شهادات ومذكرات

أكرم الحوراني:  خلفیة الأوضاع الاجتماعیة بحماه في أواخر العھد التركي

من مذكرات أكرم الحوراني

  •   
  •   
  •   

أكرم الحوراني:  خلفیة الأوضاع الاجتماعیة بحماه في أواخر العھد التركي

كان آل العظم وآل الكیلاني اسرتین معتبرتین من “الذوات” أي الأعیان والوجھاء، فآل العظم كانوا لفترة كبیرة خلال العھد التركي ولاة لمدينة حماه وغیرھا من المدن السورية، وقد بنوا في حماة قصر العظم الأثري المعروف، كما تملكوا الملكیات الواسعة في حماه وريفھا، وكان نفوذھم السیاسي في حماه ودمشق، أما أسرة الكیلاني فبالإضافة إلى نفوذھا السیاسي في مدينة حماه وإلى كثرة عدد أفرادھا واتساع ملكیاتھا فقد كانت تعتز

بانتسابھا إلى عبد القادر الكیلاني، ولم يقتصر نفوذ العائلة الكیلانیة على مدينة حماه بل كان امتداد نفوذھا على مستوى العالم العربي (عائلة الكیلاني في بغداد) وعلى مستوى العالم الاسلامي حیث كانت تمثل الطريقة الصوفیة الكیلانیة لعبد القادر الكیلاني المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي لله عنه.

كان آل العظم وآل الكیلاني يعتبرون عائلة البرازي من “أھل برا” أي أنھم من الطارئین على مدينة حماه لذلك كان خالد البرازي والد محسن البرازي على علاقة وثیقة مع طبقة التجار وبعض رجال الدين وكان يحظى بتأيیدھم السیاسي ھذا في الوقت الذي كانت فیه قیادة الحركة الشعبیة التقدمیة بید فريق من العلماء “رجال الدين” أمثال الشیخ عبد القادر عدي، والد رفیقنا الاستاذ علي عدي، والشیخ حسن رزق، والشیخ أحمد الصابوني والشیخ سعید الجابي الذي حارب الافكار الدينیة الخرافیة، بالاضافة إلى الشباب المثقف الذي بدأ يتخرج من

الجامعات أمثال الشھید علي الأرمنازي والشھید الدكتور صالح قنباز والدكتور توفیق الشیشكلي والدكتور خالد الخطیب.

وكان نشوء الحركة الشعبیة نتیجة طبیعیة لنشاط الحركة التجارية أوائل القرن العشرين بین حماه والاناضول، كما نشطت فیھا الحركة الصناعیة ولا سیما صناعة الغزل والنسیج، وقد أفرز ھذا التطور الصناعي والتجاري طبقة بورجوازية من الصناعیین والتجار، كما أفرز طبقة عمالیة بدأت تنتظم شیئا فشیئا ضمن نقابات مھنیة ولا سیما في العھد الفیصلي وبعد الاحتلال الفرنسي.

كان يقود تلك الحركة الشعبیة التجار ورجال الدين المتنورون والمثقفون الذين تخرجوا من جامعات الآستانة والذين لھم تطلعاتھم القومیة العربیة التحررية وتطلعاتھم الشعبیة ضد نفوذ العائلات الاقطاعیة في مدينة حماه، وقد انضم والدي إلى ھذه الحركة بالرغم من أنه كان من كبار الملاكین في حماه، فكان من أبرز قیاداتھا، وھذه ھي المرحلة الأولى من نشوء الحركة الشعبیة التي نمت وتعاظمت بعد الاحتلال الفرنسي حیث أصبحت حركة شعبیة وطنیة واستقلالیة ضد الاحتلال وضد الطبقة الاقطاعیة المتحالفة معه.

كان الشیخ حسن رزق صديقا لوالدي، ولا زلنا نحتفظ باللوحة التي كتبھا بخط يده الجمیل وشعره البديع يھنئه فیھا بولادة أخي الأكبر محیي الدين، على الطريقة القديمة في حساب تاريخ الولادة بالأحرف الأبجدية، وقد اطلعت على اعداد جريدة “الانسانیة” التي كان يصدرھا في حماه قبل الحرب

العالمیة الأولى. ولا زلت مندھشا لمستوى تلك المقالات التي كان يكتبھا بفكر ديمقراطي تقدمي إنساني. بدأت مدرسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي ولا سیما بعد إعلان الدستور العثماني عام 1909 ، تفعل فعلھا في جمیع أرجاء الوطن العربي، على أيدي تلامیذھا، ولا شك أن شیوخ النھضة في سوريا كانوا من تلامیذ ھذه المدرسة التي تاثر بھا الشیخ حسن رزق، وتجاوزھا بتفكیره العقلاني نتیجة دراساته لأبي العلاء المعري[1]  وابن خلدون وغیرھما من المفكرين العرب، وبالرغم مما كان يخیم على حماه من تأخر وجھل آنذاك فقد كان

لأبي العلاء وجود ثقافي قوي حتى في الأوساط الشعبیة التي كانت تسمع أشعاره وترويھا معجبة بذكائه مشفقة من كفره وإلحاده. وكان عمي ياسین، وھو شبه أمي، يحفظ مع رفاقه نتفا من شعر أبي العلاء ويرويھا معجبا بھا مستغفرا لقائلھا.

كان والدي على صلات وثیقة مع العلماء والمثقفین والتجار، ولا سیما الشیخ عبدالقادر عدي. فلقد كان وإياه أخوين لا يفترقان، وقد حدثتني والدتي بأن الشھید علي الأرمنازي [2] كان يجتمع إلى والدي باستمرار اجتماعات سرية. وأن والدي كان على اتصال بالجمعیات العربیة السرية (العربیة الفتاة) وأنه كان يكره الاتحاديین ويرتاب بحسن نواياھم نحو العرب، وكانت تقدر أنه لو لم تعاجله الوفاة لأمر جمال باشا باعتقاله ولكان في عداد من سجنوا أو نفوا أو حكم علیھم بالاعدام.

———————————————————— 

[1] ) رجعت أثناء تدوين ھذه المذكرات إلى عدد مجلة الانسانیة الصادر بتاريخ 15 نیسان 1911 في ) مجلد السنة الثانیة، وقد خرج متوجا بقصیدة للشاعر العراقي جمیل صدقي الزھاوي يعارض فیھا قصیدة أبي العلاء” غیر مجد في ملتي واعتقداي”… والمقالة الثانیة بعنوان “كیف تنتشر المباديء” يرد فیھا الشیخ حسن رزق على كاتب فاضل” يقترح نشر المباديء بتضحیة بعض المباديء لاحیاء بعضھا الآخر، والحرص على نشر المباديء بین أرباب النفوذ والثراء ولیس بین العامة” فیقول في رده: “إن الصبر على تضحیة شيء من المباديء بالطوع والاختیار لیس بالأمر السھل ولا يستطیعه كل انسان، لأن الأمور التي نسمیھا مباديء ھي في الحقیقة ملكات راسخة … وإنني أرى أن نشر المباديء بین الطبقتین الدنیا والوسطى أغزر نفعا وأكثر فائدة من نشرھا بین المتنفذين إذا كانوا جھلاء لأن العامة ھم أسلس قیادا وأنقى قلوبا وأسھل قبولا والین عريكة. ولم تزل بھم بقايا الفطرة السلیمة وھم السواد الأعظم. فمتى انتشرت تلك المباديء بینھم كانوا لھا حرزا حريزا وحصنا حصینا يستقبلون الموت بنفوس باسمة في سبیل الدفاع عنھا والذود عن حیاضھا لأنھم أقل تمسكا بالحیاة من أولئك الذين يتمتعون بلذة الثراء والسیطرة، ولا يزال السواد الأعظم ھو القوة الغالبة في جمیع الأمور”. وفي المجلة مقالات جیدة عن “تعلیم البنات” والدعوة له، والتبشیر بالتطور والنشوء والارتقاء وعرض للنظريات الحديثة بصدد تكون الأرض ومن المؤسف أن مجلد السنة الثانیة من ھذه المجلة قد نھبته خلال الحرب الأھلیة اللبنانیة جماعة كمال شاتیلا من بیتي في بیروت مع غیره من مجموعات الصحف النادرة، مع مجموعتین من محاضر مجلس النواب السوري تخص احداھا المرحوم خلیل كلاس وتخص الاخرى النائب فؤاد قدري، وقد ذھبت زوجتي خصیصا من العراق الى لبنان وحاولت عبثا استرجاع المكتبة بالاتصال مع شاتیلا وعاصم قانصوه مسؤول حزب البعث في لبنان ورئیس الوزراء سلیم الحص، وعندما اتصلت بالمخابرات السورية في لبنان تبین لھا أن ھذه المخابرات على علم بتفاصیل المنھوبات وقد أعاد شاتیلا بعد مساع عديدة قلیلا جدا من المنھوبات مما لیس له أي قیمة.

[2] علي الأرمنازي: ولد في حماه من أسرة شعبیة عرفت بالورع في الدين، تعلم في الاستانة ) وانتسب للجمعیات العربیة السرية، وقد أعدمه جمال باشا مع رفاقه الشھداء في 6 أيار 1916

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق