوطنية في افكارها وفي عقلية قادتها وفي أهدافها الواقعية وأساليبها المشاهدة لا تحوي الا الاشياء السلبية، وليس فيها أي تطلع الى بناء حياة إيجابية، ولكن الشعب الذي تجاوب مع الحركة الوطنية، ولبى نداءها، لم ينحصر في حدود أهدافها، ولم يتقيد بجدب افكارها ونضوبها، انما كان في مقاومته للاستعمار الاجنبي ونضاله يسعى الى تحقيق شيئ ايجابي وهو: مجتمع عربي ناهض متقدم تسوده المبادئ والمثل العليا من عدل ومساواة وحرية. فثمة فرق واضح بين ما تسطره البرامج وبين الروح التي تتجلى في تصرفات الشعب المتجاوب مع هذه البرامج. وكذا الحال لو تناولنا اية حركة اخرى: فالاحزاب الدينية مثلا انما هي في فكر موجهيها والدافعين اليها حركات تقوم على اشياء سلبية محضة، على الكره الطائفي والخوف والحذر وغير ذلك من العواطف السلبية. ولكن الشعب الذي يتبع في وقت من الاوقات مثل هذه الحركات التي ننعتها بالرجعية الدينية لا يتحرك بدوافع سلبية، انه لا يتحرك بدوافع الخوف والكره والبغضاء. واذا نفذنا الى روحه وضميره، تبينا ان في تبنيه لهذه الحركات نصيبا كبيرا من الايجابية ايا كان لون الحركة ونوعها. وهو في تأييده الحركات الدينية الرجعية في بعض الاحايين انما يرمي الى المحافظة على شخصيته والابقاء على تلك الصلة الحية الروحية بين حاضره وماضيه، ويهدف الى تحقيق الانسجام في حياة المجتمع بربطه بالارض التي يعيش عليها وبالجو الذي يحيط به، عدا عن ان مثل هذه الحركات الدينية تعبر، في ضمير الشعب، عن توقه وحنينه الى تحقيق مثل عليا سامية.

ولكن اذا كنا نتفاءل بروح الشعب ونقول بأن روحه روح إيجابية تطمح الى البناء والخلق، فهذا لا يعني اننا نسطيع أن نستكين ونستسلم للأفكار الخاطئة.

نحن نثق بأن جوهر الشعب سليم متقبل للعمل الايجابي المبدع، ولكن متى انتبهنا الى خطل الافكار الموجهة له، علينا ان نعلن ذلك وان نخاطب الشعب لنفهمه الصواب من الخطأ.

ان الذين تتبعوا حركة البعث العربي في الناحية الفكرية على الاقل، وذلك فيما صدر عنها من كتابات، يستطيعون ان يلاحظوا منذ بدء الحركة اهتمامنا البالغ بأن نجعل من حركة البعث الخطوة الايجابية التي يجب ان تأتي بعد الخطوة السلبية.

ونحن كأبناء هذه الامة وهذا المجتمع نتأثر به ونشعر بتياراته، وقد شعرنا كما شعر الكثيرون ان الحل لم يأت بعد، وان الامة في موقف انتظار، وان طريق الامة لا يمكن ان يكون سلبيا، لان كلمة الامة الاخيرة لا يمكن ان تكون بالنفي، وانه يجب ان تأتي اخيرا الكلمة الايجابية التي تقول لنا كيف يجب ان نعيش وكيف يجب ان نبني حياتنا ومجتمعنا.

لذلك كنا من الناحية السياسية متطلعين الى مرحلة تعلو على الحركات الوطنية السائدة في العالم العربي، وهذه الاشياء قد كتبت مرارا، بأننا لم نرض لانفسنا في وقت من الاوقات ان نكون مجرد رد فعل للخيانة والاستعمار، بل وضعنا نصب أعيننا الحركات الوطنية لكي نعلو عليها ونرتفع الى درجة أعلى، ونصفيها من شوائب العدوى التي لحقت بها من حالة الاستعمار والخيانة.

وكنا نقول في مناسبات عديدة اننا نؤمن بأن الوطنية يمكن ان تجتمع ويجب ان تجتمع مع النزاهة والكفاءة، لا أن تكون متصفة -كما هي عند القيادة القديمة- بصفات بارزة طاغية عليها، هي صفات الاستغلال والجهل.

اما من الناحية الفكرية فكنا أبدا نرى ان الخطوة المنشودة لم تظهر، الخطوة التي تعلو على الخطوتين السابقتين، على الجمود والمحافظة، وعلى التقدم السطحي الذي يخرج المواطن عن قوميته وروحه وتاريخ امته، والذي لا تتوفر فيه شروط الحياة التي ترتبط بروح الامة. واذا كان بعضنا يذكر تلك النشرة الني جاء فيها منذ اربع سنوات اننا نمثل التاريخ العربي الحي ضد الرجعية “الميتة” والتقدم “المصطنع” فإن ذلك كان ينبئ عن موقفنا الايجابي.

اننا نريد ان نجد الحالة التي ترتاح اليها نفس الامة ويطمئن اليها المجتمع والتي تنفي انحرافين: انحراف الجمود والمحافظة البالية وانحراف التقدم المصطنع الذي يعيش في جو غير جونا، ولا يمكن ان يتجاوب معنا ويقدم لنا النفع والخير. كذلك من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، وهي من أهم النواحي التي يجب ان تعني بها الحركة القومية، علينا ان نلتفت ونتطلع الى الحل الذي يتفق مع حاجة الأمة الايجابية. فهناك حالة مرضية في مجتمعنا، هي حالة تحكم فئة قليلة بكثرة الشعب، انها حالة الاقطاعية والاستغلال وهناك جواب عليها مصطنع، وهو الاشتراكية اللاقومية التي لم تفهم حاجات المرحلة.

ومنذ سنين شعرنا بهذه الحاجة الملحة الى ايجاد الحل الايجابي، الى الاشتراكية العربية التي تداوي امراض المجتمع العربي من الناحية الاقتصادية ولا تضطره الى انكار قوميته والى الارتباط بذيل غيره من الامم، فيفقد سيادته وتطمس شخصيته. وهنا لابد من ان نذكر ملاحظة لها بعض الخطورة، وهي اننا نرى فيما حولنا كثيرا من الحركات التي لا تتصف بالجد لأنها لا تتصف بالعمق. انها ليست في صميم القضية القومية، لانها لا تحمل المسؤولية التي يفرضها تطلع الأمة، بل تعيش لتستغل الحالات الطارئة، نراها تتبنى كل يوم فكرة أو دعوة وتماشي وتساير، فهي مثلا عندما ترى الجو مشبعا بفكرة سائدة وترى الزي الرائج في وقت من الاوقات، تتبنى الدعوة الاشتراكية وتلحقها بما لها من مبادئ سابقة، وفي هذا خطر كبير على مستقبل حركتنا القومية. الفرق جوهري بين ان نأخذ الاشتراكية كشيء نؤمن به من أعماقنا لأنه يفصح عن حاجات أصيلة جوهرية في أمتنا، وبين أن نأخذها “كرفع عتب” ومسايرة كي لا يقال اننا اقطاعيون أو رجعيون، أو لكي لا تنجح الحركة الشيوعية في أخذ انصارنا ومريدينا.

الموقفان مختلفان لا بل متعاكسان. أما الموقف الايجابي، وهو الموقف الثاني، فهو الا ننادي الا بما نؤمن بحقيقته ونفعه وضرورته، وعند ذاك يكون دفاعنا عنه واخلاصنا له من النوع المبدع، لا من نوع دفع التهمة ودرء الخطر. ومن المؤسف ان تكون حال الفكرة الاشتراكية وغيرها من الافكار التي هي من صميم الفكرة العربية في العالم العربي كله، الى الآن، هذه الحال. أي انها لم توضع عن قناعة ولا ايمان، انما مسايرة ودفعا لتهم الخصوم وتمشيا مع شعارات الوقت، في حين ان ثمة حاجة قاهرة تهيب بالعرب وخاصة بالشباب العربي الذي يكوّن الطليعة في حركتنا العربية بأن ينظر الى قضية أمته نظرة اكثر جدية. فأفكارنا وأهدافنا لا يمكن ان تعيّن بهذا الدافع التافه، دافع المسايرة والتبرؤ من تهمة والرد على تهمة اخرى. يجب ان تعين افكارنا واهدافنا تبعا للحاجات الايجابية التي نشعر بها ونلمسها ونصل اليها بعد الدرس والتدقيق والتجربة.

13 آذار 1947

المصدر
موقع ميشيل عفلق
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق