قراءة في كتاب

سورية العثمانية وأسرارها

  •   
  •   
  •   

 

محمد الارناؤوط – صحيفة العربي الجديد 12 نيسان 2015

على الرغم من بقاء سورية بحدودها الحالية أربعة قرون تحت الحكم العثماني، وبرغم مرور حوالي مائة سنة على انحسار هذا الحكم عن سورية، فإن قطع اللوحة الفسيفسائية عن سورية العثمانية لم تكتمل بعد، حيث لاتزال لدينا مناطق معتمة أو رؤى أحادية قائمة على مواقف مسبقة تعيق الرؤية الشاملة. ويبدو من المثير أنه بعد كل هذه العقود، وبمناسبة المئويات التي تحتشد الآن (مئوية الحرب العالمية الأولى وحرب السويس عام 1915 والثورة العربية)، لاتزال هناك بقع غائمة أو غامضة في تاريخنا الحديث.

صحيح أن الدراسات المتعلقة بتاريخ بلاد الشام تحت الحكم العثماني تقدمت في العقدين الأخيرين، ولكنها لا تقارن مع أهمية الدراسات في أوروبا والولايات المتحدة، حيث إن الفارق ينبع من اعتماد هذه الأخيرة على المصادر العثمانية (دفاتر المهة، ودفاتر التحرير وغيرها). ومع إهمال هذه المصادر نجد أنه لايزال لدينا حتى الآن تخبط في الكتب المدرسية (وحتى الجامعية) في ما يتعلق ببدايات الحكم العثماني وحتى نهاياته التي هي أقرب لنا. وكان المسوغ الدائم هو حاجز اللغة والبيروقراطية التركية. 

ومن هنا جاءت جهود بعض الزملاء والمؤسّسات في العقدين الأخيرين في نشر بعض المصادر العثمانية عن تاريخ بلاد الشام مثل فاضل بيات الذي أصدر ثلاثة مجلدات من أقدم دفاتر المهمة (الأحكام السلطانية) المتعلقة ببلاد الشام (عمّان 2005-2009) قبل أن ينتقل إلى إسطنبول ويوسّع عمله في مركز الأبحاث للتاريخ والثقافة والفنون الإسلامية (ارسيكا) ليصدر مجموعة جديدة تحت عنوان أوسع “البلاد العربية في الوثائق العثمانية” (إسطنبول 2010-2014). وفي هذا السياق ظهر مؤخراً المجلد الضخم “سوريا في الوثائق العثمانية” عن “ارسيكا” ورئاسة دائرة الأرشيف العثماني الذي يضم مختارات من الوثائق العثمانية موزعة على ثمانية فصول تتناول الحكم والإدارة، والحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وما يتعلق بالحرب العالمية الأولى. وإلى جانب الوثائق فقد ضمّ هذا المجلد الكبير حوالي أربعين صورة وخريطة نادرة معظمها تنشر لأول مرة. 

السؤال هنا: ما الذي يحدثه هذا المجلد من الوثائق العثمانية (المنشورة في الأصل بالحروف العربية ثم في التركية الحديثة مع ملخصات في العربية) من فرق في الصورة التي نعرفها عن بلاد الشام خلال الحكم العثماني؟ 

الجواب يرتبط بما نعرفه في الأصل عن هذا التاريخ، ولكن حتى مع هذه الوثائق يمكن القول إننا لانزال نحتاج إلى المزيد لكي تكتمل الصورة عن سورية العثمانية. فالصورة التي لدينا في الكتب المدرسية ليست دقيقة عن بدايات الحكم العثماني، وبالتحديد عن التقسيمات الإدارية. فقد ترك العثمانيون الحكم أولا للأمير المملوكي جان بردي الغزالي، ولكن بعد ثورته الفاشلة في 1520 شكّل العثمانيون ولاية واحدة كبيرة (ولاية الشام العربية) مركزها دمشق، ثم قاموا في 1549 بتقسيمها إلى ولايتين (ولاية دمشق وولاية حلب)، وشكلوا لاحقا ولاية طرابلس ثم ولاية صيدا ومركزها عكا، واستمر الأمر كذلك حتى 1865 حين دمجت ولاية صيدا مع ولاية دمشق لتشكيل ولاية كبيرة باسم جديد (ولاية سورية) التي ضمت معظم سورية الحالية وفلسطين وشرق الأردن. 

في ما يتعلق بالحياة الاجتماعية والعلاقة بين السكان والحكام، يظهر عدد من الوثائق وجود تعسّف وسوء إدارة، ولكنها تبرز أيضاً ردة فعل المركز (إسطنبول) الذي كان يتدخل من حين إلى آخر لضبط الأمور. ففي القرن السابع عشر الذي ساء فيه الوضع بشكل عام في الدولة العثمانية، لدينا وثيقة من أواخر 1689 تثبت أن “الولاة والمتسلمين يطالبون الفقراء والمحتاجين بدفع ضرائب أخرى زائدة وتحت مسميات مختلفة”، ولذلك يرد الحكم السلطاني في 3/12/1689 بـ”عدم الإقدام على إزعاج الأهالي بمثل تلك الممارسات وإبطال الضرائب الزائدة المطلوبة”. ومن مظاهر الفساد لدينا وثيقة تعود إلى 1572 تتعلق بالتكية التي بناها السلطان سليم في الصالحية عام 1518. فقد بنيت هذه التكية لتقديم الوجبات المجانية للمحتاجين (ولاتزال تقوم بهذا الدور إلى الآن)، لكن الوثيقة تكشف كيف أن هذه التكية “صارت مكانا لاستفادة الأغنياء بينما يتعرض الفقراء القادمون إليها لأخذ الطعام إلى المعاملة السيئة من قبل بعض العاملين فيها”، ولذلك صدر الحكم السلطاني في 10/7/1572 لوضع حد لذلك. 

ولدينا وثيقتان مهمتان عن الحراك الاجتماعي ضد السلطة في لحظتين تاريخيتين مهمتين: عشية قدوم جيش محمد علي باشا وإرساء “الإدارة المصرية” في بلاد الشام، والأخرى بعد انسحاب قوات محمد علي وعودة بلاد الشام إلى الحكم العثماني. ففي وثيقة تعود إلى شباط/ فبراير 1831 لدينا حراك مفاجئ للحرفيين في دمشق الذين رفضوا دفع الضريبة الجديدة التي فرضت لمواجهة نفقات الحروب فأغلقوا محالهم، أو أضربوا بلغة اليوم، وساروا في مظاهرة احتجاجية إلى مقر الحكم حيث “حدث عراك وصدام سقط فيه عدد من القتلى والمصابين بين الأهالي”. أما الوثيقة الثانية فتعود إلى تشرين الأول/ أكتوبر 1850، أي بعد انحسار “الحكم المصري” الذي طبّق لأول مرة المساواة بين المسلمين والمسيحيين. فالوثيقة تتحدث عن “عصيان حلب”، وبالتحديد عن حراك شعبي غير مسيوق ضمّ 30-40 ألفاً من الأهالي الناقمين الذين سيطروا على مخازن السلاح والذخيرة في الوقت الذي لم يكن في ثكنة حلب سوى 540 جندياً. وتشير الوثيقة هنا إلى سببين وراء هذا الحراك الذي سيطر على المدينة: الاحتجاج على استمرار المسيحيين “بحمل الصلبان علنا وقرع الأجراس” من عهد “الإدارة المصرية”، ورفض نظام الجندية. 

لكن ربما أهم ما تكشف عنه هذه الوثائق هو فشل الحكم العثماني خلال عدة قرون في السيطرة على البدو في المنطقة التي بقوا يشكلون فيها تهديداً متواصلا لسكان الريف والمدن، ويخلقون بذلك المشاكل للفلاحين ويدفعونهم للتخلي عن أراضيهم والهجرة إلى المدن. وحول ذلك لدينا تقرير من والي الشام صالح باشا بتاريخ 12 /3/ 1827 يقدم صورة مروعة عن الحالة في الولاية نتيجة لهجمات البدو على الفلاحين، حيث يقول “إن البدو في كل أنحاء ولاية الشام يوقعون الظلم بالأهالي فتناقصت محاصيلهم الزراعية وتراجعت مواردهم بشكل واضح، وإن السنوات الأخيرة شهدت وفود 15 ألف شخص من الخارج واستيطانهم في دمشق”. 

وفي المقابل لدينا نقاط مضيئة بعد الإصلاحات التي تتابعت بعد الخط الهمايوني في 1856 وإعلان الدستور في 1876، حيث عين “أبو الدستور” مدحت باشا واليا على سورية (كما أصبحت تسمى الولاية الجديدة منذ 1865) فرفع تقريرا في 6/1/1879 عن ضرورة إجراء إصلاحات في الولاية “التي تعاني من الضعف الإداري نتيجة للتغيرات السياسية والحروب” ولكن “مع الأخذ بعين الاعتبار أوضاع المسلمين والمسيحيين والدروز والنصيرية والمتاولة وطبائع وعادات العشائر”. 

وربما تَظهر الوثائق المتعلقة بالفترة اللاحقة، وكأنها تستجيب لما طلبه مدحت باشا من إصلاحات في الإدارة والتعليم، حيث تظهر وثيقة تعود إلى 5/4/1888 الموافقة لرائد التنوير طاهر الجزائري على إصدار جريدة باسم “رياضة الأفكار” بالعربية والتركية والفرنسية وإقامة مطبعة. كما صدر أمر سلطاني في 1903 بفتح كلية للطب في دمشق “لأن الطلاب يضطرون للالتحاق بكلية الطب التي أقامها الأجانب في بيروت”، وصدرت في 1908 موافقة للعالم محمد علي ظبيان على تأسيس مدرسة جامعة باسم “دار العلوم” في محلة سيدي عامود تشمل كل مراحل التعليم. ويلاحظ من ناحية أخرى أن الوثائق تكشف عن افتتاح أول المصانع في دمشق وضواحيها من قبل البرجوازية السورية الصاعدة كافتتاح “مصنع لغزل القطن يعمل بجريان المياه” في دمشق 1888 و”مصنع للسكر يعمل بالبخار” في جوار دوما 1895 ومصنع للثلج في دمشق والقدس 1896. 

وربما يحمل الفصل الأخير عن الحرب العالمية الأولى أهمية خاصة نظراً لصدور الكتاب مع الندوات والمؤتمرات التي تقام الآن بمناسبة مئوية الحرب. ففي هذا الفصل لدينا ثلاث وثائق تنشر لأول مرة تتعلق بالأسابيع الأخيرة للحكم العثماني. وهنا يبدو أن اسطنبول كانت لاتزال تميز بين الشريف حسين الذي أعلن “الثورة العربية” باتفاق مع الإنكليز، وبين ابنه الأمير فيصل، وبقيت تراهن على الأمير فيصل حتى الأيام الأخيرة. ففي 11/5/1918 لدينا برقية من إسطنبول إلى والي سورية تحسين بك تطلب منه “العمل على كسب ولاء الأمير فيصل للدولة العثمانية مع شرط عدم الحديث عن الاستقلال والعمل كذلك على استمالة العشائر العربية بالمعاملة الحسنة”. ومع أن تحسين بك يرسل إلى إسطنبول برقية في 1/10/1918 يخبرها بدخول قوات الشريف حسين والقوات الإنكليزية إلى دمشق و”أن العمل في سورية لم يعد ممكنا بعد اليوم”، إلا أن وزارة الخارجية تطالبه في الأيام الأخيرة للحكم العثماني (12 أكتوبر 1918) بالتواصل مع الأمير فيصل لتنبيهه إلى خطورة احتلال جيوش الحلفاء لجزيرة العرب على العالم الإسلامي و”التفاوض مع الأمير فيصل في إطار تلك الأسس وتمشيا مع الأوضاع العسكرية الواقعة”. لكن من الواضح أن ذلك الطلب أو الموقف جاء متأخرا لأن القوات الإنكليزية كانت تتقدم نحو الشمال وتدخل حلب بعد أسبوعين فقط (27 أكتوبر) لتنهي بذلك الحكم العثماني لسورية بعد أربعة قرون وسنتين (1516-1918). 

برغم أهمية الكتاب وجدّيته، توجد أخطاء فاضحة في بعضه. ففي ترجمة الحكم السلطاني إلى والي الشام في الصفحة 113 عن التكية السليمية في الصالحية يرد “العمارة التي أقامها السلطان سليم الثاني” (1566-1574)، بينما هي تعود إلى السلطان سليم الأول الذي فتح الشام وبنى هذه التكية في 1518. وفي صفحة 121 صورة نادرة لـ” جامع السلطان سليم على شاطئ “بردى” بينما المقصود هو التكية السليمانية (وضمنها الجامع) التي بنيت بأمر من السلطان سليمان القانوني خلال 1554-1559. وفي الصفحة 385 لدينا صورة عن “أحد الشوارع من دمشق” ومن المفروض أن يحدّد هذا الشارع للأهمية التاريخية للصورة التي تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، إذ إنه يكشف عن الحالة التي كانت لمدخل دمشق الجنوبي المفضي إلى سوق السنانية وباب الجابية حيث يبدو على اليمين مدخل قبة الشيخ حسن (التي بني وراءها لاحقا معتقل الشيخ حسن المعروف) ووراءها قبة التربة السنبلية ومقابلها مئذنة جامع المدرسة الصابونية التي تعود إلى 1463م ولا تزال قائمة. 

( أكاديمي كوسوفي / سوري)

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق